Top
Image Alt

ما اتفق العلماء على منعه في الحيض والاستحاضة، مباشرة الحائض، وطء الحائض في طهرها قبل الاغتسال، كفارة الجماع في الحيض، وضوء المستحاضة ووطئها

  /  ما اتفق العلماء على منعه في الحيض والاستحاضة، مباشرة الحائض، وطء الحائض في طهرها قبل الاغتسال، كفارة الجماع في الحيض، وضوء المستحاضة ووطئها

ما اتفق العلماء على منعه في الحيض والاستحاضة، مباشرة الحائض، وطء الحائض في طهرها قبل الاغتسال، كفارة الجماع في الحيض، وضوء المستحاضة ووطئها

ما اتفق العلماء على منْعه في الحيض والاستحاضة:

ويبين ابن رشد اتفاق المسلمبن على أنّ الحيض – أوالنفاس- يمنع أربعة أشياء:

الأول: فعْل الصلاة ووجوبها، فالحائض لا يجوز لها أن تصلّي وليست مطالبة بقضاء الصلاة.

الثاني: فعْل الصوم، لا قضاءه؛ فلا يجوز للحائض ولا النفساء أن تصوم وهي حائض أو نفساء في شهر رمضان، لكنها مُطالبة بقضائه في أيام أخر، وذلك لحديث عائشة الثابت عند الجماعة: أنها قالت: «كُنا نُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة». وقد أشار بعض الفقهاء إلى الحكمة من قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة، فقيل: “إنّ الصوم مرةٌ في السَّنة، أي: شهر واحد، فلا يمكن تداركه أو تدارك ثوابه لمن فات عليه، فشُرع للحائض والنفساء أن يقضيا ما فاتهما من الأيام، حتى ينالا الأجر والثواب. أمّا الصلاة؛ فلأنها عبادة تُكرّر كل يوم خمس مرات، فالفرصة في تحصيل الأجر والثواب فيها يمكن تداركه، وكذلك النوافل والسّنن الباب مفتوح فيها، فيمكن تدارك هذا الأمر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: إن الصوم كما جاء في الحديث الصحيح: «كلّ عمَلِ ابن آدم له إلاّ الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به»، أي: أنها عبادة خالية من الرياء، وبعيدة عن الشهرة والسمعة؛ ولذلك أجرها عظيم، بينما الصلاة قد يقع فيها الرياء، كما قال تعالى عن المنافقين: { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142].

الثالث: الطواف، فالحائض لا يجوز لها أن تطوف؛ لحديث عائشة الثابت عند الشيخيْن حين أمَرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفعل كلّ ما يفعل الحاج، غير الطواف بالبيت. وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الطواف صلاة، غير أنه يُباح فيه الكلام، ومعنى هذا: أنه يُشترط له ما يُشترط للصلاة من الطهارة، وستر العورة، وخلوّ المرأة من الحيض والنفاس، ونحو ذلك.

 لرابع: الجماع في الفرج، وقد أجمع المسملون على ذلك؛ لقول الله تعالى: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]. فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

ومعنى ذلك: أنه يجب على الرجال أن يعتزلوا جماع النساء في فروجهن في فترة الحيض؛ أمّا ما يتعلّق بالطعام والشراب، والمعاملة، والقُبلة، وأنواع الاستمتاع الأخرى غير الجماع في الفرج، فمباحة ومشروعة.

وأشار ابن قدامة إلى أمور أخرى، ومنها:

– تُمنع الجُنب من قراءة القرآن.

– وتُمنع أيضًا الحائض والنفساء من اللّبث في المسجد والمرور فيه.

– يَمنع الحيض صحّة الطهارة؛ لأنها فعلاَ على حدث، كما أنه يجب الغُُسل عليها عند انقطاعه.

– الحيض عَلمٌ من علامات انقضاء العدّة، ولا تنقضي العدة في حق المطلَّقة وأشباهها إلا به؛ لقوله تعالى:{ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ }[البقرة: 228]؛ ولذلك عقّب ابن قدامة على هذه الأحكام كلها بقوله: “وأكثر هذه الأحكام مُجمع عليها بين علماء الأمة”. 

اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد: “اختلفوا من أحكامها -أي: أحكام الحيض والنفاس والاستحاضة- في مسائل نذكر منها مشهوراتها، وهي خمس”.

المسألة الأولى: مباشرة الحائض: أي: لاستمتاع بالمرأة في غير فرْجها، والمباشرة هي الاستمتاع بما عدا الفرْج.

فقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: “له منها ما فوق الإزار فقط”، والإزار هو: ما يغطّي من السرة إلى أسفل.

قال سفيان الثوري، وداود الظاهري، وأحمد: إنما يجب عليه أن يجتنب موضع الدم فقط، أي: يجتنب الفرْج فقط، وما عدا الفرج ممّا حوله إلى السرة، وما فوق الركبة، كلّ هذا مباح.

يعلّق ابن قدامة مفصلًا القثول: “ويستمتع من الحائض بما دون الفرْج، وجملته: أن الاستمتاع من الحائض فيما فوق السّرة ودون الركبة، جائز بالنص والإجماع. والوطء في الفرْج محرم بهما”.

ويقول ابن قدامة:

إن الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالنص والإجماع، كما أن الوطء في الفرْج محرّم بالنص والإجماع.

– أما الاستمتاع بغير الوطء، يقول: “واختلف في الاستمتاع بما بينهما”.

فذهب أحمد -رحمه الله- إلى إباحته.

وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يباح، لِما روي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُرني فأتّزر -أي: ألبس الإزار- فيُباشرني وأنا حائض».

وينتصر ابن رشد لرأي الإمام أحمد بن حنبل، هو: أنّ كل شيء مباح إلاّ الجماع، فيقول: “ولنا قول الله تعالى: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } [البقرة: 222]، والمحيض لمكان الحيض، كالمقيل، أي: وقت القيلولة، والمبيت، أي: مكان البيات بالليل-؛ فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال، دليل على إباحته فيما عداه”.

وإرادة مكان الدم أرجح بدليل أمريْن:

الأول: أنه لو أراد الحيض لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.

الثاني: أن سبب نزول الآية: أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها بالكلية، فلم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فسأل الصحابةُ النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كلّ شيء غير النِّكاح»، رواه مسلم في (صحيحه). وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحمْلها على إرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقًا لهم. وروي أنهصلى الله عليه وسلم قال: «اجتنب منها شعار الدم»، فإذا وطأ الرجل امرأته الحائض في الفرْج أثم ويستغفر الله تعالى من ذلك.

سبب اختلاف الفقهاء إلى هذيْن الرأييْن:

يقول ابن رشد: “سبب هذا الاختلاف هو ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، والاحتمال الذي في مفهوم آية الحيض”.

وذلك أنه ورد في الأحاديث الصحاح، عن عائشة -رواه الجماعة إلاّ النسائي-، وميمونة -رواه الشيخان وأبو داود-، وأم سلمة -أخرجه الطبراني-: ((أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضًا، أن تشدّ عليها إزارها، ثم يُباشرها))، رواه الشيخان.

وورد أيضًا من حديث ثابت بن قيس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اصنعوا كلّ شيء بالحائض إلاّ النكاح))، رواه مسلم وأصحاب (السنن). وذكر أبو داود، عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها وهي حائض: اكشفي عن فخذك، قالت: فكشفت. فوضع خدّه وصدره على فخذي، وحنيْت عليه حتى دفئ، وكان قد أوجعه البرد)).

هذا عن الأحاديث: أربعة أحاديث ظواهرها يُفهم منها التعارض.

أما الاحتمال الذي في مفهوم آية الحيض: فهو تردّد قوله تعالى: { قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } [البقرة: 222] بيْن أن يُحمل على عمومه إلاّ ما خصّصه الدليل، أو يكون من باب العام الذي أريد به الخاص، بدليل قوله تعالى: { قُلْ هُوَ أَذًى }، والأذى إنما يكون في موضع الدم.

فمن حمل هذا القول على عمومه – أي: مطلق الاعتزال حتى يُخصّصه الدليل- استثنى من ذلك ما فوق الإزار بالسُّنة؛ لأنه ورد، إذ المشهور جواز تخصيص الكتاب بالسنة عند الأصوليِّين.

وَمن كان عنده من باب العامّ أريد به الخاصّ -يعني: العامّ الاعتزال كلّه ويراد به موضع الفرْج- رجّح هذه الآية على الآثار المانعة ممّا تحت الإزار، وقوِيَ ذلك عنده بالآثار المعارضة للآثار المانعة ممّا تحت الإزار.

ومن الناس من رام الجمْع بين هذه الآثار وبين مفهوم الآية على هذا المعنى الذي نبّه عليه الخطاب الوارد فيها، وهو كوْنه أذىً، فحَمل أحاديث المنْع لِما تحت الإزار على الكراهية، وأحاديث الإباحة ومفهوم الآية على الجواز. ورجّحوا تأويلهم هذا؛ لأنه قد دلّت السُّنة أنه ليس من جسم الحائض شيء نجس، إلاّ موضع الدم.

المسألة الثانية: وطء الحائض في طُهرها قبل الاغتسال:

والزوج قد يريد أن يجامع زوجته، وقد انتهى الحيض وانقطع الدم، أو عرفت انتهاء الحيض بالقصة البيضاء ، ولكنها لم تغتسل ولم تتطهّر بعدُ، هل يجوز هذا الوطء لهذه الحائض في هذا الطهر قبل أن تغتسل؟ أم لا بدّ لها أن تغتسل قبل أن يجامعها؟

ويبين ابن رشد اختلاف الفقهاء في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال، فهناك ثلاثة آراء:

الرأي الأول: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور من الفقهاء إلى: أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل. فلا يُسمّى انقطاع الدم أو انتهاء فترة الحيض طهرًا.

الرأي الثاني: ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلى: أنّ ذلك جائز إذا طهرت لأكثر أمد الحيض، وهو عنده عشرة أيام، فإن طهرت لدون أكثر الحيض، لم يجُز حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة.

فمذهب الإمام أبي حنيفة قريب؛ لأنه اعتبر الحد الأقصى في أيام الحيض. لكن إذا انقطع الدم بعد خمسة أيام، أو ستة أيام، لم يجُز له أن يطأها حتى تغتسل، أو يمضي عليها في الانتظار وقت صلاة.

الرأي الثالث: هو مذهب الأوزاعي؛ حيث ذهب إلى أنها إن غسلت فرْجها بالماء جاز وطؤها، حتى ولو لم تغتسل.

ماذا قال ابن قدامة في هذه القضية وتفصيلها؟

يقول ابن قدامة في تعليقه على قول الخرقي: “فإن انقطع دمها فلا تُوطَأ حتى تغتسل”، ثم يشرح ذلك بقوله:

وجملته: أنّ وطء الحائض قبل الغُسل حرام، وإن انقطع دمُها في قول أكثر أهل العلْم؛ لقول الله تعالى: { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } [البقرة:222]، ويفسّر: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ }، أي: إذا اغتسلن، لأنه هكذا فسّره ابن عباس، وأن الله تعالى قال في الآية: { اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222]، فأثنى عليهم؛ فيدلّ على أنه فِعل منهم أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو: الاغتسال، وليس انقطاع الدم؛ لأن انقطاع الدم لم يكن بفعلٍ منهم.

إذًا، فهناك شرطان لإباحة الوطء، هما : انقطاع الدم، والاغتسال.

المسألة الثالثة: كفّارة الجماع في الحيض:

ما حُكم مَنْ جامع امرأته وهي حائض؟ هل عليه كفارة، أم لا؟ وإذا كان عليه كفارة فما مقدارها؟

يقول ابن رشد: “اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض”.

قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى روايتيْه: يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه؛ فهو إنسان أخطأ خطأً، لكنه ليس كبيرة من الكبائر التي فيها حدود أو عقوبات شرعية، وإنما يكفيه الاستغفار، والاستغفار يمحو الخطيئة و السيئة.

وقال أحمد بن حنبل في الرواية الثانية: يتصدّق بدينار أو بنصف دينار.

وقالت فرقة من أهل الحديث: إن كان الوطء في الدم، في أثناء الحيض، فعليه دينار. وإن وطئ في انقطاع الدم، فنصف دينار؛ فهذا توجيه.

ورُوي أن هذه الصدقة سُنة عند الإمام الشافعي -رحمه الله-.

ويقول ابن قدامة: “إن وطئ الحائض في الفرْج أثم، ويستغفر الله تعالى”.

وفي الكفارة روايتان:

الأولى: يجب عليه كفارة، لِما روى أبو داود والنسائي بإسنادهما عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدّق بدينار أو بنصف دينار».

الثانية: لا كفارة عليه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلْم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أتى كاهنًا فصدّقه بما قال، أو أتى امرأته في دُبرها، أو أتى حائضًا فقد كفر بما أُنزِل على محمدصلى الله عليه وسلم»، رواه ابن ماجه، ولم يذكر كفّارة، مع أنه يظهر من هذا الحديث، ومن لفظه، أنه أشدّ خطرًا من الكفارة، لأنه يساوي ذلك بالكفر بما أنزل على محمد والعياذ بالله. ولعل المقصود بالكفر هنا جحود نعمة الله سبحانه وتعالى، وليس الكفر بالعقيدة.

سبب اختلاف الفقهاء في كفارة مَنْ أتى زوجته وهي حائض:

يرجع السبب إلى اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في ذلك، أو وهْيها -أي: ضعفها-. أي: هل الأحاديث التي وردت في أنّ الرجل إذا جامع امرأته الحائض في أثناء الدم عليه دينار أو نصف دينار، هي صحيحة أم ضعيفة؟ أم يستغفر الله ولا شيء عليه؟

يقول ابن رشد: وذلك أنه رُوي عن ابن عباس: «عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، أنه يتصدق بدينار، وروي عنه بنصف دينار». وهذا الحديث رواه أصحاب (السنن).

وكذلك رُوي أيضًا في حديث ابن عباس هذا، أنه إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم نصف دينار. إذًا هذه رواية أخرى تختلف مع الرواية السابقة. ورُوي في هذا الحديث «يتصدّق بخُمسَيْ دينار»، وبه قال الأوزاعي. والرواية التي رُويت: «يتصدق بخمسَيْ دينار»، من الروايات الضعيفة.

يقول ابن رشد: “فمن صحّ عنده شيء من هذه الأحاديث، صار إلى العمل بها. يعني: قال بالصدقة سواء كانت دينارًا، أو نصف دينار، ومَن لم يصحّ عنده شيء منها، وهم الجمهور، عمِل على الأصل الذي هو سقوط الحُكم حتى يثبت بدليل.

يضيف ابن قدامة: “وإن وطئ المرأة بعد طهرها، وقبل غسلها، فهل عليه كفارة، أو لا كفارة عليه؟ يقول: لا كفارة عليه، وإن كان البعض قد قال عليه كفارة”.

هل تجب الكفارة على الجاهل والناسي؟ ففي هذا وجهان:

الأول: تجب، لعموم الخبر. والثاني: لا تجب؛ لقوله: «رُفع عن أمّتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».

الأحكام الشرعية المتعلقة بالمستحاضة في الوضوء والوطء:

المسألة الرابعة: وضوء المستحاضة.

يقول ابن رشد -رحمه الله-: “اختلف العلماء في المستحاضة”

الرأي الأول: قوم أوجبوا على المستحاضة طُهرًا واحدًا فقط، وذلك عندما ترى أنه قد انقضت حيضتها بإحدى تلك العلامات التي تقدّمت -أي: القصة البيضاء، أو الجفاف وانقطاع الدم، أو إذا كانت عادتها معروفة بأنها بضعة أيام، أو بالحد الأقصى، أو بتمييز لون الدم.

وقد انقسم أصحاب هذا الرأي إلى فريقين: فريق أوجب عليها طهرًا واحدًا فقط، وبعد أن تغتسل، تتوضأ لكل صلاة، وهذ رأي مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر فقهاء الأمصار –أي: رأي الجمهور-. وفريق لم يوجب عليها إلاّ استحبابًا، وهو مذهب مالك.

الرأي الثاني: قوم آخرون غير هؤلاء رأَوْا أنّ على المستحاضة أن تتطهّر لكل صلاة، يعني: أنها تغتسل لكل صلاة. وهذا كما ترون مجهود كبير وشاق، ووقوع في الحرج، والله تعالى يقول: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].

الرأي الثالث: الواجب أن تؤخِّر الظّهر إلى أول العصر، وتفعل ذلك في المغرب. ثم تتطهّر وتجمع بين الصلاتيْن. وكذلك تؤخِّر المغرب إلى آخِر وقتها وأول وقت العشاء، وتتطهّر طهرًا ثانيًا، وتجمع بينهما؛ فأوجبوا عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة.

الرأي الرابع: على المستحاضة غسل واحد في اليوم والليلة. ومن هؤلاء من لم يحدّ لها وقتًا لهذا الغسل، وهو مروي عن علي. ومنهم من رأى أن تتطهّر من طهر إلى طهر.

يرجع ابن قدامة أسباب اختلاف الفقهاء في مسألة وضوء المستحاضة على هذه الآراء الأربعة إلى اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك؛ وذلك أن الوارد في ذلك من الأحاديث المشهور أربعة أحاديث: واحد منها متّفق على صحته، وثلاثة مختلف فيها.

أما المتفق على صحته: فحديث عائشة رضي الله عنها ، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة اسْتحاض فلا أطهر -يعني: يأتيها الدم بصفة دائمة- فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما ذلك عِرْق -يعني: نزيف- وليست بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فدَعِي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلِّي»، فأمَرها النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل والصلاة مع استمرار الدم، ولكن الذي أدبر هو دم الحيض. وفي بعض روايات هذا الحديث مع قوله: «اغسلي وتوضّئي لكلّ صلاة»، وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وخرّجها أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحّحها قوم من أهل الحديث. وهذا هو الحديث الوحيد المتفق على صحته.

أما الأحاديث الثلاثة الأخرى، فمحلّ خلاف واختلاف:

الحديث الثاني: حديث عائشة، عن أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف: أنها استحاضت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة -يعني: لا بد من الغسل لكل صلاة-. وهذا الحديث هكذا أسنده إسحاق عن الزهري، ورواه أبو داود. وأما سائر أصحاب الزهري فإنما روَوا عنه أنها استحيضت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: «إنما هو عِرق، وليست بالحيضة»، وتلك هي رواية السيدة عائشة السابقة الصحيحة، عن فاطمة بنت أبي حبيش، وليس عن أم حبيبة بنت جحش. وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة، على أنّ ذلك هو الذي فهمَت منه، لا أن ذلك منقول من لفظه صلى الله عليه وسلم؛ فهو أمَرها أن تغتسل وتصلِّي، هل مرة؟ أم لكل صلاة؟ هذا ما فهمتْه أم حبيبة بنت جحش، فكانت تغتسل لكلّ صلاة وتصلي. ومن هذا الطريق خرجه البخاري، ومسلم، وأصحاب (السنن).

الحديث الثالث: فحديث أسماء بنت عميس: أنها قالت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتغتسلْ للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وللمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر، وتتوضّأ فيما بين ذلك»، خرجه أبو داود، وصحّحه أبو محمد ابن حزم.

الحديث الرابع: فحديث حمنة بنت جحش الذي أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه هو وأحمد بن حنبل، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيّرها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد عندما ترى أنه قد انقطع دم الحيض، هذا خيار، وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات، على حديث أسماء بنت عميس، إلاّ أن هنالك ظاهره على الوجوب، وهنا على التخيير.

نتيجة لاختلاف ظواهر هذه الأحاديث، فقد ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب:

الأول: مذهب النسخ، أي أن الحديث المتأخر ينسخ الحديث المتقدم. وقال أصحاب هذا المذهب إن حديث أسماء بنت عميس ناسخ لحديث أم حبيبة، واستدل على ذلك بما روي عن عائشة: «أنّ سهلة بنت سهيل استحيضت، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالغسل عند كلّ صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل ثالثًا للصبح». رواه أبو داود والنسائي.

الثاني: مذهب الترجيح، يعني: الحديث القوي مقدّم في الحُكم على الحديث الأضعف. وإلى هذا ذهب: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحاب هؤلاء وهم جمهور الفقهاء.

الثالث: مذهب الجمْع بين الأحاديث كلّها، أي: نعمل بالأحاديث كلّها ما دامت صحيحة، ويكون بعض الأحيان على الوجوب، وفي بعض الأحيان على الاستحباب.

وقال أصحاب هذا المذهب: إن حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي روته السيدة عائشة محمول على التي تعرف أيام الحيض من أيام الاستحاضة، أما حديث أم حبيبة فمحمول على التي لا تعرف ذلك، فأُمرت بالطهر في كل وقت احتياطًا للصلاة، وأما حديث أسماء بنت عميس فمحمول على التي لا يتميز لها أيام الحيض من أيام الاستحاضة.

الرابع: مذهب البناء، أي: دفع التعارض بين الأحاديث والجمع بينها.

والفرْق بين الجمع والبناء: أن الباني ليس يرى أن هناك تعارضًا فيجمع بين الحديثيْن، وأما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضًا في الظاهر؛ وهذا فرْق بيِّن.

ويبين ابن قدامة – رحمه الله –  الكالم في هذه المسألة وجملته:

أنّ المستحاضة، ومن به سلس البول أو المذي، أو الجريح الذي لا يرقأ دمه -أي: لا يجف-، وأشباههم ممن يستمر منه الحدث ولا يمكنه حفظ طهارته، عليه الوضوء لكلّ صلاة بعد غسل محلّ الحدث وشدّه والتّحرّز من خروج الحدث بما يمكنه.

فالمستحاضة تغسل المحلّ، ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه ليرد الدم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: «أنعتُ لكِ الكرسف، فإنه يذهب الدم. فإن لم يرتدّ الدم بالقطن، استثفرتِ بخرقة مشقوقة الطرفيْن، تشدّها على جنبيها ووسطها وعلى الفرْج»، وهو المذكور في حديث أم سلمة: «لتستثْفرْ بثوب».

وقال لحمنة: «تلجّمي» لمّا قالت: إنه أكثر من ذلك -أي: الدم-، فإن فعلت ذلك ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد، فعليها إعادة الشد والطهارة، وإن كان لغلبة الخارج وقوّته وكونه لا يمكن شدّه أكثر من ذلك، لم تبطل الطهارة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، فتصلي ولو قطر الدم. قالت عائشة: “اعتكفتْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي”، رواه البخاري.

وفي حديث: «صلّي وإن قطر الدم على الحصير»، هذا في شأن المستحاضة، لرفْع الحرَج، وقد قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  } [الحج:78]. ومثل المستحاضة في ذلك: مَن به سلس البول، أو به المذي، أو من يخرج الدم من جروحه، أو يفور منه الدم، أو الريح، أو غير ذلك من الأحداث ممّا لا يمكنه قطْعه عن نفسه.

المسألة الخامسة: وطء المستحاضة:

يحكي ابن رشد اختلاف العلماء في جواز وطء المستحاضة على ثلاثة أقوال:

الأول: يجوز وطؤها. وعليه جمهور الأئمة، وهو مروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين.

الثاني: لا يجوز وطؤها. وهو مروي عن عائشة، وبه قال النخعي، والحكم، وأحمد إلا في الضرورة، يعني: أن يخاف من الوقوع في الزنا؛ فالضرورات تبيح المحظورات.

الثالث: لا يأتيها زوجها إلاّ أن يطول ذلك بها، وتخشى هي على نفسها الفتنة والوقوع في الفاحشة؛ لأن الرجل قد يقضي حاجته مع زوجته الأخرى أو زوجته الثالثة أو الرابعة، لكن هذه المرأة المستحاضة لا يأتيها زوجها إلاّ أن يطول ذلك بها؛ وبهذا القول قال أحمد بن حنبل في رواية أخرى.

سبب اختلاف العلماء أو الفقهاء في هذه الأقوال الثلاثة:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: “إن سبب اختلاف الفقهاء على هذه الأقوال الثلاثة:

اختلافهم في إباحة الصلاة للمرأة المستحاضة؛ هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة -أي: لأن الصلاة وجوبها قوي، فسمح لها أن تتوضّأ وأن تصلي على سبيل الرخصة؛ لأن الصلاة واجبة وهي عماد الدين؟ هل إباحة الصلاة هي رخصة لمكان تأكيد الصلاة؟ أم إنما أبيحت لها الصلاة لأنّ حُكم المستحاضة حُكم الطاهر؟

فمن رأى أن ذلك رخصة، لم يُجزْ لزوجها أن يطأها، وتكون الإباحة خاصة بالصلاة، ولا يجوز الوطء للمستحاضة.

ومن رأى أن ذلك -أي: إباحة الصلاة-، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، والطواف، وغير ذلك من العبادات والأحكام الشرعية؛ لأن حُكمها حُكم الطاهر، أباح لها ذلك. يعني كما أبيحت الصلاة لأنها طاهرة، يباح لها الجماع، ويباح لها دخول المسجد والمكث فيه، ويباح لها قراءة القرآن ومس المصحف، والطواف، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية. وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها -يعني: لا داعي لكثرة الحديث فيها-، ويكفي ما ذكرناه من أقوال الفقهاء.

ويبين ابن رشد أن التفريق بين طول دم الاستحاضة وقصره هو استحسان؛ لأن طول دم الاستحاضة وعدم السماح بالجماع مظنّة للوقوع في الحرج والمشقة، والله سبحانه وتعالى يقول: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 38]، ويقول: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. لذلك فهو يستحسن أن يسمح بالجماع إذا طال الوقت، ولا يسمح في قصر الوقت.

error: النص محمي !!