Top
Image Alt

مؤلف (لسان العرب)، وهدفه منه، ومنهجه الخاص فيه

  /  مؤلف (لسان العرب)، وهدفه منه، ومنهجه الخاص فيه

مؤلف (لسان العرب)، وهدفه منه، ومنهجه الخاص فيه

. مؤلفُ الكتاب:

علمتَ أن مؤلف (لسان العرب) هو محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الأفريقي المصري جمال الدين أبو الفضل، وعلمت أن نسبه يتصل بالسيد رفيع بن ثابت الخزرجي الأنصاري، وعرفت كذلك سر نسبته إلى إفريقيا، وعلمت أنه وُلِدَ سنة ثلاثين وستمائة من الهجرة، ونشأ بطرابلس ودرس بها، وتولى قضاءها، وهاجر إلى مصر واستوطن بها وتولى فيها رياسة ديوان الإنشاء، وبقي بها إلى أن توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة.

وقد أجمع المترجمون له على أنه كان محدثًا فقيهًا عمل في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وقد ولي القضاء كذلك في طرابلس، وكانت حياته حياة جد وعمل موصول، وله قدم راسخة في علوم اللغة والنحو والأدب والتاريخ، وقد ألف كثيرًا من الكتب واختصر عددًا وفيرًا من المؤلفات الطويلة، ويقال: إنه خطَّ بقلمه حوالي خمسين مجلدًا، ومعجم (لسان العرب) من أهم مؤلفاته.

وقد أطلق ابن منظور على معجمه اسم: (لسان العرب)، ولا يخفى  ما في هذه التسمية من ظلال التفخيم، وما توحي به من مظاهر التعظيم لهذا الكتاب، سواء كان “اللسان” مستعملًا هنا على سبيل الحقيقة أو المجاز؛ فالمقصود به هو اللغة أو التعبير عنها، وكان هذا السفر الجليل قد جمع بين دفتيه لغة العرب جميعها، وحوى في سطوره كل ما نطقت به هذه الأمة الكبيرة؛ فهو على حد قول صاحبه: “الكتاب المبارك الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يُشارك”.

ويحتمل أن يكون تلك التسمية من اختراع ابن منظور، كما يجوز أن يكون قد أخذها عن مؤلف سابق؛ حيث ذكر بعض العلماء أن لابن سينا كتابًا بهذا الاسم.

2. الهدفُ من الكتاب:

إني أعرض شيئًا من مقدمة ابن منظور؛ لنستخلص منها هدفه منه ومنهجه الخاص فيه، قبل أن أسوق نماذج تطبيقية منه:

يقول ابن منظور -بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه  وسلم وآله وأصحابه وأتباعه: “إن الله قد كرَّم الإنسان وفضله بالنطق على سائر الحيوان، وشرف هذا اللسان العربي بالبيان على كل لسان، وكفاه شرفًا أنه به نزل القرآن، وأنه لغة أهل الجنان؛ روي عن ابن عباس رضي الله  عنهما قال: قال رسول اللهصلى الله عليه  وسلم: “أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي”. ذكره ابن عساكر في ترجمة زهير بن محمد بن يعقوب.

وإني لم أزل مشغوفًا بمطالعات كتب اللغات والاطلاع على تصانيفها وعلل تصاريفها، ورأيت علماءها بين رجلين: أما من أحسن جمعه؛ فإنه لم يحسن وضعه، وأما من أجاد وضعه؛ فإنه لم يُجِد جمعه؛ فلم يفد حسن الجمع مع إساءة الوضع، ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع، ولم أجد في كتب اللغة أجمل من (تهذيب اللغة) لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من (المحكم) لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي -رحمهما الله-، وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات للطريق، غير أن كلًّا منهما منهل وعر المسلك؛ وكأن واضعه شرع للناس موردًا عذبًا وجلاهم عنه، وارتاد لهم مرعًا مربعًا ومنعهم منه، قد أخر وقدم، وقصد أن يعرب فأعجم؛ فرق الذهن بين الثنائي والمضاعف والمقلوب، وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي، فضاع المطلوب؛ فأهمل الناس أمرهما، وانصرفوا عليهما، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن تخلو منهما؛ وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب، وتخليط التفصيل والتبويب.

ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قد أحسن ترتيب “مختصره”، وشهره بسهولة وضعه شهرة أبي دلف بين باديه ومحتضره؛ فخف على الناس أمره فتناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه؛ غير أنه في جو اللغة كالذرة، وفي بحرها كالقطرة، وإن كان في نحرها كالدرة، وهو -مع ذلك- قد صحف وحرف؛ فأتيح له الشيخ أبو محمد بن بري؛ فتتبع ما فيه وأملى عليه “أماليه” مخرجًا لسقطاته، مؤرخًا لغلطاته، فاستخرت الله I في جمع هذا الكتاب المبارك، الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يشارك، ولم أخرج فيه عما في هذه الأصول، ورتبته ترتيب (الصحاح) في الأبواب والفصول، وقصدت توشيحه بجليل الأخبار وجميل الآثار، مضافًا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم، والكلام على معجزات الذكر الحكيم؛ ليتحلى بترصيع دررها عقده، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال الأشعار حله وعقده.

فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها، فوضعت كلًّا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه؛ فجاء هذا الكتاب -بحمد الله- واضح المنهج سهل المسلك، آمنًا -بمنة الله- من أن يصبح مثل غيره وهو مطروح متروك، عظم نفعه بما اشتمل من العلوم عليه، وغني بما فيه عن غيره وافتقر غيره إليه، وجمع من اللغات والشواهد والأدلة ما لم يجمع مثلُه مثلَه؛ لأن كل واحد من هؤلاء العلماء انفردت برواية رواها، وبكلمة سمعها من العرب شفاهًا، ولم يأتِ في كتابه بكل ما في كتاب أخيه، ولا أقول: تعاظم عن نقل؛ بل أقول استغنى بما فيه؛ فصارت الفوائد في كتبهم مفرقة، وصارت أنجم الفضائل في أفلاكها هذه مُغرَّبة وهذه مُشرَّقة.

فجمعت منها في هذا الكتاب ما تفرق، وقرنت بين ما غرَّب منها وبينما شرَّق؛ فانتظم شمل تلك الأصول كلها في هذا المجموع، وصار هذا بمنزلة الأصل وأولئك بمنزلة الفروع؛ فجاء -بحمد الله- وفق البغية وفوق المنية، بديع الإتقان، صحيح الأركان، سليمًا من لفظة: “لو كان”، حللت بوضعه ذروة الحفاظ، وحللت بجمعه عقدة الألفاظ، وأنا -مع ذلك- لا أدعي فيه دعوى فأقول: “شافهت أو سمعت أو فعلت، أو صنعت أو شددت، أو رحلت أو نقلت، عن العرب العرباء أو حملت”؛ فكل هذه الدعاوي لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالًا ولم يخليا فيها لأحد مجالًا؛ فإنهما عينَا في كتابيهما عمن رويَا، وبرهنَا عما حويَا، ونشرًا في خطبهما ما طوي، ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا.

وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم، وبسطت القول فيه، ولم أشبع باليسير، وطالب العلم منهوم، فَمَن وقف فيه على صواب أو زلل، أو صحة أو خلل، فعهدته على المصنف الأول، وحمده وذمه لأصله الذي عليه المعول؛ لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، ولم أبدل منه شيئًا، فيقال: “إنما إثمه على الذين يبدلونه”؛ بل أديت الأمانةَ في نقل الأصول بالفص، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص، فليعتد مَن ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة، وليغن عن الاهتداء بنجومها؛ فقد غابت لما أطلعت شمسه.

والناقل عنه يمد باعه ويطلق لسانه، ويتنوع في نقله عنه؛ لأنه ينقل عن خزانة، والله تعالى يشكر ما له بإلهام جمعه من مِنة، ويجعل بينه وبين محرفي كلمة عن مواضعه واقية وجُنة، وهو المسئول أن يعاملني فيه بالنية التي جمعته لأجلها؛ فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها؛ إذ عليه مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان في النية.

وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودًا.

وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتصافحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته: (لسان العرب)، وأرجو من كرم الله تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب، وينفع بعلومه الزاخرة، ويصل النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا، وينطق أهل الجنة به في الآخرة، وأن يكون من الثلاث التي ينقطع عمل ابن آدم إذا مات إلا منها، وأن أنال بها الدرجات بعد الوفاة، بانتفاع كل من عمل بعلومه أو نقل عنها، وأن يجعل تأليفه خالصًا لوجه الجليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثم لفت ابن منظور نظرَ قاريه إلى معلومة ميزته عن (تهذيب اللغة) للأزهري، وكذا (مختار الصحاح) للجوهري، قال: “شَرْطُنُا في هذا الكتاب المبارك أن نرتبه كما رتب الجوهري “صحاحه”، وقد قمنا -والمنة لله- بما شرطناه فيه، إلا أن الأزهري ذكر في أواخر كتابه فصلًا جمع فيه تفسيرَ الحروف المقطعة، التي وردت في أوائل سور القرآن العزيز؛ لأنه ينطق بها مفرقة غير مؤلفة ولا منتظمة؛ فترد كل كلمة في بابها، فجعل لها بابًا بمفردها، وقد استخرت الله تعالى وقدمتها في صدر كتابي لفائدتين:

الأولى -وهي أهمهما: مقدمهما، وهو التبرك بتفسير كلام الله تعالى الخاص به الذي لم يشاركه أحد فيه إلا من تبرك بالنطق به في تلاوته، ولا يعلم معناه إلا هو؛ فاخترت الابتداء به لهذه البركة قبل الخوض في كلام الناس.

والثانيةُ: أنها إذا كانت في أول الكتاب؛ كانت أقرب إلى كل مطالع من آخره؛ لأن العادة أن يطالع أول الكتاب؛ ليكشف منه ترتيبه وغرض مصنفيه، وقد لا يتهيأ للمطالع أن يكشف آخره؛ لأنه إذا اطلع من خطبته أنه على ترتيب (الصحاح) أيس أن يكون في آخره شيءٌ من ذلك؛ فلهذا قدمته في أول الكتاب”.

 إن هذه المقدمة تكشف دافع ابن منظور، وغرضه من هذا الكتاب العظيم، كما تكشف منهجه، وتكشف مصادره، وتكشف النهج الذي سار عليه.

لقد حدثنا عن تسمية كتابه بهذا الاسم؛ فهو الكتاب المبارك الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يشارك، وأول الدوافع التي يلاحظها المرء عند سماعه هذه المقدمة: هو شغف ابن منظور بالعربية ولغتها التي هي لغة القرآن الكريم ولغة أهل الجَنة؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: “أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي”.

واللغة بهذه المنزلة تستحق من علمائها حسن الجمع وإجادة الوضع، في مؤلفات سهلة المأخذ عذبة المورد؛ ولكن الذين سبقوه إلى التأليف في تلك اللغة لم يحققوا ذلك؛ فهُم بين رجلين: أما من حسن جمعه؛ فإنه لم يحسن وضعه، وأما مَن أجاد وضعه؛ فإنه لم يجد جمعه؛ فلم يفد حسن الجمع مع إساءة الوضع، ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع.

ولم يستثنِ ابن منظور من حكمه هذا الأزهري صاحب (التهذيب) ولا ابن سيده صاحب (المحكم) على الرغم من ثنائه عليهما؛ أما الجوهري صاحب (الصحاح) فإنه يرى أن كتابه على الرغم من حسن ترتيبه، وسهولة وضعه، وتناول الناس له، وإقبالهم عليه؛ يعد مختصرًا صغيرًا فهو في جو اللغة كالذرة، وفي بحرها كالقطرة، وإن كان في نحرها كالدرة، وهو -مع ذلك- لا يخلو من التصحيح والتحريف.

 وقد تتبعه في ذلك الشيخ أبو محمد بن بري مخرجًا لسقطاته ومؤرخًا لغلطاته.

وهكذا أوضح ابن منظور حاجة تلك اللغة الشريفة إلى كتاب يخلو من العيوب السابقة، ويجمع كل تلك المحاسن المتطلبة؛ فكان كتابه هذا الذي قصد به -كما يقول- حفظ أصول هذه اللغة العربية وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالِم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النيةُ اللسانَ، ويخالف فيه اللسانُ النيةَ.

وقد شجعه على ذلك العمل ما لمسه من فساد البيئة اللغوية في عصره، وتنافس الناس في التصنيف باللغات الأعجمية، وتفانيهم في غير اللغة العربية، ويعبر ابن منظور عن ذلك بمرارة بقوله: فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُه بغيرِ لغتِه يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.

3. منهجُ الكتاب:

إذا صح القول: بأن الهدف هو الذي يحدد المنهج ويرسم معالم الطريق؛ فإنه يجب أن نتذكر ما سبق قوله من أن ابن منظور أراد أن يضع كتابًا في اللغة يتميز بصفتين مهمتين:

الأولى: حسن الجمع.

والثانية: إجادة الوضع.

ومن الواضح أنه يقصد هنا بالجمع: جمع ألفاظ اللغة وشواهدها وأدلتها، بصورة تجمع بين شرائط التمحيص والتحقيق والاستقصاء ما لا يتوفر في غير هذا الكتاب، أما إجادة الوضع فظاهر أنه يقصد به: كمال الترتيب، وحسن التفصيل والتبويب؛ مما يجعل كل لَبنة في هذا العمل قارةً في مكانها، يسهل على مَن يقصدها التعرف عليها والوصول إليها؛ وعلى ذلك فقد كان المنهج العام هنا لا يختلف كثيرًا عن المناهج، التي اتبعها اللغويون السابقون في جمع ألفاظ اللغة وشرحها.

أما المنهج الخاص الذي أراد به ابن منظور تحقيق هدفيه السابقين؛ فإننا يمكن أن نستخلصه من النظر فيما يأتي:

أولًا: مصادر الكتاب:

اختار ابن منظور مصادر خمسة من أمهات كتب اللغة، فجعلها أسسًا له في عملية الجمع.

وهذه الأصول الخمسة هي:

أولًا: (تهذيب اللغة) لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، المتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة من الهجرة.

ثانيًا: (المحكم) لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة من الهجرة.

ثالثًا: (الصحاح) لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة من الهجرة.

رابعًا: (حواشي الصحاح) للشيخ محمد بن بري، المتوفى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة من الهجرة.

خامسًًا: (النهاية في غريب الحديث) لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، المتوفى سنة ست وستمائة من الهجرة.

وقد بيَّن طريقة أخذه منها، وصرح بأن عمله ينحصر في جمع ما تفرق في تلك الكتب من العلوم، وبسط القول فيه، وأنه كان أمينًا في أخذه، ومن ثم جاء في الكتاب: “فما جاء في الكتاب من صواب أو زلل؛ فعهدته على المصنف الأول، وحمده وذمه لأصله الذي عليه المُعول”.

وهو يشير إلى بعض ما تصرف فيه عندما نقل من تلك المصادر، فيقول مثلًا عن كتاب (النهاية): “غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها؛ فوضعت كلًّا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه”.

إن كتاب ابن منظور خزانة -على حد تعبيره- وضع فيها تلك الكتب بتنظيم جميل وتبويب حسن، ويفهم من منطوق عبارته: أنه لم يجاوز هذه الأصول الخمسة إلى غيرها؛ ولكن المتتبع (للسان) والمتمعن فيه يرى أنه أفاد من كتب أخرى، وعلى رأس هذه الكتب (الجمهرة) لابن دريد، ومعنى ذلك: أن ابن منظور لم يقتصر على تلك المصادر الخمسة التي ذكرها في مقدمته.

ويمكن القول -كما يرى الدكتور: عبد الله ربيع محمود في كتابه (المعجم العربي بين النظرية والتطبيق)-: أن صاحب (اللسان) لم يهتم إلا بذكر أهم المصادر التي اعتمد عليها، ومما يدل على صدق ابن منظور أنه صرح باعتماده على هذه الكتب وهذه المصادر المكتوبة، وصرح بأنه لم يدَّعِ مشافهة الأعراب ولا السماع من حرشة الضباب أو أكلة اليرابيع؛ إذ يقول: “لا أدعي فيه دعوى فأقول: شافهت أو سمعت أو فعلت أو صنعت أو شددت أو رحلت أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت؛ فكل هذه الدعاوي لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالًا ولم يخليَا فيها لأحد مجالًا”.

ترتيب (اللسان) وتبويبه:

يقول ابن منظور: أنه رتبه ترتيب كتاب (الصحاح) للجوهري في الأبواب والفصول، ومعنى ذلك: أن الكتاب يأتي في أبواب وفصول تمثل الأبواب الأقسام الرئيسة، وتمثل الفصول الأقسام المتفرعة عنها؛ فكل باب يشتمل على عدة فصول؛ كما علمت من النظام العام الذي تسير عليه مدرسة القافية.

ومن النظر في الكتاب يتبين لنا أنه جعل الأبواب بعدد حروف الهجاء فباب الألف، وباب الباء، وباب التاء، وباب الثاء، وباب الجيم، وباب الحاء، وباب الخاء، وباب الدال، وباب الذال، وباب الراء، وباب الزاي، وباب السين، وباب الشين، وباب الصاد، وباب الضاد، وباب الطاء، وباب الظاء، وباب العين، وباب الغين، وباب الفاء، وباب القاف، وباب الكاف، وباب اللام، وباب الميم، وباب النون، وباب الهاء، وباب الواو والياء معًا، ثم ختام الأبواب بباب الألف.

وهذا هو الترتيب العادي المنسوب إلى نصر بن عاصم، ويلاحظ أنه جمع الواو والياء في باب واحد، وأفرد بابًا أخيرًا للألف اللينة؛ مقتديًا في ذلك بصاحب (الصحاح)، ويجمع كل باب المواد والجذور اللغوية التي تنتهي بذلك الحرف الذي نسب إليه الباب.

وعلى ذلك؛ فقد جاء الكتاب في ثمانية وعشرين بابًا أولها باب الهمزة وآخرها باب الألف، ويلاحظ أنه كان يطلق على كل باب اسم حرفه فيقول مثلًا: “حرف الهمزة”، ولم نَرَهُ يصرح بلفظ باب كذا إلا قليلًا كقوله: “باب الواو والياء”.

وهو يبدأ كل باب -أو كل حرف- بالحديث عن الحرف أو الصوت الذي يمثله؛ فيقدم لنا بذلك بحوثًا صغيرة عن هذا الحرف، ولك أن تنظر في الكتاب لتدرك ما نقول:

انظر -مثلًا. حديثه عن حرف الهمزة؛ إذ نراه يقول:

“نذكر في هذا الحرف الهمزة الأصلية التي هي لام الفعل، قال الأزهري: اعلم أن الهمزة لا هجاء لها؛ إنما تكتب مرة ألفًا، ومرة ياءً، ومرة واوًا، والألف اللينة لا حرف لها؛ إنما هي جزء من مادة بعد الفتحة”.

ثم يتحدث عن عدد الحروف، فيذكر أن الحروفَ ثمانية وعشرون حرفًا مع الواو والألف والياء، وتتم بالهمزة تسعة وعشرين حرفًا.

ثم يتحدث عن حالات الهمزة من: التليين، والحذف، والإبدال، والتحقيق، ويفصل القول في ذلك كله، ويوضح الفرق بين التحقيق، والتخفيف، والتحويل…” إلى آخر ما ذكره بخصوص هذا الحرف قبل الدخول في أبوابه وفصوله.

وبعد ذلك يبدأ في توزيع فصول الباب مرتبة أيضًا على حسب ذلك الترتيب الهجائي المعروف؛ لكن بالنظر هنا إلى أوائل الجذور والمواد اللغوية وما يليها بالطبع؛ حيث إن كل ما يأتي تحت الباب سيكون متفقًا في الحرف الأخير، ومعنى ذلك: أن كل باب سيشتمل نظريًّا على ثمانية وعشرين فصلًا بعدد الحروف الهجائية المشهورة كذلك.

وبالنظرة الرياضية البحتة يمكن أن نقول: إن عدد فصول (اللسان) ينتج من ضرب عدد أبوابه الثمانية والعشرين في عدد فصوله الثمانية والعشرين؛ فيكون الناتج أربعة وثمانين وسبعمائة فصل؛ لكن النظرة الواقعية تختلف عن هذا: ذلك أن باب الألف اللينة لم يقسم إلى فصول، وهنالك أبواب لا يكتمل فيها هذا العدد النظري، إما لعدم وروده في اللغة أو لفواته على المؤلف؛ فباب التاء مثلًا لم يرد فصل الظاء منه، وباب الطاء لم يرد كذلك فصل الظاء منه، وباب العين لم يرد فصل الغين منه، وباب القاف لم يرد فصل الظاء منه، وباب الهاء لم يرد فصل الخاء والظاء منه.

وقد أحصى الدكتور عبد الله ربيع سبعين فصلًا من الأبواب لم تذكر، وهنالك أبواب أخرى قد اكتملت فصولها من الهمزة حتى الواو والياء، ومنها: باب الهمزة، وباب الباء، وباب الجيم، وباب الراء، وباب اللام، وباب الميم، وباب النون، وباب الواو والياء.

وأما بالنسبة لحشو الفصول؛ فقد حشيت الفصول بالجذور اللغوية التي تبدأ بالحرف الذي يمثل الفصل مرتبة تلك الجذور على حسب الحروف التي تمثل حشوها -أي: ثوانيها وما بعدها. مع اتباع الطريقة الهجائية العادية أيضًا التي اتبعت في ترتيب الأبواب والفصول، وافتح الكتاب على أي باب وأي فصل ترى صحة ما نقول:

فباب الجيم فصل الميم مثلًا حوى تسعة عشر جذرًا، جاءت في فصل الميم من باب الجيم، وتحت كل جذر أتت كلماته المأخوذة منه، ونلاحظ: اتحاد الحرف الأخير الذي عد بابًا، والحرف الأول الذي عد فصلًا، واختلاف الحرف الحشو الذي اعتبر في داخل الفصل أساسًا للترتيب وفق الهجائية العادية وترتيبها أيضًا.

ولقد أحصَى الأستاذ علي حلمي موسى الجذور الواردة في كتاب (لسان العرب) بواسطة الحاسب الآلي، وتبين من تلك الإحصاءات أن عدد جذور هذا المعجم بلغ تسعة آلاف ومائتين وثلاثة وسبعين جذرًا؛ بينما حوى كتاب (الصحاح) -وفق إحصاءات الأستاذ نفسه بوساطة الحاسب الآلي-: خمسة آلاف وستمائة وتسعة وثلاثين جذرًا.

وبلغ عدد الجذور الثلاثية في (اللسان): ستة آلاف وخمسمائة وثمانية وثلاثين جذرًا؛ بينما بلغت عدد الجذور الثلاثية لمعجم (الصحاح): أربعة آلاف وثمانمائة وأربعة عشر جذرًا.

أما عدد الجذور الرباعية في (اللسان)؛ فبلغت: ألفين وأربعمائة وثمانية وخمسين جذرًا مقارنة بالجذور الرباعية في (صحاح) الجوهري، التي بلغت سبعمائة وستة وستين جذرًا.

أما عدد الجذور الخماسية في (اللسان)؛ فبلغت: مائة وسبعة وثمانين جذرًا مقارنة بـ(الصحاح) الذي بلغت جذوره الخماسية: ثمانية وثلاثين جذرًا.

وجذور (اللسان) الثلاثية بلغت: نسبتها سبعين في المائة من مجموع جذوره، والرباعية بلغت: سبعة وعشرين ونصف في المائة من مجموع جذوره، والخماسية بلغت اثنين في المائة من مجموع جذوره.

لقد اتسعت مواد (اللسان) اتساعًا كبيرًا نظرًا لجمعه بين تلك المصادر السابقة، ويمكن أن تتأكد من هذا عندما تعقد موازنة بين إحدى المواد في (اللسان) وغيره من المعاجم الأخرى.

قد اهتم ابن منظور بأمور مهمة تراها عندما تنظر في المعجم؛ فقد عني بضبط الألفاظ؛ اتقاءَ التصحيح والتحريف الذي وقع في المعاجم الأخرى، وذلك إما بالنص على شكل الضبط وإما بذكر موازن الكلمة لضبطها؛ كذلك اهتم بجمع أقوال العلماء في شرح الألفاظ، كذلك أيد شرحه بمأثور كلام العرب ومن القرآن الكريم والحديث الشريف وفصيح الشعر، واهتم بالنسبة الأبيات إلى قائليها -في الغالب. كما اهتم بلغات العرب، كما اهتم بالنوادر والأخبار التي لها صلة بالمادة، كما عني بمسائل النحو والصرف عناية دقيقة.

error: النص محمي !!