Top
Image Alt

ما تثبت به العدالة وتفاصيل ذلك

  /  ما تثبت به العدالة وتفاصيل ذلك

ما تثبت به العدالة وتفاصيل ذلك

مما تثبت به العدالة عند الجميع:

العدالة تثبت بعدة أمور:

أول هذه الأمور: الاستفاضة واشتهار العدالة بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، فمن شاع الثناء عليه بالثقة والأمانة استغني فيه بذلك عن النص على عدالته والتزكية من المعدلين.

رأي في إثبات العدالة قال به بعض أئمة الحديث:

أما الرأي الثاني في ثبوت العدالة، فيعبر عنه قول ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به؛ فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه، واستدل على ذلك بحديث رواه من طريق أبي جعفر العقيلي، من رواية معان بن رفاعة السُّلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال النبي صلى الله عليه  وسلم: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين” وهذا الحديث أورده العقيلي في (الضعفاء) في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: لا يعرف إلا به. ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة (الجرح والتعديل) وابن عدي في مقدمة (الكامل) وهو مرسل أو معضل ضعيف، وإبراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القطان: لا نعرفه ألبتة في شيء من العلم غير هذا.

وفي كتاب (العلل) للخلال: أن أحمد سئل عن هذا الحديث، فقيل له: كأنه كلام موضوع، فقال: لا، هو صحيح. فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد. قيل له: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: عن معان، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: ومعان لا بأس به، وثقه ابن المديني أيضًا.

قال ابن القطان: خفي على أحمد من أمره ما علمه غيره، ثم ذكر تضعيفه عن ابن معين، وأبي حاتم، والسعدي، وابن عدي، وابن حبان، وقد ورد هذا الحديث مسندًا مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة رضي الله  عنهم وكلها ضعيفة. قال ابن عدي: ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: حدثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال … فذكره. ونقل السخاوي أن ابن عبد البر نفسه قال: إن أسانيد هذا الحديث كلها مضطربة، غير مستقيمة. وقال الدارقطني: لا يصح مرفوعًا -يعني: مسندًا. وقال ابن حجر: أورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة، وحكم عليه غيره بالوضع، وإن قال العلائي في حديث أسامة منها: إنه حسن غريب؛ فإن أبا نعيم قال فيه بخصوصه: إنه لا يثبت. وقال ابن كثير: في صحته نظر قوي.

وعلى كل حال فلا يصح الاستدلال به إلا إذا كان خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم، وهو غير عدل وغير ثقة، ولا محمل له إلا على الأمر -أي أمر الثقات بحمل العلم- ويتأيد ذلك بأنه في بعض طرقه بلفظ “ليحمل” بلام الأمر، ولو حمل على الخبر فالمقصود الغالب من أهل العلم لا الكل.

الرأي الثالث في إثبات العدالة:

أما الرأي الثالث في إثبات العدالة فهو أن يزكيه عدلان، وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية وصف للراوي، يحتاج ثبوته له إلى عدلين، كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياسًا على الشاهد؛ حيث يحتاج في تعديله إلى عدلين عند الشافعية، والمالكية، وبعض الحنفية؛ بل إن أبا عبيد لا يقبل في تزكية الشاهد أقل من ثلاثة.

بمَ تتحقق التزكية أو التعديل للراوي؟

والرأي الرابع أنه تكفي تزكية واحد من العدول للراوي ليحكم بعدالته. قال الخطيب: وقال قوم من أهل العلم: يكفي في تعديل المحدث والشاهد تزكية الواحد، إذا كان المزكي بصفة من يجب قبول تزكيته.

عدالة الصحابة فوق قواعد تعديل الرواة:

أما الأمر الخامس في إثبات العدالة -وهو خاص لمخصوصين- فهو التنصيص على العدالة، كما ثبت للصحابة رضي الله  عنهم حيث عدلهم الله في كتابه، وعدلهم الرسول صلى الله عليه  وسلم فيما روي عنه، وعدلهم جمهور المسلمين تبعًا لذلك، ومن عدله الله ورسوله بصفة خاصة فهو في أعلى درجات التعديل.

هل يشترط في الراوي غير العدالة والضبط؟

قال ابن جماعة في (المنهل الروي): أجمع جماهير أئمة العلم بالحديث والفقه والأصول، على أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط. قال: ولا تشترط الذكورة، ولا الحرية، ولا العلم بفقه أو عربية، ولا البصر، ولا العدد، أو معرفة معنى الحديث وما يراد منه.

وقال ابن تيمية في (رفع الملام) في عذر من وجد له من الأئمة المتبعين قول جاء حديث صحيح بخلافه: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيهًا إذا خالف الحديث قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى، وبعض هذه الشروط شروط في الاستدلال بالحديث لا قبول روايته؛ فالحديث قد يكون مقبولًا ثابتًا، لكن يحتاج الاستدلال به عند المستدل إلى أمر زائد على شروط القبول، وبعض هذه شروط في قبول رواية الحديث، وما يتصل بالجرح والتعديل هو ما يشترط في قبول الرواية؛ ومن هنا كان من اللازم مناقشة بعض ما قيل: إنه شرط في قبول الحديث زيادة عن العدالة والضبط؛ لنعرف ما استند إليه من اشترط ذلك، وما قام عليه اشتراطه، ونعرف رأي جمهور المحدثين في عدم اشتراط ذلك؛ لأن الشرط لا بد أن يكون له داع، وأن يقوم عليه دليل، فإذا فقد الداعي إليه، ولم يكن عليه دليل معتبر؛ فإن اشتراطه حينئذ يكون تكلفًا، ويكون معوقًا في مجال قبول الأخبار، وهو ما يحرص أكثر العلماء على تلافيه؛ لأن أمر الاشتراط وأمر الجرح والتعديل يسير على أساس ميزان دقيق، لا يطلب ما لا يحتاج إليه.

فمما اشترط في قبول العدالة، ولم يتعمده الجمهور أن يكون الراوي ذكرًا، والجمهور على أنه تقبل رواية المرأة، خلافًا لمن اشترط الذكورة في الرواية.

ولا يشترط أن يكون الراوي بصيرًا؛ بل يقبل خبر الأعمى الضابط المميز لصوت من يحمل عنه، والدليل إجماع الصحابة على قبول حديث عائشة رضي الله  عنها من خلف ستر، وقد قبلوا خبر ابن أم مكتوم وعتبان بن مالك، وكانا من العميان أو ممن فقد البصر، ويمكن التأكد من صاحب الصوت بالنسبة للأعمى بسؤال بصير أو أكثر، وكان يدخل على عائشة رضي الله  عنها المحارم، ويمكن بواسطتهم التثبت من السماع منها.

ولا يشترط أن يحلف الراوي على أنه تحمل الحديث من غيره بوجه من وجوه التحمل المعتبرة، وقول علي رضي الله  عنه: “كنت إذا حدثني أحد بحدث استحلفته؛ فإذا حلف صدقته” محمول على التأكد، وإزالة ما يمنع من ترجيح الخبر في ظنه، أي إنه يستعمل عند الحاجة بقدرها لمن أحب أن يطمئن في وقت الشك أو التردد إلى رجحان الخبر، وليس ذلك أصلًا عامًّا في القبول، وعلي رضي الله  عنه يقول: وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، فلم يستحلفه، وقبل خبره من غير استحلاف. والدواء المستعمل في حالة خاصة لا يجوز استعماله في جميع الأحوال؛ ومن أجل ذلك لا يمكن استنباط شرط عام للرواية في جميع الأحوال، من تردد الإمام في قبول خبر من راو معين، في حالة من الأحوال لظروف خاصة؛ فالظروف الخاصة لها أحاكمها، والعموم هو الأصل في الأحكام.

هل يشترط كون الراوي أجنبيًّا، أو معرفته بما يرويه؟

لا يشترط كون الراوي أجنبيًّا -أي: ليس له مصلحة في الرواية أو لأحد من أقاربه الملتصقين به- فلو روى خبرًا ينفع نفسه أو ولده قبل؛ فإنه إنما يرجع نفعه إليه ثم بعد موته يصير شرعًا، وهو لا يختص بواحد دون واحد وأصل هذا التفريق بين الشهادة والرواية؛ لأن الشهادة يترتب على الإخلال بها تضييع حق معين، أما الرواية فيترتب على الإخلال بها تضييع أمر من أمور الدين يمس جميع المسلمين ما دام هذا الإخلال.

من أجل ذلك كان التحرز في الرواية أشد منه في الشهادة، وكان الاعتماد في الرواية على سلامة الدين، وعدم ظهور اختلال الضبط من غير دخول شيء آخر كالتجرد من حصول مصلحة بالشهادة على وجه الخصوص، على أن المستفيد بالرواية لا تقتصر استفادته على نفسه بل يستفيد معه من كان مثله، ويتحمل إثم اختلال الرواية فالفائدة الخاصة إذا وقعت مشوبة بأضعاف أضعاف أضعافها من المضار، أما الفائدة بالشهادة فمتعينة له دون غيره، وهو ما أدى إلى الاحتياط في قبول الشهادة، وعدم اعتبار ذلك في قبول الرواية وهو ما يقتضيه التمييز بين ما يختلف من الأمور.

ولا يشترط أن يقول سمعت ولا أخبرنا: خلافًا للظاهرية أو من ذهب منهم إلى أنه لا يقبل الحديث إلا إذا قال راويه: “سمعت أو أخبرنا” حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال ابن سُريج: “لأن ذلك يقتضي رد أكثر الأحاديث خوفًا من أن يكون قوله: فلان عن فلان مرسلًا والعرف عند المحدثين أن العنعنة محمولة على الاتصال من غير المدلسين”.

وقد اشترط بعضهم لقبول الرواية أن يعرف الراوي معنى ما ينقله: فلا يقبل حديث من لا يعرف معنى ما يؤديه كالأعجمي أو العامي، وحجته في ذلك أن الجهل بمعاني الألفاظ يمنع من ضبط الحديث على وجهه.

ورد ذلك بأن الجهل بمعنى الكلام لا يمنع من ضبط الكلام على وجهه، قال أبو الحسين البصري: “ولهذا يمكن للأعجمي أن يحفظ القرآن، وإن لم يعرف معناه، وقد قبلت الصحابة أخبار الأعراب، وإن لم يعرفوا كثيرًا من معاني الكلام مما يفتقر إلى الاستدلال هذا إذا روى باللفظ، أما إذا روى بالمعنى فلا بد من استيفاء شروط المعنى، وضبطه ضبطًا ليس فيه اختلال.

هل يشترط تعدد الرواة عن الشيخ الواحد؟

واشترط بعضهم تعدد الرواة، وعدم الاكتفاء براوٍ واحد، ورأى الجمهور أن ذلك شرط ليس له اعتبار، قال أبو الحسين البصري: “ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر، وإن رواه واحد”.

قال الزركشي: ولنا على وجوب العمل بخبر الواحد، والعمل به ثلاثة مسالك:

الأول: ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم من إنفاذ ولاته ورسله آحادًا إلى أطراف البلاد النائية؛ ليعلموا الناس الدين، وليوقفوهم على أحكام الشريعة، ومن طالع كتب السير ارتوى بذلك.

الثاني: ما علم بالتواتر من علم الصحابة، ورجوعهم إليه عندما يقع لهم من الحوادث.

والثالث: أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون، فكان العمل به واجبًا؛ لأن العدل إذا أخبر عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم بكذا حصل الظن أنه وجد الأمر -أي على ما أخبر به عن الرسول صلى الله عليه  وسلم فلو تركناه لصرنا إلى العذاب بمخالفة ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه  وسلم. وبهذا الدليل استدل ابن سريج، ومتابعوه على وجوب العمل بخبر الواحد عقلًا.

error: النص محمي !!