Top
Image Alt

لهجة قريش وسيادتها

  /  لهجة قريش وسيادتها

لهجة قريش وسيادتها

ونذكر في هذا المقام ظاهرة قوية يلحظها الباحث في صراع لهجات شبه الجزيرة العربية، واشتباكها قبل الإسلام؛ فكانت الواحدة من اللهجات تبتلع الأخرى أولًا، ثم يتكون من الاثنتين لهجة لم تكن موجودة من قبل، وهذه اللهجات الجديدة تمتزج بلهجة أخرى، وهكذا ظلّ هذا التدرج ينتقل في أزمنة طويلة.

أثناء الجاهلية كانت لهجات الشمال قبل الإسلام ذات سلطان قوي، ونفوذ واسع؛ فكانت تبتلع اللهجات الجنوبية ابتلاعًا، أي أن لهجات الشمال كانت تبتلع لهجات الجنوب الواحدة تِلْوَ الأخرى.

حتى أصبحت اللهجات الشمالية هي السائدة في أغلب أقاليم شبة الجزيرة العربية بعد أن التهمت أكثر اللهجات الجنوبية، وتغذّت بها.

وعلى هذا الدّرب استطاعت اللهجة القرشية -بعد اشتباكها مع غيرها من اللهجات في شبه الجزيرة العربية- أن تبقى، وتتغلّب على اللهجات الأخرى، وتخرج من ذلك الصراع قويةً بألفاظها، وأساليبها، ودلالاتها، عريقة بما للناطقين بها من مكانة، هذه المكانة كانت مكانة دينية سامية بين قبائل شبه الجزيرة العربية.

أيضًا كانت هذه المكانة الدينية، والتي تبعها مكانة سياسية كانت سببًا في نزول القرآن الكريم بهذه اللهجة، بعد صراعها الطويل مع لهجات القبائل العربية.

اللهجات في شبه الجزيرة العربية كانت تتصارع؛ لهجات الشمال مع لهجات الجنوب، والتغلّب في النهاية كان يكون للهجات الشمال، كانت كما يقول “إسرائيل ولفنسون” في كتابه (تاريخ اللغات السامية): كانت لهجات الشمال تَلْتَهِمُ الواحدة تِلْوَ الأخرى.

العوامل التي أَدّت إلى تغلّب اللهجة القرشية:

  1. العامل الأول والقوي في تغلب اللهجة القرشية على بقية اللهجات الأخرى: العامل الديني، أو النفوذ الديني؛ فقد كان القرشيون يعملون سدنة لبيت الله الحرام؛ ولذلك اكتسبوا مكانة دينية عند القبائل الأخرى في شبه الجزيرة العربية، كانت وفود العرب تأتيهم من جميع الجهات؛ ولذلك اكتسبوا مكانة دينية عند جميع القبائل في شبه الجزيرة العربية.
  2. أيضًا اكتسب القرشيون مكانة تجارية، كانوا يقومون برحلتي الشتاء والصيف، الشتاء لليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، فيجلبون البضاعة من اليمن ومن الشام، ثم يوزعونها على القبائل في شبه الجزيرة العربية؛ فاكتسب القرشيون نفوذًا ثانيًا، وهو نفود التجارة عندنا نفوذ الاقتصاد، أو وزارة التموين.
  3. فالنفوذ التجاري أيضًا في شبه الجزيرة العربية كان نفوذًا قويًّا، نفوذ الاقتصاد والتجارة؛ لأن شبه الجزيرة العربية صحراء خالية لا زرع فيها ولا ماء؛ فكانت التجارة تكتسب نفوذًا قويًّا.

هذا النفوذ الديني -الذي تحدثنا عنه- والنفوذ التجاري الذي كان للقرشيين بسبب رحلة الشتاء والصيف، أكسب القرشيين نفوذًا ثالثًا وهو نفوذ الحكم، نلمس ذلك عندما لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار والمهاجرون في سقيفة بني ساعدة، وطمع الأنصار في الخلافة، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه قولته المشهورة: “لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش؛ فلا تنفسوا على إخوانكم ما حباهم الله به من فضله”.

إذن القرشيون كانوا يتمتعون بنفوذ الحكم أيضًا؛ إذن سبب تغلّب اللغة القرشية على بقية اللهجات الأخرى بعد صراعها مع اللهجات الأخرى كان السبب الديني، ثم السبب التجاري، ثم نفوذ الحكم.

وضمّ القرشيون إلى لهجتهم ما هي في مسيس الحاجة إليه من الألفاظ والأساليب، ما رَأَوْهُ أخفّ على ألسنتهم وأيسر ضمّوه إلى لهجتهم؛ ولذلك ضمّت القرشية أفضل ما كان، وأحسن ما ينبغي، ومن أجل هذا تكلّم العرب بالقرشية، الجميع كانوا في الأسواق في الجاهلية، والأسواق في الجاهلية كانت: مجنة، وعكاظ، وذو مجاز، وقد كانت الأسواق مجالًا من مجالات الثقافة عند العرب؛ ولذلك كانت القصائد تُلقى باللهجة القرشية، وكان الشعراء يتبارون في الإنشاد باللهجة القرشية، وكان الخطباء يخطبون باللهجة القرشية، وكان العامّة يبتعدون عن اللهجة القرشية؛ لأنهم لا يستطيعون غير التكلم بصفات لهجاتهم القبلية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4].

error: النص محمي !!