Top
Image Alt

مؤمن أصحاب القرية، ومؤمن آل فرعون

  /  مؤمن أصحاب القرية، ومؤمن آل فرعون

مؤمن أصحاب القرية، ومؤمن آل فرعون

أولًا: دعوة مؤمن أصحاب القرية:

أ. أصحاب القرية:

قال ربنا -تبارك وتعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذّبُوهُمَا فَعَزّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوَاْ إِنّآ إِلَيْكُمْ مّرْسَلُونَ (14) قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرّحْمَـَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُواْ رَبّنَا يَعْلَمُ إِنّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَآ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوَاْ إِنّا تَطَيّرْنَا بِكُمْ لَئِن لّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنّكُمْ وَلَيَمَسّنّكُمْ مّنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُواْ طَائِرُكُم مّعَكُمْ أَإِن ذُكّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مّسْرِفُونَ (19) وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ (20) اتّبِعُواْ مَن لاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرّحْمَـَنُ بِضُرّ لاّ تُغْنِ عَنّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ (23) إِنّيَ إِذاً لّفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ (24) إِنّيَ آمَنتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنّةَ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىَ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السّمَآءِ وَمَا كُنّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مّن رّسُولٍ إِلاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 13 – 30].

هذا النص العظيم اشتمل على تعليمٍ من الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يفيده في معالجة قومه، بأن يقدم لهم صورةً من صور الإقناع الذي يحمل عصَا الإنذار بالعقاب المعجل للذين لم يؤمنوا به رسولًا، ولم يؤمنوا بما جاء به عن ربه من كفارِ مكةَ إبَّان نزول هذه السورة في مراحل الدعوة.

وهذه السورة هي ضرب مثل لِمَا هم فيه من عنادٍ وإصرارٍ على الكفر، بما كان عليه أصحاب قريةٍ وثنيةٍ جاءها مرسلون من غير أهلها، فدَعَوْهم إلى الله عز وجل وإلى التوحيد والإيمان، وإلى نبذ ما كانوا يعبدون من الأوثان، فما كان منهم إلا أن كذبوهم في كونهم رسلَ ربهم، وأكدوا لهم أنهم صادقون مرسلون حقًّا، وأنهم ليسوا مطالبين من ربهم إلا بالبلاغ المبين الموضح لقضايا الإيمان الحق، ولشرائع الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنهم ليسوا مكلفين أن يُلزموا القومَ بأن يؤمنوا بهم، ويتبعوهم إلزامًا جبريًّا وهم كارهون غير راغبين، فالاستجابة لدعوة الرسل ينبغي أن تكون استجابةً اختياريةً إراديةً وطَواعية، لا استجابة جبرية، ولا إكراهًا يشوبها، أصحاب القرية يصرون على تكذيب رسل ربهم، بل ويهددونهم بالقتل رجمًا بالحجارة، وبإنزال عذاب أليم فيهم. 

ب. مؤمن أصحاب القرية جاء من أقصى المدينة يسعى:

ونصر هؤلاء الثلاثة رجل من أصحاب القرية جاء هذا الرجل من أقصى المدينة يسعى، وكان هذا في آخر موقف من مواقف دعوة المرسلين الثلاثة لهم، دعاهم هذا الرجل -وهو منهم- إلى الإيمان برسل ربهم إليهم، وإلى أتباعهم، حاورهم، وناظرهم، وأخيرًا رفع عقيرته معلنًا إيمانه بربهم الحق، عندئذٍ التهبت نيران غيظهم منه، وثاروا عليه ثورة الغضب، ولم يجدوا بُدًّا من قتله فقتلوه، فماذا كان له عند ربه؟ كانت المغفرة، وكان الكرم والإكرام، تمنَّى أن يعلم قومه بما ناله من الكرامة، وبما وصل إليه من الشرف، وبما انتهى إليه من رحمة ربه، فيؤمنوا برسل ربهم ويتبعوهم، لكن الله -تبارك وتعالى- لم يُنْظِرْ أصحاب القرية، ولم يمهل هؤلاء الظلمة بعد أن قتلوا ذلك الرجل الذي نصحهم، وتمنى لهم الخير؛ حتى بعد موته فإنه لمَّا نَالَ من ربه الكرامة، دعا اللهَ -تبارك وتعالى- أن يصل ما وصل إليه إلى قومه لعلهم يؤمنون، لكن قد عاجلهم الله -تعالى- بإهلاكٍ شاملٍ، بصيحةٍ جعلتهم خامدين كنارٍ ثائرةٍ هائجةٍ انطفأت وخمدت فجأةً بلحظة واحدة، قال الله عز وجل: {إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}. وهذا يدل على اقتران هلاكهم بلهيب ثورتهم، فما إن ثاروا على ذلك الرجل الذي قتلوه، والداعية الصادق الذي أهانوه؛ حتى نالهم من العذاب المهين ما نالهم، وهذا إنما يكون عَقِبَ قتلهم له مباشرةً، ويظهر أن الرسل الثلاثة انسحبوا لما وجدوا الرجل ينصح قومه ويناظرهم.

جاء التعقيب على قصة أصحاب هذه القرية بعبارة تتضمن التحسر والتفجع على العباد الذين يهلكون أنفسهم في العاجلة، ويعرضونها للخلود في عذاب النار يوم القيامة بكفرهم وعنادهم، وتكذيبهم لرسل ربهم.

ج. منهج مؤمن أصحاب القرية في الدعوة إلى الله:

إن هذا المنهج يدور على ركائز يجب أن يدركها الدعاة، ويمكن أن يتلخص ذلك فيما يلي:

الأمر الأول: أن هذا الداعية بدأ باستعطاف مدعويه إليه، فناداهم بقوله: {يَقَوْمِ} باعتباره واحدًا منهم، والمنتمي إلى قوم تكون عاطفته القومية ذات حرص على خيرهم، وشفقة عليهم، ورغبة صادقة في نجاتهم وسعادتهم، وجلب كل نفع لهم، ودفع كل ضر عنهم.

والأمر الثاني: أنه وجه نصيحته لهم بأن يتبعوا المرسلين، الذين لم يأتوا ليأخذوا منهم أجرًا، ولا ليحصلوا عندهم على منفعة، بل جاءوا ليبلغوهم رسالة ربهم، وليهدوهم إلى صراطه المستقيم؛ رغبةً في نجاتهم من عذاب الله، وفوزهم بجنات النعيم يوم الدين، فقَرَنَ النصيحة بالدليل على صحتها من خلال بيان سلامة الرسل الدعاة من المصالح الشخصية الدنيوية لدى المدعوين.

والأمر الثالث: أنه أكَّد لقومه صدق دعوة هؤلاء الرسل، واستدل على صدقهم بأنهم مهتدون في أنفسهم، صالحون مصلحون، صادقون في أقوالهم وأعمالهم، منصاعون لِمَا يأمرون به الخلق، فَهُم يطبقون ما يدعون إليه من إيمان وعمل صالح، فلا مآخذ تؤخذ عليهم، ولا مثالب تشكك في نواياهم، أو تتهمهم بسلوك شائن.

الأمر الرابع: تعرض لمحاجة قومه له. فسألوه: هل أنت مؤمن بصدق دعوتهم، تعبد الله وحده كما يقولون، وتنبذ عبادة آلهتنا التي نعبد من دون الله؟

فأجابهم بكلِّ قوةٍ وثباتٍ، بأنه قد آمن فعلًا بما دعوا إليه، وبأنه آمن بالله -تبارك وتعالى- لم يقف عند هذا الحد إيمانه، وإنما أخذ يقيم لهم الحجج البرهانية على الذي آمن به، أَبَان لهم أنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بالله ربًّا واحدًا، لا شريك له في ربوبيته، وإلهًا واحدًا لا شريك له في ألوهيته، وأنه لا يصح عقلًا أن يتخذ من دون الله آلهة أخرى، والدليل على ذلك أن كل ما يعبد من دون الله الرب الخالق معبودات باطلة، لا تدفع ضرًّا ولا تجلب نفعًا، ولا تُقبل لها شفاعة عند الله، فمن استحق عذاب الله بسبب كفره وشركه وعصيانه، لم تستطع أن تستنقذه منه، أَبَان لهم أنه إن اتخذ آلهة من دون الله، فإنه يكون منغمسًا في الضلال المبين بعد وضوح الأدلة البرهانية على أن لا إله إلا الله وحده.

والأمر الخامس: أنه لما غضب قومه منه؛ بسبب خروجه عن ملتهم، واتِّباعه للمرسلين، هُدِّدَ بالقتلِ إن هو لم يعد إلى ملتهم، ويصر الرجل هنا بشجاعة وصبر وثبات على موقفه، ورأى أن يبقى معلنًا إسلامه لله، مجاهدًا في سبيله، مناديًا في القوم بأعلى صوته أمام الجمهور: {إِنّيَ آمَنتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ}، وعندها يفعل القوم فِعلتهم الشنعاء، فيقتلوه، فيغفر الله له ويرحمه ويكرمه، فلما شهد هذه الكرامة من الله عز وجل وهذه المغفرة وهذا النعيم، جعل يقول: {قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}.

د. الآيات تضمنت ثلاثة عناوين لثلاثة موضوعات:

الأول: دعوة قومه إلى الإيمان بهؤلاء الرسل الثلاثة، مثبتًا أنهم رسل صادقون، ليسوا بكذابين.

الثاني: تأكيد الدليل على صدق هؤلاء الرسل الثلاث، بأنهم ليسوا بأصحاب مصالح شخصية، ولا مطامع دنيوية، وإنما هم دعاة إلى الله، ينبذون الشرك بالله، ويدعون إلى وحدانية الله، وإفراده تعالى بالعبادة، لا يسألون القوم أجرًا، ولا يطلبون منهم مالًا، وهم غير متهمين في دعوتهم.

الثالث: تأكيد صدق هؤلاء الرسل في دعوتهم؛ لأنهم في ذواتهم على الحق مهتدون، وهم في أخلاقهم ومعاملتهم وعباداتهم ملتزمون، بالصدق والعدل والعفة والزهد والشجاعة، وكل ذلك من صفات هؤلاء المرسلين، ولهذا قال: {وَهُمْ مّهْتَدُونَ}.

ويبدو أن القوم فوجئوا بمداهمة رجل منهم لمجامعهم ومحافلهم؛ بُغيةَ أن ينصر الرسل الثلاثة الذين لم ينتهوا عن دعوتهم.

ثانيًا: دعوة مؤمن آل فرعون:

أ. من هو مؤمن آل فرعون؟

قال الله -تبارك وتعالى- في محكم تنزيله: {وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (28) يَقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ (29) وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ (31) وَيَقَوْمِ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مّمّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مّرْتَابٌ (34) الّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيَ آيَاتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ وَعِندَ الّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ (35) وَقَالَ فَرْعَوْنُ يَهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لّعَـلّيَ أَبْلُغُ الأسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السّمَاوَاتِ فَأَطّلِعَ إِلَىَ إِلَـَهِ مُوسَىَ وَإِنّي لأظُنّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ الرّشَـادِ (38) يَقَوْمِ إِنّمَا هَـَذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَـرَارِ (39) مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُـمْ إِلَى النّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النّارِ (41) تَدْعُونَنِي لأكْـفُرَ بِاللّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (42) لاَ جَرَمَ أَنّمَا تَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدّنْيَا وَلاَ فِي الاَخِرَةِ وَأَنّ مَرَدّنَآ إِلَى اللّهِ وَأَنّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوقَاهُ اللّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ (45) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ}غافر: 28 – 46].

ساق القرآن الكريم قصة مؤمن آل فرعون مَساقًا عجيبًا عظيمًا مدهشًا يحير الألبابَ، المشهور: أن هذا الرجل المؤمن كان قِبطيًّا من آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى صلى الله عليه وسلم وقد اختار هذا القول ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليًّا؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمع، وكف عن قتل موسى، ولو كان إسرائيليًّا لربما عاجله بالعقوبة؛ لأنه منهم.

وقال ابن جرير أيضًا: عن ابن عباس رضي الله عنهما: “لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: {قَالَ يَمُوسَىَ إِنّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر لهم إيمانه إلا هذا اليوم حين قال فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيَ أَقْتُلْ مُوسَىَ وَلْيَدْعُ رَبّهُ إِنّيَ أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] فأخذت الرجل غضبة في الله، فقال هذه الكلمة: ((وأفضل الجهاد، كلمةُ حقٍّ عدلٍ عند سلطان جائر)).

ب. سبب إظهار إيمانه، ومنطقه السديد في الدعوة:

في هذا النص الذي قرأناه يظهر من خلاله فحوى دعوته، هذا النص عرض لتلك الدعوة التي قام بها ذلك الرجل المؤمن، والذي كتم إيمانه مدةً من الزمان، ويظهر أنه كان له صلة بمجلس شورى فرعون؛ لأنه وُصف في كتاب الله بأنه من آل فرعون، والآل من الأسرة: هم أشرافها وأعيانها وكبراؤها -وكما قدمنا- أن السبب الذي دعاه إلى أن يكشف عن إيمانه، هو أنهم أرادوا أن يقتلوا موسى عليه السلام فقام غضبانَ قائلًا: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ}. وهذه الكلمة منه أظهرت إيمانه، وعندئذٍ صار هذا الرجل يدعو قومه دعوةً مباشرةً ظاهرةً، كشَفت عنها آيات كتاب الله العزيز في هذه القصة العظيمة.

رأينا أن نصح هذا الرجل كان معتمدًا على عقلٍ راجحٍ، ومنطقٍ سديدٍ، فإنه قال لهم: إن العقل يقضي بأنه لا يخلو أمر موسى من أن يكون كاذبًا أو صادقًا، فهذان احتمالان لا ثالث لهما.

أما عن الاحتمال الأول -وهو أن يكون موسى كاذبًا- فإن إبقائه حيًّا وعدم التعرض لقتله، لا يضر بشيء؛ لأنهم أصحاب القوة والسلطان، وموسى ومن معه قوم عاجزون ضعفاء مستضعفون.

وأما عن الاحتمال الثاني -وهو أن يكون صادقًا، وأن يكون رسولًا مبعوثًا من عند الله حقًّا- فإن أقل ما يتوقع أن يصيب آل فرعون بعض الذي توعدهم به إذا تعرضوا لقتله.

وهنا نرى أن فرعون أراد أن يحسم الأمر، ولا يدع مجالًا لذلك الرجل أن يزايدَ عليه في هذه الدعوة، فما كان منه إلا أن قال: {أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ}، وهذا الرأي الذي أراه هو الذي أراه لنفسي، وما أهديكم في عرضي عليكم أن أقتل موسى إلا سبيل الرشاد؛ لأن في ذلك الحماية لكم ولمُلككم مما سيحدثه هذا الرجل من الفتنة. وطبعًا كان هذا من فرعون من غاية المكر، والعِياذ بالله.

ج. اغتنام الفرصة لبذل النصيحة ومجادلة قومه له:

الرجل المؤمن من آل فرعون شعرَ بأنَّ الفرصةَ قد واتته، وأنه قد تهيأ الوضع لِأَن ينصح فرعون، وأن ينصح مجلسه ووزراءه ومستشاريه، وكان لهذه النصيحة أثرها، فإنه كان سببًا في منع إصدار ذلك القرار الظالم بقتل موسى، وتحول من وقته داعيًا إلى الله، منذرًا عقوبته، ومحذرًا مما سينزل بقومه، ومذكرًا بسنة الله في إهلاك السابقين من المعاندين والمكذبين، ثم بعد هذا انتقل إلى تحذيرهم من عذاب الله عز وجل يوم القيامة، وأظهر أن عقيدة البعث بعد الموت للحساب والجزاء كانت من العقائد المعروفة عندهم والمتوارثة لديهم، وأن الله -تبارك وتعالى- هو الحَكم يحكم بين عباده يومئذٍ، فَمَن يحكم الله -تعالى- عليه بالضلالة فلن يجد من يحكم له بالهداية.

وقد ذكرهم في سياق ما ذكرهم به بقصة يوسف عليه السلام وأن يوسف كان في مصر، وأن يوسف عليه السلام الذي نشر دعوة التوحيد، ما زالوا متشككين هل هو مرسل من عند الله أم لا؟ حتى إذا ما تحققوا من هذا، ولكنهم قالوا: إن الله -تعالى- لن يبعث من بعده رسولًا، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الآثام والطغيان، وهذا كان فيه من إقامة الحجة عليهم، ومن اشتداد الساعد في دعوتهم، ما جعلهم يتألبون عليه ويجادلونه بالباطل، لَمَّا كشف عن إيمانه وعقيدته جعلوا يناقشونه نقاشَ المبطلين، وخشي فرعون أن يتأثر بعض الملأ بمجادلته، فجعل يعلق الأمر على ما لا يمكن أن يتعلق به، عَلَّقَ الأمر على أنه لا بد من وجود وسيلة نتعرف بها على صدق هذا الدعي -يعني: موسى- فماذا كان: طرح وسيلة يطول أمد تحقيقها، فقال لوزيره الأول: {يَهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لّعَـلّيَ أَبْلُغُ الأسْبَابَ} أي: قصرًا عاليًا، لعلي أبلغ إلى أسباب علوية، أصِلُ بواسطتها إلى السموات، فأعرف عندما أطلع: هل هناك إله في السموات أم لا؟!

كانت هذه حيلة من حيل الشيطان حين علق هذا الأمر على شيء يتعذر تحقيقه، وهذا فيه من استخفاف قومه ما فيه؛ لأنهم إما سُذج، يرَوْن أن لفرعون قدرات تمكنه إذا بنَى الصرح العالي من اتخاذ أسباب توصله إلى السماء، وهنالك سيطلع إلى إله موسى، وإما شياطين مثله يواطئونه على ضلاله؛ إما أنهم سذج أو أنهم من الشياطين الموافقين الذين يعرفون حيله وأكاذيبه، ويعملون معه على ترويجها.

والظاهر الثاني بأن الله -تبارك وتعالى: {فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] عندئذٍ رأى رجل من آل فرعون -وقد انكشف أمره- أن ينطلق داعيًا إلى سبيل ربه، وإلى دينه الذي جاء به موسى وهارون بين المِصريين، بعد أن وجد أن دعوته داخل القصر قد صارت غيرَ مُجْدِيَةٍ، وأن فرعون قد أبعدها إلى أجل لن يأتي بعد، فجعل ينادي في قومه: يا قوم، يا قوم! كل ذلك يستعطفهم ويلين العبارة لهم؛ عسى أن ينتفعوا بدعوته، يقول: {وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ الرّشَـادِ (38) يَقَوْمِ إِنّمَا هَـَذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَـرَارِ (39) مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

فجعل قومه يجادلونه بالباطل، ويدعونه إلى ترك الدين الذي فارق به دين آبائه وأجداده وقومه، وإلى أن يعود إلى دين الشرك الذي هم عليه، فجعل يقول لهم: {وَيَقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُـمْ إِلَى النّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النّارِ}، يا قوم، إنكم تدعونني لأكفر بالله الحق، وأشرك به ما ليس لي به علم، يا قومي، لا ريبَ في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة حقيقية ذات أثر في الدنيا ولا في الآخرة، يا قوم، إن مردنا ومصيرنا ومآلنا إلى الله عز وجل هو الذي يبعثنا بعد موتنا، وهو الذي يقضي بيننا إذا حاسبنا وجازانا، يا قوم إن الإسراف لا يُعْقِبُ إلا النار -والعياذ بالله- إن المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعصية هم أصحاب النار.

ثم ينتهي إلى تذكيرهم وخوفه عليهم: {وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ} [غافر: 30 – 31] إنه يحذرهم وينذرهم ويبين لهم الخطر الذي هم مقدمون عليه، لكنه يجد القوم معاندين رافضين مستكبرين فاسقين، فلما وصل إلى ما وصل إليه، علِم أنهم لا ينتفعون ولا يرعوون، فقال لهم: قد قدمت لكم غاية ما عندي من النصح، فأبيتم واستكبرتم، ثم أنتم تعملون على أن تتخلصوا مني، فلا مسئولية عليَّ عند ربي تجاهكم، فقد قمت بواجبي، وبذلت وسعي، واستفرغت جهدي، ولم يبقَ إلا أن أفوض أمري إلى الله بشأن ما تدبرون ضدي، إن الله بصير بالعباد، فهو الذي يقي ويحمي.

د. أراد قومه به الكيدَ، فنجاه الله -تعالى:

كانت هذه دعوة ذلك المؤمن، دعوة مؤمن جاهد في الله ببيان قوي وحجج ظاهرة، وصابر وصبر، وتابع ولم يخف، وأقبل على الدعوة إلى الله في عزم واجتهاد، في توكل على الله وصبر ومضاء، في تفويض كامل، ونية صحيحة، وهِمة وعزيمة وعمل، استحق أن ينزله الله -تبارك وتعالى- في خاتمة كتب المنزلةَ اللائقةَ به حين عرَضَ لقصته، فنَوَّه بذكره، وأشاد بفعله، وأثنى عليه، والظاهر أنه قد مكر به آله وأصحابه، وعزموا على أن يوقعوا به سيئات متعددات من سَجن وتعذيب ومصادرة ممتلكات وقتل، ونحو ذلك، أو جميع ذلك، لماذا؟ لأنه أعلن خروجه عن مِلتهم، وأعلن متابعته لدين الله الحق، وأعلن التزامه بنصرة هذا الدين، وبالدعوة إليه بين شَعب قومه؛ نصحًا، وأمرًا بالمعروف، وجدالًا بالتي هي أحسن، أرادوا به الكيد، فنجاه الله -تعالى- فوقاه سيئات ما مكروا، وأنزل بفرعون وآله سوء العذاب، فأغرقهم في اليم بما كانوا يظلمون ويفسقون، وهذا يدل على أن الحادثة قد كانت قرب ملاحقة فرعون لموسى، وأنها كانت في الحلقة الأخيرة من حلقات هذه القصة.

وهذه سنة الله في معظم دعاته سواء كانوا من الأنبياء، أو من الصالحين المصلحين، أو من الحكماء الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- بحكمة وموعظة حسنة، كما قال سبحانه عن هؤلاء وعن عاقبتهم من نصرة الله -تبارك وتعالى- لهم: {إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [غافر: 51].

error: النص محمي !!