Top
Image Alt

مؤلف (الغريب المصنف)

  /  مؤلف (الغريب المصنف)

مؤلف (الغريب المصنف)

أبو عبيد، هو: الإمام القاسم بن سلام الفقيه اللغوي المحدث، إمام عصره في كل فن وعلم -كما تقول كتب المعاجم التي ترجمت له، ومنها معجم الأدباء، وقد ذكر من ترجم له: أن أباه كان عبدًا روميًّا لرجل من أهل هراة، وأن هذا الأب كان مولى قبيلة الأزد، ومن ثم فقد نسب أبو عبيد إلى هراة، فقيل عنه: الهروي كما نسب إلى الأزد فأطلق عليه الأزدي، وقد يطلق عليه أحيانًا نسبة التركي أو الخراساني أو البغدادي، وقد وصفه بعضهم بالجمحي، وظن أنه كان أخًا لمحمد بن سلام الجمحي صاحب (طبقات الشعراء)، وهذا خطأ تنبه إليه بعض السابقين، ومع ذلك فإن كثيرين قد وقعوا فيه.

ولم يذكر لنا التاريخ شيئًا ذا بال عن والده، فلم نعرف عنه أكثر من أنه كان عبدًا روميًّا نال حريته وعمل حمالًا وصار مولى لقبيلة الأزد، وأنه كان محبًّا للعلم والعلماء، فقد أوصى شيخ الكتاب بابنه عندما ذهب إليه قائلًا بلكنته الرومية: علم القاسم فإنها كيِّسة. وكان أبو عبيد قد ولد بمدينة هراة تلك المدينة القديمة، التي بناها الإسكندر المقدوني على نهر أريوس، وفتحها الأحنف بن قيس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله  عنه، وخربها التتار في سنة ثماني عشرة وستمائة.

وقد ذكر ابن الجوزي أن أبا عبيد وُلِدَ في سنة خمسين ومائة من الهجرة، وذكر أبو بكر الزبيدي أن ولادته كانت في سنة أربع وخمسين ومائة من الهجرة، وقد تعلم القاسم كما يتعلم أبناء عصره، فذهب به والده إلى المكتب فحفظ القرآن الكريم، ونال من المعارف اللغوية والفقهية ما هيأه له ذلك المكتب، ولكنه لم يكتفِ بذلك، فقد خرج إلى لقاء العلماء والفقهاء واللغويين والمحدثين وغيرهم، وأخذ عن أئمة عصره في كل فن وعلم، فقد أخذ الفقه والحديث عن الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل، وسمع من إسماعيل بن جعفر ومن ابن عياش وغيرهما، وأخذ القراءات عرضًا وسماعًا عن علي بن حمزة الكسائي، ويحيى بن آدم وشجاع بن أبي نصر وغيرهم.

أما اللغة فقد سمع من أعلام عصره فيها كأبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة واليزيدي وغيرهم من البصريين، كما أخذ عن ابن الأعرابي وأبي زياد الكلابي والأموي وأبي عمرو الشَّيباني والكسائي والأحمر والفراء، وغيرهم من أعلام الكوفة وشيوخها العظام، وقد توفر لأبي عبيد بذلك من العلم والثقافة ما جعل أئمة العلوم الإسلامية والعربية يثنون عليه الثناء المستطاب، فما من ترجمة تقرؤها له إلا تشعر من كاتبها التقدير والتبجيل لذلك الإمام المتعدد الجوانب.

فهو الإمام المجتهد في الفقه، الذي يناظر الشافعي فيرجع الشافعي أحيانًا إلى قوله، وهو الذي يحيل إليه ابن حنبل بعض المستفتين له، هذا ما يتصل بالفقه.

أما ما يتصل بالحديث وعلمه، فهو الحافظ الكبير، والمؤلف الأول ليس في الحديث فقط، ولكن في القراءات وفي غيرها، فهو المؤلف الأول في علم القراءات، والعالم الفذ في علم اللغة والغريب والأدب والتاريخ والكلام، إنه كما يقول ياقوت: إمام أهل عصره في كل فن وعلم.

وقد أهدى هذا العالم إلى المكتبة العربية والإسلامية مؤلفات كثيرة قال عنها الجاحظ وهو يتحدث عن أبي عبيد: وكان مؤدبًا لم يكتب الناس أصح من كتبه ولا أكثر فائدة. وقد ذكر صاحب (الفهرست) وهو ابن النديم من هذه الكتب عشرين كتابًا في اللغة والشعر والقراءات والفقه والحديث والأمثال وفضائل القرآن وغيرها، كما ذكر غيره كتبًا أخرى لهذا العالم النحرير في الفنون السابقة وغيرها.

ولكن المؤسف أن أكثر هذه الكتب ما يزال بعيدًا عن أيدي العلماء، إما بسبب الضياع، وإما بسبب الإهمال وعدم العناية، ويكفي أنه لم يطبع من مؤلفات هذا الحبر الجليل سوى عدد محدود من الكتب، منها كتاب (فضائل القرآن) وكتاب (الأجناس) وكتاب (الأموال)، حتى كتاب (الغريب المصنف) لم يطبع كاملًا، وإنما طبع جزء منه بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب. كما طبع من كتبه كتاب (غريب الحديث).

وقد أخذ عن شيخنا كثير من أعلام العلماء، أخذ كتبه وسائر علمه منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي الدنيا، والبخاري، وأبو داود والترمذي وعلي بن عبد العزيز، وثابت بن أبي ثابت وأبو موسى هارون بن الحارث والطوسي وغيرهم.

يقول ابن خلكان عن أبي عبيد: كان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن وفضل بارع، توفي أبو عبيد بمكة المكرمة في سنة أربع وعشرين ومائتين كما ذكر الزبيدي، ويقول ابن خلكان: إنه توفي بمكة أو المدينة بعد أن حج في سنة اثنتين وعشرين ومائتين للهجرة، أو سنة ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة.

رحم الله أبا عبيد الذي كان فاضلًا في دينه وعلمه وبيانه، متفننًا في أصناف علوم الإسلام، وقد ترجم له في عصرنا الحديث الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود -رحمه الله- ترجم لشيخنا أبي عبيد في العدد الأول من مجلة كلية اللغة العربية بدمنهور، سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف للميلاد، تحت عنوان “أبي عبيد القاسم بن سلام ثقافته العلمية وآثاره”.

error: النص محمي !!