Top
Image Alt

ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته

  /  ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته

ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته

وإذا ما نظرنا إلى ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته، وجدنا شاعرنا مثلًا في خطاب مبكر منه لـ”هلدر” يستشهد بقوله تعالى في سورة “طه” على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25].

كما أشارت المؤلفة إلى عدد من الآيات التي اقتبسها في كتاباته وتعليقاته، ومنها قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيم} [البقرة: 115]. {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون} [البقرة: 164].

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد} [الرعد: 7]  {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُون} [العنكبوت: 48] وغير ذلك من الآيات التي تلقانا في رسائله الشخصية، ومقالاته وكتبه وأشعاره.

وفي شبابه نظم جوته قصيدة بعنوان “أنشودة محمد” مدحه عليه السلام فيها مديحًا حارًّا يدل على مدى الاحترام الذي كان يكنه للرسول الكريم، وقد كتبها في سنة ألفٍ وسبعمائة وثلاثٍ وسبعين، بعد أن قرأ كل ما تحت يده من دراساتٍ عنه صلى الله عليه  وسلم وفي هذه الأمدوحة، التي بدأها جوته على شكل حوارٍ بين علي وفاطمة رضي الله  عنهما نَجِدُه يُشبه عليه السلام بنهر يتدفق في هدوء، لا يلبس أن يستحل سيلًا هادرًا يكتسح ما أمامه؛ ليصب في نهاية المطاف في المحيط الذي يرمز عنده إلى الألوهية.

وفي “مسرحية محمد” نراه يظهر اهتمامًا خاصًا بعقيدة التوحيد الإسلامية، التي يؤكدها على لسان النبي العظيم في مناجاته لربه تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم، ارتفع أيها القلب العامر بالحب إلى خالقك؛ كن أنت مولاي، كن أنت يا من تحب الخلق أجمعين، يا من خلقتني، وخلقت الشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء.

وقد ظل جُوته حتى آخر حياته، يُؤمن بهذا كله، ومن ذلك ما كتبه حين كانت زوجة ابنه مريضة بمرضٍ خَطير لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول هنا أن ألوذ بالإسلام، ومنه أيضًا رده على صديقة التمست منه النصيحة، بشأن وباء الكوليرا المنتشر آنذاك في مشارق البلاد وغربها: “ليس بوسع امرئ أن يقدم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن؛ فليتخذ كل إنسان القرار الذي يناسبه، إننا جميعًا نحيا في الإسلام، مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا”.

ومنه كذلك وصفه لكتابٍ كان أحد أصدقائه أهداه إياه بأنه يحفز على التفكير في كل الآراء الدينية الرشيدة، وأن الإسلام لهو الرأي الذي سنقر به نحن جميعًا، إن عاجلًا أو آجلًا.

وفي “الدّيوان الشّرقي للمؤلف الغربي” نقرأ هذه الأبيات التالية التي تقترب جدًّا من القرآن الكريم: “لله المشرق، لله المغرب، والأرض شمالًا، والأرض جميعًا تسكن آمنة ما بين يديه، هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في البر والبحر، ولكي تنعموا برؤيتها، وتنظروا إلى السماء، من حماقة الإنسان في دنياه أن يتعصب كل منا لما يراه، وإذا كان الإٍسلام معناه أن لله التسليم؛ فعلى الإسلام نحيا ونموت نحن أجمعين، ويسوع كان طاهِرَ الشُّعور ولا يؤمن في أعماقه إلا بالإله الواحد الأحد، ومن جعل منه إلهًا فقد أساء إليه، وخالف إرادته المقدسة”.

وهكذا فإن الحق هو ما نادى به محمد فبفكرة الله الواحد الأحد ساد الدنيا بأسرها، أيتها الطفلة الرقيقة، هذه الأسماط من اللآلئ، وهبتها لك عن طيب نفس، بقدر ما استطعت كذبالة لمصباح الحب، لكنك تأتين الآن وقد علقت فيها علامة هي ما بين كل قريناتها من التمائم، أقبحها في نظري. وهذا الجنون الحديث المفرط، أتريدين أن تأتي به إلى شيراز؛ أم يجب علي أن أتغنى بالخشبة الجاسية المتقاطعة على الخشبة. والكلام هنا عن صليب كانت فتاته قد علقته على عقد أهداها إياه لتزين به جيدها. لم لا أصطنع من الأمثال ما أشاء، ما دام الله قد ضرب مثل البعوضة للرمز على الحياة.

والكلام في هذا يطول كثيرًا، فنكتفي بهذا القدر ولكن بعد أن نقول كلمة في ما كتبه في بعض أشعاره، تأثرًا بقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظ} [الحج: 15]

وهذا نصه: “النبي يقول: إذا اغتاظ أحد من أن الله قد شاء أن ينعم على محمد بالرعاية والهناء؛ فليثبت حبلًا غليظًا بأقوى عارضة في قاعة بيته، وليربط نفسه فيه، فسوف يحمله ويكفيه، ويشعر أن غيظه قد ذهب ولن يعود”.

ومعنى الأبيات هو: من يظن أنّ الله لن ينصر نبيه؛ فليذهب وليخنق نفسه بحبل، يتدلى من سقف بيته، باعتبار أنّ السبب في الآية معناه الحبل، وأنّ السماء هي السقف.

ولكن لي تفسيرًا آخر للآية يبدو أكثر وجاهة، سواء من ناحية منطق العقل، أو من ناحية اللغة وأساليب العرب والقرآن، ذلك أنه لا معنى لأن يقول الواحد منا لمن يُكذبه بأنه سوف ينتصر عليه، أن اذهب وانتحر لترى أيزول سبب سخطك أم لا؟. كما أننا نقرأ في سورة غافر قوله تعالى على لسان فرعون غيظًا من موسى واطمئنانه إلى نصر ربه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب} [غافر: 36، 37].

فـ”أسباب السموات” وهي مثل “سبب إلى السماء” بالضبط لا تعني الحبال، بل السُّبل التي توصل إلى السماء للاطلاع إلى إله موسى، وعلى هذا فمعنى آية “الحج” هو أن من كان يشُكّ في نصرة الله لرسوله؛ فليحاول إن كان يستطيع ولن يستطيع، أن يثبت صحة ما يقوله، من أن الله لا ينصر نبيه؛ حتى يرتاح ويزيل عن نفسه مشاعر الغيظ والحقد.

ثم هل كان الانتحار عن طريق حبل معلق في سقف البيت، من الأمور المعروفة عند العرب، وأيضًا فمد السبب إلى السماء، غير تعليق السبب في السقف؛ فهذا ينزل من فوق إلى تحت، وذاك يصعد من تحت لفوق، ثم كيف يمكن للمنتحر بعد أن يكون قد مات أن ينظر ليرى هل يذهبن كيده ما يغيظ، أي ما يكن؛ فأوجه من هذا التفسير القول بأن المقصود هو: “من كان يستطيع أن يتبين أنّ الله لن ينصر نبيه؛ فليثبت ذلك عن طريق الاطلاع على ما في السماء، وهذا أمر بطبيعة الحال مستحيل تمامًا”.

ويقول الله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين} [الأنعام: 35] فهذه الآية كما نرى تسير في نفس اتجاه آيتي “الحج” و”غافر”، وهو ما يعضد ما طرحته من تفسير الآية الكريمة؛ هذا التفسير الذي أحسب أنه أقوى من التفسير الذي يقول به المفسرون، وتأثر به مترجم الآية الذي قرأه جوته.

وكان من أثر قراءته له كتابة ما كتب؛ لقد ظهر جوته في أوائل القرن الثامن عشر الميلاد، وكان رجلًا نادرًا المثال لم ينحصر في نطاق، ولم يستأثر بأسلوب، ولم ينذر نفسه لمذهب، كان شاعرًا وعالمًا وفيلسوفًا، يناقض أيما مناقضة القول المأثور: “الشرق شرق والغرب غرب، وهيهات يلتقيان”. كان مغرمًا بسفر أيوب في صباه، ورأى فيه المثال العربي الأصيل من ناحية الشهامة المروءة والنجدة والفروسية.

وعندما كبر اتصل بالأديب “هلدر” فأذكى فيه الغرام بالشرق، وتأثرت له بعض ترجمات القرآن، فتأثر بالقرآن أبلغ تأثير، وحفظ منه ما تيسر، واقتبس آياتٍ كثيرة، وظهرت في شعره الأخير الذي أسماه “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” كقوله مثلًا: “قل لله المشرق ولله المغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وفي راحتيه الشمال والجنوب معًا، وهو الحق وما يشاء بعباده الحق سبحانه له الأسماء الحسنى، وتبارك اسمه الحق وتعالى علوًّا كبيرًا آمين”.

وقوله أيضًا: “وينازعني وسواس الغي وأنت المغيث، المعيذ من شر الوسواس الخناس، اللهم اهدني في الأعمال والنيات إلى الصراط المستقيم”. وقوله: “وللناس في ترديد أنفاسهم آيتان من الشهيق والزفير، هذا يُفعم الصدر، وهذا يفرج عنه. كذلك الحياة عجيبة التركيب؛ فاشكر ربك إذا بليت، واشكر ربك إذا عُفيت، ويعمد جوته إلى التضمين الصريح، ومن ذلك تضمين الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26].

فيقول في مقطوعة له بعنوان “التشبيه”: لم لا أصطنع من التشابيه ما أشاء، والله يجد لي في جمال عيني الحبيبة لمحة من جماله رائعة عجيبة؟! وتأثر جوته أيضًا بسيرة محمد صلى الله عليه  وسلم ولم يحفل بنزعة التعصب ضد نبينا الكريم، فقال في بعض أشعاره: “من حماقة الإنسان في دنياه، أن يتعصب كل منا لما يراه، وإذا كان الإسلام معناه التسليم لله؛ فإننا جميعًا نحيا ونموت مسلمين”.

وقد ألّفَ مَسْرَحِيّة عن محمد -عليه الصلاة والسلام- ونظم منها فاتحة الفصل الأول وعنوانه: “مناجاة محمد” وخَتم مناجاة محمد بقوله: “فارتفع أيها القلب العامر بالحب نحو الخالق، إنك وحدك مولاي يا رب، إنك المحيط بكل شيء، خالق الشمس والقمر والكواكب، خالق السماء والأرض وخالق نفسي”. وقوله في بعثة محمد صلى الله عليه  وسلم حينما يتأمل في الملكوت، جاءه المناخ على عجل، جاءه مباشرة بصوتٍ عالٍ، ومعه النور، اضطرب الذي كان يعمل تاجرًا؛ فهو لم يقرأ من قبل، وقراءة كلمة تعني الكثير بالنسبة له، لكن الملاك أشار إليه وأمره بقراءة ما هو مكتوب، ولم يبالِ، وأمره ثلاثًا اقرأ، فقرأ لدرجة أن الملك انحنى، واستطاع القراءة، واستمع الأمر وبدأ طريقه.

كما أعجب جوته بالمعلقات، وعاش مع عرب البادية بشمائلهم وعزهم، من البسالة والإقدام، والبُعد عن العار، والأخذ بالثأر، وطلب المجد والفخار، وفَطِنَ إلى ما في كل معلقة من مزايا وفضائل، وحمله ذلك على القول: دعوني كما أهوى على صهوة جوادي، واقبعوا أنتم في بيوت المدر، وخيام الوبر، إني لأنطلق جذلان في هذا الفضاء الشاسع، وليس فوق عمامتي إلا النجوم الزواهر، وما زينت السماء الدنيا بمصابيح، إلا هدى للناس، ومتعة للناظرين.

وتأثر جوته أيضًا بألف ليلة وليلة، وبشخصية المرأة الشرقية المتمثلة في شهر زاد، تأثر بلباقتها وذكائها، وفطنتها، جذبته فكرة الراوي العربي المربي، شَدّه العرب المغامرون أصحاب العمائم لا التيجان، ساكنوا الخيام لا القصور، حاملوا السيوف لا الحصون.

ولقد بهرته بغداد بثقافتها وعلمها وأدبها، ووصل ولعه بها في “ديوان الغرب والشرق” لدرجة قيامه بمساواتها بمدينة “فيم” الألمانية، كما أوضحت “ممزن” بل إنه كتب في وصيته قائلًا: بمجرد أن تأتي بالترياق من بغداد، ينتقل المريض من حال إلى حال، والسؤال الآن: هل أسلم جوته؟ تقول “كاترينا ممزن” أستاذة الأدب الاجتماعي: إنّ علاقة جوته بالإسلام ونبيه الكريم، ظاهرة مدعاة للدهشة في حياته؛ فَكُلّ الشَّواهِد تَدُلّ على أنه في أعماقه شديد الاهتمام بالإسلام، وأنه كان يحفظ عشرات من آيات القرآن الكريم.

وردًّا على سؤال يستفسر صاحبه عما أن كان جوته قد أسلم، قالت: إن إعجاب جوته بالإسلام لا يعني بالضرورة أنه اعتنقه، وترى أن جوته كان يكن تعاطفه للإسلام، ولكنها تنفي أن يكون قد تحول إليه. وأما أنا فلا أستبعد أن يكون قد أسلم فيما بينه وبين نفسه، أو فيما بينه وبين المقربين جدًّا من أصدقائه، ما دام قد وصل شغفه بالإسلام، واقتناعه بفضائله وقيمه وعقائده إلى الحد الذي نعرف.

ويقول الدكتور رفيق أمين في مقال له منشور له بصحيفة الفرات، في الثالث من شهر أكتوبر سنة ألفين وسبع، بعنوان “جوته أحب الشعر العربي وترجمه وهام في دنيا المعلقات”: لم يكن جوته في أدبه بالمواطن الألماني وحده، ولا بالأوربي وحده، بل كان العالمي. وبعبارة واحدة تعانق فيه الغرب والشرق.

ونحنُ هنا نقصر كلامنا على جوته الشرق، ونظرته إلى الشعر العربي الأصيل، ومن ذَلك اتّصاله بمكتبة جامعة جوتنجن لتوفيه بالمعلقات العربية في ترجمتها الإنجليزية، التي أصدرها في لندن المستشرق “وليم جونز” وفي ذلك الوقت نفسه، وما كاد الكتاب يرد على شاعرنا، وتحتويه يداه، حتى انكب يطالعه في روية وإمعان.

وهكذا عاش الشاعر الألماني في عصر الجاهلية العربي، بفضل ما تُرجم إلى اللغات الأوربية وقتئذ من المعلقات، تلك القصائد المطولات التي أحرزت السبق في المسابقات الأدبية، التي كانت تعقدها القبائل في أسواقها الموسمية؛ ففي هذه المعُلقات العربية عاش جوته مع العرب في البادية، من الرعاة المقاتلة، التي تربط أبناء القبيلة الواحدة، وتدله على ما انطبع عليه العربي من روح الإقدام والبسالة، والتحرر من العار، وطلب المجد والفخار.

ويقول: إنّه إذا كان شعراء العرب قد استهلوا قصائدهم بالغزل والنسيب؛ فليس هذا منهم بعجب، فإن ما يعرضون له من صفة الحرب في شعرهم، بفضائلها الصلبة القاسية، ومَناظِرِها الدامية، قد دعاهم أن يقدموا بين هذه الصورة القوية للعنجوية الجاهلية، ما يلطف حدتها، ويخفف شدتها، من وصف محاسن الحبيبة، وبَثّ دواعي الحب وشكوى الجفاء والبعد، وتَرديد الحنين، وتوكيد الحفاظ على الود.

ويزيد في قيمة المعلقات السبع عند الشاعر الألمان: أنّ لكل منها صفة غالبة تتميز بها، ويشوق القارئ تنوعها، وهو يرى فيها رأي مترجمها المستشرق الإنجليزي، وخُلاصته أنّ مُعلقة امرئ القيس رقيقة مَرِحة، مشوقة المعنى، رشيقة اللفظ، شتى الفنون، ذات رونق مستحب، وطلاوة مُستطابه.

ومعلقة طرفة تتسم بالجرأة والحيوية والتوثب، ويسري فيها الابتهاج والتطرب، ومعلقة زهير رصينة متزمتة، عفيفة مترفعة، حافلة بالتعاليم الخلقية الراجحة، والحكم الجليلة النافعة، ومعلقة لبيد لطيفة الوقع، بارعة الحكاية، أنيقة الديباجة؛ يشكو الشاعر فيها من جفاء حبيبته؛ ليَخْلُص في ذلك إلى تعداد مناقِبه، والإشهادة بقبيلته، ومعلقة عنترة مستكبرة متفاخرة، متحدية متوعدة، بليغة الدلالة، جزلة العبارة وهي مع ذلك حالمة بمحاسن الوصف والاستعارة، ومعلقة عمرو بن كلثوم التغلبي فيها قوة عارضة، وجلالة مهيبة، وفخامة رائعة، ومعلقة الحارث بن حلزة فيه غزير الحكمة، نافذ البصيرة، ظاهر السمت، وافر الكرامة.

وقد بلغ من حماسة جوته وهو يطالع الترجمة الإنجليزية لهذه المعلقات، في عام ألف وثمانية وثلاثة وسبعين أن أرسل إلى صديق له “كار فون كليبول” يُخبره بعزمه على أن يحاول بدوره ترجمة المعلقات، وقد أمكن العثور على هذه المحاولة أخيرًا؛ فأُضِيفَت إلى آثار جوته في طبعة “فيمار”.

هذا وإن القارئ لا يتمالك نفسه من الدهشة لما يبديه جوته من قبول سخي كريم للتشبع بالروح العربي، فقد اجتمع كتاب الغرب على رأي لا يخلو من شبهة العصبية ذميمة وهو أن الحضارة الحديثة مهدها ينال القديمة غير أن جوته أعلن عن عدوله عنها إلى حضارة الشرق العربي في حضارة العباسيين الزاهرة على ضفاف الفرات على أيام هارون الرشيد وصحبه.

وهذا ما قاله جوته في إحدى مقطعات “الديوان الشرقي”: دع الإغريق البسال يجبر الطينة ويضع التمثال، وليفتتن ما شاء الافتتان، بالدنيا التي أبدعتها يداه الصناعتان، أما نحن فمتعتنا لجة الفرات، نسبح فيها مسترسلين مع عنصر الماء، حتى إذا ارتوت ظلة النفس تفجرت أفاويق الشعر فياضة مترنمة، فليغترف الشاعر من هذا الفيض بكفه الطهور؛ فإنه لا يتكون في يديه متلألئًا كالبلور.

ويسترسل الشاعر الألماني في حماسته، حتى ينتهي الأمر به إلى النقمة على حياة المدينة، والتكبير والتهليل بما ينعم به الفارس البدوي من الحرية في الصحراء:

دعني كما أهوى على صهوة جوادي، واقبعوا أنتم في بيوت المدر وخيام الوبر، إني لأنطلق جزلان في هذا الفضاء الشاسع، ليس فوق عمامتي إلا النجوم الزواهر، وما زينت السماء الدنيا بمصابيح، إلا هدى للناس ومتعة للناظرين.

وقد بلغ هذا الشغف بالشرق العربي من جوته غاية بالغة؛ حتى كان يعالج محاكاة الكتابة العربية، وإقامة حروفها، ورسم كلماتها، وتوجيه سطورها من اليمين إلى اليسار، على خلاف الكتابة الأوربية، وقد جره هذا الشغف إلى التغني بالقلم العربي المتخذ من القصب، فنظم في مقطوعة بعنوان “القلم”: تخرج الأرض من القصب هذه الأعواد؛ للترفيه بها عن العباد، فاللهم اجعل أصدق المشاعر، وألطف الأفكار، تفيض من القلم الذي أخط به هذه الأشعار.

وترى المُستشرقة الألمانية أن المتنبي الذي يعده كثيرون أهم شاعر عربي، قد حظي باهتمام خاص من الشاعر الألماني جوته، الذي أعلن إعجابه به، مُتجاهلًا بذلك كون المتنبي شخصية نكرة في أوربا في تلك الفترة، وقالت “كتارينا ممزن” الأستاذة بجامعة استانفورت الأمريكية في كتابها (جوته وبعض شعراء العصر الإسلامي): “إن المتنبي كاد أن يكون نكرة بالنسبة للقارئ الأوربي في عصر جوته، ولكنهم انتبهوا إليه بعد أن تحدث عن جوته بإعجاب، وإكبار في “الديوان الغربي الشرقي”.

فبعد سنوات، نشرت ترجمة كاملة لديوان المتنبي، ووصفه الناشر الألماني في العنوان بأنه أعظم شاعر عربي، وأشارت إلى أن للمتنبي ظلالًا في بعض أعمال جوته، ومنها مشهد فكاهي في مسرحيته “مأساة فاوس” كما استوحى النبرة الغزلية في قصيدته “السماح بالدخول” التي كتبها يوم الرابع والعشرين من إبريل “نيسان” سنة ألف وثمانمائة وعشرين من غزليات المتنبي.

وكتب الدكتور عدنان رشيد في صحيفة الرياض السعودية، بتاريخ الحادي والعشرين من أكتوبر سنة ألفين واثنتين، مقالًا عنوانه: “الشاعر الألماني جوته وألف ليلة وليلة” نقتطف منه ما يلي: عكف جوته في “فيمار” على دراسة أدب الشرق؛ فاهتم بالأدبين العربي والفارسي، وكذلك بحياة النبي صلى الله عليه  وسلم وألَمّ بأصُول الدّين الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، وذلك بمساعدة المستشرقين الألمان.

كما نشر حوارًا شعريًّا بين علي وفاطمة، ونَشَر أيضًا مسرحية عن النبي محمد صلى الله عليه  وسلم إلا أنه لم يستطع إنجازها إلى النهاية؛ فظلت ناقصة، وذلك بسبب انشغاله بتأليف مسرحية “بوتس” ومسرحية قيصر.

وكان “جوته” يتذكر بعض قصص ألف ليلة وليلة، التي كانت جدته تقصه عليه قبل أن ينام، كما قرأ بعض القصص أثناء إقامته في “لايبز” للدراسة عام ألف وسبعمائة وخمسة وستين، وفي عام ألف وسبعمائة وأربعة ظهرت ترجمة ألف ليلة وليلة، في عدة أجزاء باللغة الفرنسية، وقام بترجمتها المستشرق الفرنسي “جالان”. ثم قام بعد سنوات عدد من المستشرقين الألمان بترجمتها إلى اللغة الألمانية.

لقد انعكس تأثير ألف ليلة وليلة على جوته، في رواية الأولى “ألان فرتر” فقد جاء في الرسالة المؤرخة في الثالث والعشرين من تموز في رواية “فيرتر” ما يلي: كانت جدتي تحدثنا عن الجبل الممغنط، وكيف تتفكك السفن التي يشتد دنوها منه، ويتطاير حديدها فيسقط ملاحوها في البحر بين الألواح المتداعية.

هذه الحِكاية الأسطورية تعود إلى ترجمة “جالا” وهي حكاية الثالثة من حكايات ألف ليلة وليلة بعنوان “ابن الملك” ويقول جوته في رسالة بعث بها إلى صديقته “فريدريكا بريو” في الخامس عشر من شهر أكتوبر، عام ألف وسبعمائة وسبعين: إنّ القلق الذي يَشْغَلُني يُعْزَى سَببَهُ إلى أني بعيدٌ عنك، ويجبُ أن أكون بقربك هنا في “استراسبورج” كما أريد أن أسطر على الورق أسطورة تعزيني في وحدتي، كم تشوقت لأن أصبح كالحصان المجنح؛ لأطير إلى قلبك، وأعزيك في وحدتك، ولكن لا أريد أن أعكر صفوك إذا كان بعدك عن أصدقائك يسليك.

فذكر الحصان المجنح يعود إلى قصة وردت في ترجمة “جالا” تحت عنوان: “الجواد الظريف” وكذلك حكاية الجواد الساحر الهندية، التي يطوف بها الحصان من مدينة أخرى بسرعة فائقة، كما كان جوته يقصّ على الأطفال في “فرانكفورت” أساطير وحكايات ألف ليلة وليلة، فمثلًا كان جوته يسرد مثل هذه الحكايات على أطفال عائلة “ديفير أورفيل” التي تتصل بقرابة العائلة صديقته “لليشولمان”.

وأخرج جوته فيما بعد أعمالًا أدبية عكست تأثير قصة ألف ليلة وليلة على الشاعر وإعجابه بها، ومن هذه الأعمال الأدبية مسرحية “مزاج العاشق” وتصور الغيرة في شخص جوته تجاه “أنيته سونا بويف” ابنة صاحب الفندق الذي كان ينزل فيه أثناء الدراسة في “لايبز” وقد اضطر والدها في النهاية إلى إعلان زواجها من أحد الأطباء في “لايبز”.

وانفصلت العلاقة بين الفتاة وجوته، وقد تأثر جوته بقصة أمينة في قصص ألف ليلة وليلة، وأطلق على بطلة مسرحيته المذكورة اسم أمينة، وأمينة في كتاب ألف ليلة وليلة أرملة صغيرة السن جميلة وثرية، وقد أحبت رجلًا كان يبدي إعجابه بها من خلال النظرات والإيماءات، وسرعان ما تزوجته أمينة؛ فاضطرت أن تعيش في ظروف التقاليد القاسية، وكان محرمًا عليها أن تكشف وجهها أمام شخص غريب، وأن تكلم أحدًا غير زوجها.

وبعد شهر من زواجهما احتاجت أن تخيط لها ثوبًا، فخرجت إلى السوق لشراء القماش، بعد أن سمح لها زوجها بذلك شرط أن ترافقها خادمة في جولتها، ودخلت أمينة مع الخادمة دكانًا يملكه شاب صغير السن وسيم الوجه، وكان الكلامُ يجري مع الخادمة لأنه كان محرمًا على أمينة أن تكلم أحدًا غريبًا، وقد اختارت أمينة قماشًا أعجبها، غير أن غلاء سعره أحدث بعض الصعوبة في شرائه؛ فقد فرض البائع الشاب هذا السعر الخيالي لكي يساوم مع أمينة، وقبل البائع فيما بعد تخفيض سعر القماش لقاء قبلة من وجنة أمينة.

وقبلت أمينة أن تمنح البائع قبلة لقاء تخفيض السعر، فتلفت بعباءتها وقدمت خدها للقبلة غير أن البائع الشاب بدلًا من أن يقبلها، ضغط بأسنانه على خدها فانبجس منه الدم، وقد حاولت أمينة عبثًا إخفاء أثر العضة لإبعاد الشك، وجعلت الغيرة تنهش في صدر الزوج، وأمر عبده بقطع رأسها، وقد حالت توسلات النسوة والجيران دون تنفيذ الأمر.

وأراد الزوج أن تبقى ذاكرة أمينة معلقة دائمًا بالجرم والخيانة؛ فأمر بضربها بالسوط حتى ترك آثارًا في جسدها، وقد تأثر جوته بقصة الأمير حبيب، والأميرة دُرّة، ونسج على غِرارها أحداث مسرحية “فاوست” الجزء الثاني والأمير حبيب صبي حاد الذكاء، تولى تعليمه معلم فقيه، وعندما بلغ حبيب السابعة كان يتقن الفقه واللغة، إتقانًا جيدًا، ودرس التاريخ وتعلم فن الشعر وأصوله.

وفي أحد الأيام اضطر المعلم إلى السفر؛ فودع تلميذه الصغير حبيب، فبكى حبيب على فراق معلمه، وجاء بعد يوم معلم آخر، لا يقل اطلاعًا ومعرفة عن المعلم الأول، وبعد فَترة قصيرة غادر هذا المعلم تلميذه حبيب مستأذنًا بالسفر لإنجاز مهمة عائلية، وقبل أن يودعه قال له: إنك ستجتاز يا حبيب مخاطر كثيرة، وتَمرُّ بك مصاعب جسيمة، ستهزك وسيكون الثمن تضحيتك، وصبرك عليها هو زواجك من الأميرة درة حاكمة إحدى المقاطعات في العراق.

ثم نشر بعد سنوات رواية تلمذت “وليم مايستر” في ثلاثة أجزاء، وهو تصور نضال الطبقة “البرجوازية” المثقفة في سبيل خلق مسرح وطني في ألمانيا، غير أن اليأس يستولى على وليم؛ فيترك ألمانيا، ويُهاجر إلى أمريكا، أثناء حرب الاستقلال؛ لانضمام إلى المحاربين الجنوبيين، ثم الحصول على العمل هناك.

ولعَلّ الجُزء الثاني من الرواية “تجوال وليم مايستر” يتفق كل الاتفاق مع محتوى قصة علي الجوهري من قصص ألف ليلة وليلة، وسيرة علي الجوهري مشابهة لسيرة “وليم مايستر” في بعض الجوانب؛ فهو أيضًا جوال ومكافح، وداعية الإصلاح ومغامرٌ يَجُوب الأصقاع دون خوف أو وجل؛ فهو يسعى لتحقيق مطامعه؛ فيخفق في كثير الأحيان، ويحالفه النجاح في بعضٍ منها؛ فيخرج في النهاية منتصرًا على الفشل والمصاعب.

وكتب جوته قصيدة تحت عنوان “دير شاتس بلابر” حفار الكنز؛ استوحاه من حكاية علي بابا والأربعين حرامي، وهي إحدى قصص ألف ليلة وليلة، ويقول فيها: أقضي أيامي الطويلة معدمًا متيمًا، أتَجَرّعُ الفَقر ضِيق أيامي، وأحلم في الثّراء بأيام آمالي، ولما أعياني الألم، ذهبت للبحث عن الكنز المفقود؛ ممنيًا نفسي بالرخاء، وحفرته حتى عفر ترابه دمائي، وتجولت في كل الأصقاع، حاملًا مشاعر السرور، وكيسًا مملوءًا بعظم الأشباح، عشبًا تفوح منه رائحة ذكية، وبأسلوب المعلم الفهيم، بحثت عن كنزي القديم.

وكان الليل حالك الظلام، فرأيت بصير السنور من بعيد، وإذا بنجمة تقترب من بين الظلمة الحالكة، فدقت الساعة معلنة، نهاية الليلة الزائلة، وفجأة قبل أن يحين الأوان، ملأ الضوء جو المكان؛ مُنبعثًا من بريق يومض بعمر الزمان، يحمل صبي له جمال حسان؛ فرأيت تلألؤ العيون الجميلة، من بين أكاليل الزهور الكبيرة، ويَعُبّ من شراب له نقاء السماء.

وتقدمت منه بخطى وئيدة، وأنا مبهور لهذا الثناء؛ فقدمه ملطفًا أن اشرب من الكوز بصفاء؛ فزال عني كل عناء، وبدد في نفسي شعور الجفاء، فارتوي يا صاحِ بماء الشجاعة؛ كي تدرك معنى القناعة، وتزود المعرفة، ولا تعد بروح خائفة، لهذا المكان بثروته الزائلة، ولا تحضر هنا بعد بروح بائسة، اعمل في النهار، واستعطف المساء، فمضت أسابيع الجفاء، وأتت أعياد الرّخاء.

وتأثر جوته بحكاية البِساط السحري من قصص ألف ليلة وليلة؛ فنسج على غرارها مسرحية “الابنة الطبيعية” عام ألف وثمانمائة واثنين، وافتتح بها مسرح “لاخشند” ونشر قصيدة شعرية في كتاب المعاني والحكايات، في الديوان الذي أصدره، وكتب بخط يده عنوانه “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي”.

علاء الدين والفانوس السحري: جميع البشر من كبير وصغير، يعملون على بناء المجتمع الكبير، ويعملون جاهدين لاحتلال المنصب الجديد، ويتطاولون على الآخرين، وعندما ترمقهم نظرات الحاسدين، يقيمون الدنيا ويقعدونها وكأنها نهاية العالمين.

وإلى جانب اهتمام جوته بقصص ألف ليلة وليلة، اهتم أيضًا كما رأينا بشعراء المعلقات؛ فاتصل جوته عام ألف وسبعمائة وثلاثة وثمانين، فاتصل جوته بمكتبة جماعة “جوتنج” لتوافيه بالمعلقات العربية في ترجمتها الإنجليزية، التي أصدر المستشرق الإنجليزي “ويلم جونز” وقتذاك.

وقد تأثر جوته بهذه الأشعار، وامتدح الشعراء الجاهلين، وأحدثت مطالعة هذه الأشعار في نفسه أثرًا عميقًا، انعكس على عدد من قصائده، التي دونها في كتابه “الديوان الشعري للمؤلف الغربي” وقرأ معلقة امرئ القيس “قفا نبك” بترجمتها الإنجليزية، وقام فيما بعد بترجمتها إلى الألمانية.

error: النص محمي !!