Top
Image Alt

لمحات عن المفعول المطلق، ودراسة آيات قرآنية لبيان ما فيها من مصدر مبين للنوع

  /  لمحات عن المفعول المطلق، ودراسة آيات قرآنية لبيان ما فيها من مصدر مبين للنوع

لمحات عن المفعول المطلق، ودراسة آيات قرآنية لبيان ما فيها من مصدر مبين للنوع

1. اللَّمحات التي سجلها المرحوم الشيخ عضيمة عن المفعول المطلق:

نبدأ الدراسة التطبيقية بقراءة اللَّمحات، التي سجلها المرحوم الشيخ عضيمة عن المفعول المطلق:

اللَّمحة الأولى: أن الناصب للمفعول المطلق هو الفعل، وهذا هو الكثير في القرآن وكلام العرب، وقد يكون العامل في المفعول المطلق المصدر؛ لقوله تعالى: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا} [الإسراء: 63]، أو الوصف -أي: أن يكون العامل الوصف- كقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} [الصافات: 1].

هذه هي اللَّمحة الأولى، وهي خاصة بالعامل في المفعول المطلق.

اللَّمحة الثانية، وهي لم تضف إليك جديدًا: أن أنواع المفعول المطلق الثلاثة -مؤكد، ومبين للنوع، ودال على العدد- ذُكرت كثيرًا في القرآن الكريم.

اللَّمحة الثالثة: ما ناب عن المفعول المطلق؛ فناب عن المفعول المطلق لفظة “كل”، كما في قوله تعالى: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129]، و{وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]، وقد قدر النحاة المصدر المحذوف في قوله تعالى: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ}، فذكروا أن المصدر المحذوف نكرة، وقدروه: ولا تميلوا ميلًا كل الميل، وهذا سهو يقيني؛ لأن “كل” التي تقع صفة لا بد أن تضاف لمثل المحذوف، وهي هنا مضافة لمعرفة -لمصدر معرف- فلا بد أن يكون المحذوف مصدرًا معرَّفًا.

أما في قوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]، فـ{كُلَّ} هنا مضافة إلى نكرة، فلا بد أن يكون المصدر المقدر نكرة، أي: “وإن تعدل عدلًا كل عدل”.

ومثال “كل” المضافة للمعرفة: بـ{وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] أي: ولا تبسطها البسط كل البسط.

ومن النائب عن المصدر أيضًا: الضمير، أي: ضميره كما في قوله تعالى: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين} [المائدة: 115]، والعدد المميز بالمصدر كما في قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].

الجديد هنا -في كتاب الشيخ عضيمة- نيابة “أي” عن المفعول المطلق، وصاحب التصريح لم يذكرها ضمن النائب عن المفعول المطلق؛ ومثال نيابة “أي” عن المفعول المطلق قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون} [الشعراء: 227]، فـ{أَيَّ} هنا مفعول مطلق بالنيابة؛ لأنها مضافة إلى مصدر.

ومن المفعول المطلق الصفات، وقامت الصفات كثيرًا مقام المصدر في القرآن الكريم، ومثّل لذلك الشيخ ببعض الآيات: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا} [آل عمران: 41] أي: ذكرًا كثيرًا، {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} [التوبة: 82] وليضحكوا ضحكًا قليلًا، {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] وما قتلوه قتلًا يقينًا… إلى آخر الآيات.

ولم يذكر الشيخ عضيمة بعضية المصدر؛ لأن “كل” تنوب عن المصدر، و”بعض” أيضًا تنوب عن المصدر، فلعله سهو منه؛ لأن النحاة مثلوا لذلك بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل} [الحاقة: 44].

اللَّمحة الرابعة: أنه يطرد جعل المصدر بدلًا من فعله في الطلب كثيرًا، وجاء في الخبر قليلًا: {مَعَاذَ اللّهِ} [يوسف: 79].

اللَّمحة الخامسة: المصدر إذا كان بدلًا من فعله كان حذف الفعل واجبًا، وكذلك إذا كان المصدر تفصيلًا لعاقبة ما قبله، كقوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} [محمد: 4].

اللَّمحة السادسة: من الجديد الذي نتعرض له بالدراسة ولم يتعرض له النحاة: {هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، فـ{هَنِيئًا} قيل فيه: إنه اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف، أو صيغة مبالغة كعليم ورحيم، وقيل: إنه اسم فاعل وُضع موضع المصدر، قاله المبرد في (المقتضب)، وقيل فيه: إنه وصف لمصدر محذوف، قاله الزمخشري في (الكشاف)، أي: أكلًا هنيئًا.

اللَّمحة السابعة: “ويل”، “ويل” ونحوه إن أضيف وجب النصب؛ ويلَه ويحَه، وإن لم يضف جاز النصب والرفع، تقول: ويل لزيد، {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِين} [الْمُطَفِّفِينَ: 1] كما تقول: ويلًا له، بالنصب، والمفرد غير المضاف لم يأتِ في القرآن إلا مرفوعًا في جميع مواضعه.

اللَّمحة الثامنة: {سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116]، وسبحانك اسم مصدر وضع موضع المصدر أضيف للمفعول، هذا كلام من يقسم اسم الحدث إلى: مصدر، واسم مصدر.

أقول: وإذا كان الصبان يقول: “سبحان الله” مضاف للمفعول، وهو مصدر من الثلاثي استعمل بمعنى مصدر الرباعي، ويجوز أن يكون مصدر “سبح” في الأرض كـ “منع”، إذا ذهب وأبعد، أي: أبعد عن السوء إبعادًا، أو: من إدراك العقول وإحاطتها، فيكون مضافًا إلى الفاعل، فسنأخذ كلام الصبان ونعمل به، ونقول: إن “سبحان” مصدر {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] مصدر نائب عن فعله.

اللَّمحة التاسعة: هي المصادر التي لم تجرِِ على أفعالها، ومثال ذلك: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 60] {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: 128] {وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة: 12] {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 43] {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} [العنكبوت: 20]، إذ المصادر الجارية على الأفعال في الآيات السابقة هي: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ إضْلالًا بَعِيدًا، أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا إصلاحًا، وأقرضتم الله إقراضًا، وسبحانه وتعالى عما يقولون تعاليًا كبيرًا؛ لأن “تفاعَل تفاعلًا” مثل: تكاثر تكاثرًا، وينشئ الإنشاءة، ولا فرق بين المصدر الجاري على الفعل، والمصدر الجاري على غير الفعل، فكلاهما اسم حدث.

اللَّمحة العاشرة: وهو شيء جديد يذكره الشيخ عضيمة -رحمه الله- “كما” و”كذلك”، فأكثر المعربين يجعل الكاف نعتًا لمصدر محذوف، ومذهب سيبويه أنها منصوبة على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السابق، وقد اقتصر في إعراب “كما” على النعت للمصدر المحذوف في مواضع كثيرة، وجوَّز النحاة أن تكون مفعولًا به في بعض الآيات.

ومثل هذه الأعاريب وقع لكاف الجر، ذلك أن الكاف: إما نعتٌ لمصدر محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، قالوا بذلك في بعض الآيات.

فالاقتصار على أن الكاف نعت للمصدر المحذوف جاء في مواضع كثيرة جدًّا، وقد اجتمعت “كذلك” و”مثل” في بعض الآيات.

اللَّمحة الحادية عشرة: إضافة الصفة إلى الموصوف، كما في قوله تعالي: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، فـ{حَقَّ جِهَادِهِ} أصلها: وجاهدوا في الله جهادًا حقًّا، واتقوا الله تقاة حقًّا، قُدم الوصف وأضيف إلى الموصوف لإفادة المبالغة، وإعراب {حَقَّ جِهَادِهِ} مفعول مطلق؛ لأنه صفة لمصدر محذوف.

اللمحة الثانية عشرة: الكلام علي “شيء”، وقد أعربت “شيئا” مفعولًا مطلقًا في قوله: {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} [التوبة: 39]، وأشار هنا الشيخ عضيمة -رحمه الله- إلى أن “شيئًا” في بعض الآيات أعربت مفعولًا به، ولكنها مفعولٌ مطلقٌ في مواضع كثيرة.

اللمحة الثالثة عشرة: إن المصادر النكرات احتملت في مواطن كثيرة أنْ تعرب مفعولًا مطلقًا أو حالًا، واحتمل بعضها أن يكون مفعولًا مطلقًا ومفعولًا لأجله.

اللمحة الرابعة عشرة: أن المصدر المؤكد جمع في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10] هكذا ذكر الشيخ عضيمة، و{الظُّنُونَا} في هذه الآية مصدر نوعي، وليس مصدرًا مؤكدًا؛ لأن الصفة محذوفة على تقدير: وتظنون بالله الظنون المختلفة.

اللمحة الخامسة عشرة: أن المصدر المؤكد جاء في استثناء مفرغ، مثاله قوله تعالى: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين} [الجاثـية: 32]، فأوّله النحاة على حذف الوصف، حتى يصير المصدر مختصًّا لا مؤكدًا، تقديره: إلا ظنًّا ضعيفًا، فكلام الشيخ هنا معناه: أن المصدر المؤكد لا يكون في الاستثناء المفرغ، ولا بد أن يؤول تأويلًا يبعده عن أن يكون مصدرًا مؤكدًا.

ومما ذكره الشيخ عضيمة من لمحاته: أن المصدر المؤكد لمضمون الجملة عامله محذوف وجوبًا، تدل عليه الجملة السابقة، ومثل لذلك -رحمه الله- بـ{صِبْغَةَ اللّهِ} [البقرة: 138]، و{قَوْلَ الْحَقِّ} من قوله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُون} [مريم: 34] و{كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، و{فِطْرَةَ اللَّهِ} [الروم: 30] هذه كلها مصادر مؤكدة لمضمون الجملة قبلها.

2. دراسة الآيات القرآنية؛ لبيان ما فيها من مصدر مبين للنوع:

من أنواع المفعول المطلق الثلاثة أن يكون مبينًا للنوع، ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: {أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً} [النساء: 153]، و{لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] فـ{جَهْرَةً} نوع من الرؤية، نحو: قعد القرفصاء، وهي منصوبة مفعول مطلق في الآيتين، و{جَهْرَةً} أي: عيانًا.

ومثل ذلك قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، فـ{تَحِيَّةً} مرادفة للمفعول المطلق، مثل: قعدت جلوسًا، والتقدير: فسلموا على أنفسكم سلامًا تحيةً.

error: النص محمي !!