Top
Image Alt

ماهية سد الذرائع وعلاقتها بمبحث التحيل

  /  ماهية سد الذرائع وعلاقتها بمبحث التحيل

ماهية سد الذرائع وعلاقتها بمبحث التحيل

الذرائع في اللغة: جمع ذريعة، وهي في الأصل: دابَّة تشد في موضع؛ لِيَأْوِي إليها البعير الشارد؛ لأنه كان يألفها قبل شروده؛ فإذا رآها اقترب منها، فأمسكوه. يقول الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: هذا المركب في اصطلاح الفقهاء: إبطال الأعمال التي تَئُول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها. قال المَزْري في شرح (التلقين)، للقاضي عبد الوهاب: سد الذريعة: منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز، يقول: ولهذا المبحث تعلُّق قويٌّ بمبحث التحيُّل، إلا أن التحيل يراد منه أعمال يأتيها بعض الناس في خاصة أحواله؛ للتخلص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضًا معتبرة شرعًا، حتى يظن أنه جارٍ على حكم الشرع؛ وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد؛ سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أو لم يقصدوا، وذلك في الأحوال العامة. والحيل المبحوث عنها، لا تكون إلا مبطلة لقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد الشارع من الصلاح، وقد لا تكون مبطلة. واعلم أن إفضاء الأمور الصالحة إلى مفاسد شيء شائع في كثير من الأعمال؛ بل ربما كان ذلك الإفضاء إلى الفساد غير حاصل إلا عند كمال الأمور الصالحة، مثل: النار فإن حالة كمالها، هي حالة إفضائها إلى مفسدة الإحراق؛ فاعتبار الشريعة بسد الذرائع يحصل عند ظهور غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل؛ فهذه هي الذريعة الواجب سدُّهَا. أقسام الذريعة: قسَّم القرافي في (الفروق)، ذريعة الفساد إلى ثلاثة أقسام: الأول: مجمع على عدم سدِّهِ: مثل: زراعة العنب خشية ما يعتصر منه من الخمر، ومثل: التجاور في البيوت خشية الزنا. النوع الثاني: مجمع على سده: كحفر الآبار في طريق المارة دون سياج، ومختلف فيه -أي: بين قائل بسده وبين قائل بعدم سده- كبيوع الآجال؛ فترجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد، وقد قدمناها في المقصد العام من التشريع. ولا يُظَنُّ أن المراد باحتياج الأمة إلى الذريعة اضطرارها إلى وجودها، بل المراد به أنه لو أبطل ذلك الفعل، لحق جمهورًا من الناس حرج، فإن العنب تستطيع الأمة أن تستغني عنه، إلا أن في تكليفها ذلك حرمان لا يناسب سماحة الشريعة، فكان إباحة زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجح مما تئول إليه من اعتصار نتائجها خمرًا، بخلاف التجاور في البيوت، فإنه لو مُنِعَ لكان منعه حرجا عظيمًا يقرب مما لا يطاق، فهو حاجي قويّ للأمة، على أن ما يئول إليه من الزنا مآل بعيد، وإن كانت مفسدته أشد من تناول الخمر. فمقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم، إذ تفيد من استقراءه تصرفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها. ومما يجب التنبيه له في التفقه والاجتهاد في التفرقة بين الغلو في الدين وسد الذريعة، وهي تفرقة دقيقة، فسد الذريعة موقعه وجود المفسدة، والغلو موقعه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمور أو منهي شرعي، أو في إتيان عمل شرعي بأشدّ مما أراد به الشارع، بدعوى خشية التقصير عن مراد الشارع، وهو المسمى في السنة بالتعمق والتنطع. يقول الطاهر بن عاشور: بينت فيما سلف أن مقصد الشريعة في إناطة أحكامها أن تكون مرتبة على أوصاف ومعانٍ، وأُخْفِيَ ذلك هنا؛ لأن الشريعة لما قصدت التيسير على الأمة في امتثال الشريعة وإجرائها في سائر الأحوال عمدت إلى ضبط وتحديد؛ يتبين به جليًّا وجود الأوصاف والمعاني التي راعتها الشريعة؛ فبذلك قد نصبت للعلماء أمارات التشريع بالأوصاف والمعاني المراعاة في التشريع، ونصبت لمن دونهم حدودًا وضوابطَ تحتوي على تلك المعاني التي قد تخفى على أمثالهم، وهي صالحة لأن تكون عونًا للعلماء تهديهم عند خفاء المعاني في الأوصاف أو وقوع التردد فيها، كما كانت الحدود والضوابط هادية لمن انحط عن درجة العلماء إلى أن يرتقي قليلًا إلى فهم المعاني والأوصاف المقصودة من التشريع فيما تحتويه تلك الضوابط من المعاني والأوصاف الخفية. نفوذ الشريعة: تكسبك المباحث المتقدمة أن من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تكون نافذة في الأمة؛ إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منها كاملة بدون نفوذها، فطاعة الأمة الشريعة غرض عظيم، وإن أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها، أنها خطاب الله تعالى للأمة، فامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار. لأنها ترضي بذلك ربها وتستجلب به رحمته إياها، وفوزها في الدارين، وقد قال الله تعالى في -كتابه الكريم-: {قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ} [المائدة: 15]، فالأحكام الشرعية المُتَلَقَّاةُ من الرسول صلى الله عليه وسلم كلها وحي من الله تعالى، ثم لم يزل أئمة الشريعة من عهد الصحابة رضي الله عنهم يتوخون أن تكون آراؤهم في استنباط الأحكام مستخرجة من التفريع عن أصول الكتاب والسنة. ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم كثيرًا ما يشددون النكير على القول بالرأي غير المستند إلى ذلك، واستتبَّ للشريعة أن تسلك لتحصيل ذلك مسلكين سلكتهما جميعًا. المسلك الأول: مسلك الحزم في إقامة الشريعة. المسلك الثاني: مسلك التيسير والرحمة بقدرٍ لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة. فأما المسلك الأول فقد مهَّدَتْه الشريعة بالترهيب والموعظة، كقول الله تعالى -في كتابه الكريم-: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [البقرة: 229]. وقد جاء في الحديث الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)). ومن هنا نشأت في الفقه قاعدة شرعية: أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة. وقاعدة أخرى مفادها: أن النهي يقتضي الفساد، وهي مسلَّمة في أصول الفقه وعلم فروعه؛ لأنه لا ينبغي أن تتساهل الأمة في تفريط مقاصد الشريعة؛ لأن الاسترسال في ذلك يتسرَّى فيهم إلى إضاعة معظم الشريعة، ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك، أقام نظام الشريعة أمناء، لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة، فإن الله قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، كما أشار إليه قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ} [الحديد: 25]، وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدود، وبعث الأمراء والقضاة إلى الأقطار البعيدة عنه؛ بحيث صار ذلك من المتواتر من فعله صلى الله عليه وسلم. وأما المسلك الثاني، مسلك التيسير والرحمة، فإن الشريعة قد بنيت على سهولة قبولها في نفوس الناس؛ لأنها شريعة فطرية سمحة؛ فهي تحمل الناس على المصالح حملًا أقصى ما يمكن أن يكون الحمل من الرحمة واليسر والتيسير؛ إذ لا فائدة في التشريع إلا العمل به، وقد كان تيسير الشريعة ذا مظاهر ثلاثة: أحدها: أن أحكامها المعينة مبنية على التيسير نظرًا لغالب الأحوال، كما قال الله تعالى -في كتابه الكريم-: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. الثاني: أنها تعمد إلى تغيير حكم شرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو الأفراد، قال تعالى: {إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]. ولذلك كان من أصول قواعد التشريع قاعدة: المشقة تجلب التيسير. الثالث: أنها لم تترك للمخاطَبِينَ بها عذرًا في التقصير في العمل بها؛ لأنها بُنِيَتْ على أصول الحكمة والتعليل والضبط والتحديد، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. الرخصة وعلاقتها بالمشقة والحرج: والرخصة هي: التسهيل والتيسير في الأمر، يقول الطاهر بن عاشور: لأني وجدت بعض أنواع الرخص مغفولًا عن التعرض لها؛ فقد أطبقت كلمة الفقهاء، على أن الرخصة تغير الفعل من صعوبة إلى سهولة؛ لعذر عرض لفاعله، وضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابل المضرة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على المفسدة، ومثلوا للرخصة بأكل الميتة للمضطر. وكذلك وجدنا من الضرورات، ضرورات خاصة مؤقتة جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، كقول الله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} وقد اقتصر الفقهاء عليها في تمثيل الرخصة، وبين القسمين قسم ثالث مغفول عنه، وهو الضرورة العامة المؤقتة، وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها؛ إذ تستدعي إباحة الفعل الممنوع؛ لتحقيق مقصد شرعي مثل: سلامة الأمة، وإبقاء قوتها… أو نحو ذلك. وليست أمثلة هذا النوع من الرخصة بكثير، فمنها الكراء المؤبد الذي جرت به فتوى ابن السراج وابن منظور في أرض الوقف، حين زهد الناس في كراءة الزرع لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة، ووفرة المصاريف، فأفتى ابن السراج وابن منظور بكرائها على التأبيد ورأيا أن التأبيد لا غرر فيه؛ لأنها باقية غير زائلة. وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد من ذلك، فالواجب رعيه وإعطاء ما يناسبه من الأحكام؛ لأنه لا حرج في الشريعة. وبما أننا تعرضنا للكلام عن رفع الحرج، فيجدر بنا هنا أن نبين معنى الحرج، أو معنى: رفع الحرج: فقد اختلفت علماء السلف في بيان معنى رفع الحرج؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما يقول في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} بأنه توسعة الإسلام ما جعله الله من التوبة والكفارات. وعن عكرمة قال: الحرج الضيِّق لم يجعله ضيقًا؛ ولكن جعله واسعًا. وعن مقاتل قال: لم يضيق الدين عليكم، ولكن جعله واسعًا لمن دخله، وذلك أنه مما ليس فرض عليهم فيه إلا وقد سبق إليهم عند الاضطرار فيه رخصة. والذي نستخلصه من تفسيرات السلف لمفهوم رفع الحرج: أنها جزئية تقتصر على مواقع الرخص، وهذا يعود لارتباطهم بالسياق الذي وردت فيه كلمة الحرج في القرآن الكريم. ومن خلال ما سبق طرحه حول مفهوم رفع الحرج، من الممكن أن نستخلص التعريف التالي، وهو أن رفع الحرج: هو الأخذ بالسماحة والسعة من جانب الشارع الحكيم في تشريع الأحكام والتزام المكلفين جانب الاعتدال، والتيسير في تطبيقها، ولقد ثبت أنه من عادة صاحب الشرع نفي الحرج عن أحكام الشريعة، وبناء عليه فإذا رأيت فيها الحرج لائحًا ورسم المشقة واضحًا، فاعلم أن ذلك يعود إلى جملة من الأسباب منها: أولًا: التشدد في التزام الأحكام الشرعية، وحقيقته حمل النفس على الإتيان بالأشق من العبادات. ثانيًا: تعمق الفقيه في نقل الأحكام الشرعية. ثالثًا: تجاهل الفقيه أعراف الناس وأحوالهم، وعدم اعتبارها في تقرير الأحكام. مراتب الوازع: مراتب الوازع: جبلّية، ودينية، وسلطانية. فنحن الآن أشبه بأن نكون رجعنا إلى مبحث نفوذ الشريعة واحترامها، فحري بنا أن نبيّن كيف استخدمت الشريعة بنفوذ تشريعها واحترامه في نفوس الناس أنواع الوازع، الذي يزع النفوس عن التهاون بحدود الشريعة، فاعتمدت في ذلك ابتداءً عن الوازع الجبلِّي، فكان كافيًا لها من الإطالة بالتشريع بالمنافع التي تطلبها الأنفس من ذاتها، وبالتحذير من المفاسد التي يكون للنفوذ منها زاجر عنها، وذلك كمنافع اللباس، وحفظ النسل والزوجات، فلا تجد في الشريعة وصايات تحفظ الأزواج؛ لأنه في الجبلِّة كذلك إذا كانت الزوجة كافيةً في ذلك كما قال عمرو بن كلثوم: يَقُتنَ جِيادَنا وَيَقُلنَ لَستُم * بُعولَتَنا إِذا لَم تَمنَعونا وقلّ في الشريعة أيضًا التعرض لحفظ الأبناء في الأحوال، عرضت للعرب من التفريط فيه كما فعلوا في الوقت، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُم إنّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31]، ولذلك كانت الشريعة الإسلامية تعمد إلى الأمور العظيمة التي تخشى ألّا يغني فيها الوازع الديني الغناء المرغوب، فتصبغها بصبغة الأمور الجبلية، كما فعلت ذلك في تحريم الصهر، لتلحق الصهر بالنسب في جعله الوازع عن الزنا كالجبليّ، فألحقت أبوي الزوجين بالأبوين، في قوله تعالى: {وَأُمّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} [النساء: 23]. فمتى ضعف الوازع الديني في زمنٍ أو قومٍ أو في أحوال، يظن أن الدافع مخالفة الشرع في مثلها أقوى على النفوس، أو على أكثر النفوس من الوازع الديني، هنالك يصار إلى الوازع السلطاني، فيناط التنفيذ بالوازع السلطاني كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. واعلم أن الوازع الديني، ملحوظ في جميع أحوال الاعتماد على نوعي الوازع، فإنّ الوازع السلطانيّ، تنفيذ للوازع الديني والوازع الجبلِّي، والوازع الجبلِّي، تمهيد للوازع الديني، فالمهم في نظر الشريعة الإسلامية، هو الوازع الديني، اختيارًا كان أم جبرًا؛ ولذلك يجب على ولاة الأمور حراسةُ الوازع الديني من الإهمال، فإن خيف إهماله أو سوء استعماله؛ وجب عليه تنفيذه بالوازع السلطاني.

error: النص محمي !!