Top
Image Alt

ما تكلم فيه من أحاديث الصحيحين

  /  ما تكلم فيه من أحاديث الصحيحين

ما تكلم فيه من أحاديث الصحيحين

وقد استثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فيهما: ما تُكُلِّم فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرف يسيرة تكلّم عليها بعض أهل النقد من الحفّاظ، كالدارقطني وغيره…

قال شيخ الإسلام ابن حجر:

وعدَّة ذلك مائتان وعشرون حديثًا، اشتركا في اثنيْن وثلاثين، واختص البخاري بثمانين إلَّا اثنيْن، ومسلم بمائة وعشرة.

قال النَّوويُّ في (شرح البخاريِّ):

ما ضُعِّف من أحاديثهما مبنيٌّ على علل ليست بقادحة.

وقال شيخ الإسلام ابن حجر:

فكأنَّه مال بهذا إلى أنَّه ليس فيهما ضعيفٌ، وكلامه في (شرح مسلم) يقتضي تقريرَ قول من ضعَّف، فكان هذا بالنسبة إلى مقامهما، وأنه يدفع عن البخاريِّ ويقرِّر على مسلم.

يعني: هو دافع عن البخاريِّ، ولكنَّه أقرَّ أنَّ في (مسلم) أحاديثَ ضعيفة.

قال العراقيُّ:

وقد أفردتُّ كتابًا لما تُكُلِّم فيه في الصَّحيحيْن أو في أحدهما، مع الجواب عنه.

قال شيخُ الإسلام:

ولم يُبيَّض هذا الكتاب، وعدمت مسوَّدتُه.

وقد سرد -أي ابنُ حجر- ما في (البخاري) من الأحاديث المُتكلَّم فيها، في مقدمة شرحه (هدي السَّاري)، وأجاب عنها حديثًا حديثًا.

قال السُّيوطي:

ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفًا مخصوصًا، فيما ضُعِّف من أحاديثه بسبب ضعف رواته، وقد ألّف الشيخ وليُّ الدين العراقي كتابًا في الرد عليه، وذكر بعض الحفاظ أنّ في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه وِِجادة وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة. وقد ألَّف الرشيد العطار كتابًا في الرَّدِّ عليه، وفي الجواب عنها حديثًا حديثًا.

قال السيوطي: وقد وقفت عليه، وسيأتي نقدُ ما فيه ملخصًا مفرَّقًا في المواضع اللائقة به -إن شاء الله تعالى- أي في (تدريب الراوي)، ونُعجِّل هنا بجواب شامل لا يختصُّ بحديث دون حديث.

قال ابن حجر في (هدي السَّاري مقدمة شرح البخاري):

الجوابُ من حيث الإجمال، عمَّا انتُقد عليهما: أنَّه لا ريب في تقدُّم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومَن بعده مِن أئمَّة هذا الفن، في معرفة الصَّحيح والعلل، فإنهم لا يختلفون أنَّ ابن المدينيَّ كان أعلمَ أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيءٌ يقول: ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيي الذُّهلي أعلمَ أهل عصره بعلل حديث الزُّهريِّ، وقد استفاد منه ذلك الشَّيخان جميعًا.

وقال مسلم: عرضت كتابي على أبي زُرعة الرَّازي، فما أشار أنَّ له علَّةً تركتُه.

فإذا عُرف ذلك، وتقرَّر أنَّهما لا يُخرِّجان من الحديث إلا ما لا علَّة له، أو له علةٌ غير مؤثِّرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريبَ في تقديمهما في ذلك على غيرهما؛ فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.

أقسام الأحاديث التي انتُقدت على الشَّيخيْن:

وأمَّا من حيث التَّفصيل، فالأحاديث التي انتُقدت عليهما ستَّة أقسام:

القسم الأول: ما يختلف الرُّواةُ فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسناد:

فإن أخرجَ صاحبُ (الصَّحيح) الطريقَ المزيدة، وعلَّله الناقض بالطريق الناقصة، فهو تعليلٌ مردود؛ لأنّ الرَّاوي إن كان سمعه فالزِّيادةُ لا تضرُّ؛ لأنَّه قد يكون سمعَه بواسطةٍ عن شيخه، ثم لقيَه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعْه في الطَّريق الناقصة فهو منقطع، والمنقطعُ ضعيف، والضَّعيفُ لا يُعَلُّ به الصَّحيح.

ومن أمثلة ذلك: أي: الطريق الزائدة عند الصَّحيحيْن ولا تُعلُّ بالنَّاقصة: ما أخرجاه من طريق الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبريْن.

قال الدارقطني في انتقاده: قد خالف منصور، فقال عن مجاهد عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس، قال: وحديث الأعمش أصحُّ.

قال شيخ الإسلام: وهذا التَّحقيق ليس بعلَّة، فإنَّ مجاهدًا لم يوصف بالتَّدليس، وقد صحَّ سماعُه من ابن عباس، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش، والأعمش أيضًا من الحُفَّاظ؛ فالحديث كيفما دار، دار على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، وقد أكثر الشَّيخان من تخريج مثلِ هذا.

وإن أخرج صاحب الصَّحيح الطريقَ النَّاقصة وعلّله الناقد بالمزيدة تضمّن اعتراضُه دعوى انقطاع فيما صحَّحه أحد الشَّيخيْن.

قلنا: إن كان في أحد الطَّريقيْن زيادةٌ، وفي الأخرى نقص، وعلَّله النَّاقد بالمزيدة، وأتى صاحب الصَّحيح بالطَّريق النَّاقصة، تضمَّن اعتراض هذا الناقد دعوى انقطاع فيما صحَّحه صاحب الصَّحيح، فينظر إن كان الراوي صحابيًَّا، أو ثقةً غير مدلِّس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بيِّنًا، أو صرَّح بالسماع إن كان مدلِّسًا من طريق أخرى؛ فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وتبيَّن أنَّ طريق صاحب الصَّحيح متَّصلةٌ وليست ناقصة.

وإن لم يوجد وكان الانقطاع ظاهرًا، فمُحصَّل الجواب: أنَّه إنَّّما أخرج مثل ذلك، حيث له سائغٌ وعاضد، يعني: حيث للحديث ما يعضِّده ويقوِّيه، وحفَّته قرينةٌ في الجملة تقوِّيه، ويكون التَّصحيح وقع من حيث المجموع، من حيث الحديث وقرينته أو عاضدُه أو ما قوَّاه.

مثاله: ما رواه البخاري من حديث أبي مروان، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه عن أمِّ سلمة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها: ((إذا صليتِ الصُّبح،َّ فطُوفي على بعيرك، والنَّاس يُصلُّون)) الحديث.

قال الدَّارقطنيُّ: وهذا منقطع، وقد وصله حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب، عن أمِّ سلمة. ووصله مالك في (الموطأ) عن أبي الأسود، عن عروة كذلك.

يعني: رواية البخاري ليس فيها زينب بين عروة وأم سلمة؛ فرواية الدارقطني زائدة، ورواية البخاري ناقصة.

قال ابن حجر: حديثُ مالك عند البخاري مقرونٌ بحديث أبي مروان، يعني: أتى البخاريُّ بالرِّوايتيْن: برواية أبي مروان الناقصة، وراوية مالك الزائدة.

وقد وقع في رواية الأصيلي: عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصولًا. وعليها اعتمد المزي في (الأطراف) -يعني: في (تحفة الأشراف) وهو كتاب مطبوع متداول- ولكنَّ معظم الراويات على إسقاط زينب بين عروة وبين أم سلمة. يعني: معظم روايات البخاري على إسقاط زينب.

قال أبو عليٍّ الجياني: وهو الصحيح. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان، ومحاضر، وحسان بن إبراهيم، كلهم عن هشام، يعني: عن هشام عن أبيه عن زينب، وهو المحفوظ من حديثه.

وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام الَّتي أُسقِطت منها حاكيًا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أنَّ سماع عروة من أمِّ سلمة ليس بالمبعد.

قال: وربَّما علَّل بعضُ النُّقَّاد أحاديث ادُّعِي فيها الانقطاع لكونها مروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزمُ منه الانقطاع عند من يسوِّغ ذلك؛ بل في تخريج صاحب الصَّحيح لمثل ذلك دليلٌ على صحَّته عنده.

القسم الثَّاني: ما يختلف الرُّواةُ فيه لتغيير رجال بعض الإسناد:

والجواب عنه: أنَّه إن أمكن الجمعُ بأن يكون عند ذلك الرَّاوي على الوجهيْن جميعًا، فأخرجهما المصنِّفُ -مصنفُ (الصَّحيح)-  ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلِين في الحفظ والعدد، أو متفاوتين؛ فيخرج الطريقة الراجحة، ويُعرض عن المرجوحة أو يشير إليها.

فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطرابٌ يوجب الضَّعف.

القسم الثالث: ما تفرَّد فيه بعضُ الرواة، بزيادةٍ لم يذكرْها أكثرُ منه أو أضبطُ:

وهذا لا يؤثِّر التَّعليل به إلا إن كانت الزِّيادة منافيةً بحيث يتعذَّر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقلِّ، إلا إن وضح بالدليل القوي أنَّها مدرجةٌ من كلام بعض رواته، فهو مؤثِّر، وسيأتي مثاله في المدرج.

القسم الرابع: ما تفرَّد به بعض الرُّواة ممَّن ضُعِّف:

وليس في الصَّحيح من هذا القبيل غيرُ حديثيْن، تبيَّن أنَّ كلًّا منهما قد توبع.

أحدهما: حديثُ إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمرَ استعملَ مولىً له يُدعى هُنَيًّا… الحديث بطوله.

قال الدَّارقطني: إسماعيل ضعيف.

قال ابن حجر: ولم ينفرد به، بل تابعه معن بن عيسى، عن مالك.

وأيضًا نقول: إن تابعَ مالكًا في روايته الدراوردي عن زيد بن أسلم، أخرجه الدارقطني في (المؤتلف)، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أخرجه البزار في (مسنده)، ثم إسماعيل بن أبي أويس ضعَّفه النَّسائي وغيرُه. وقال أحمد وابن معين في رواية: لا بأس به، وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق، كان مغفلًا، وقد صحَّ أنه أخرج للبخاري أصوله، وأذن أن ينتقيَ منها، وهو مشعرٌ بأنَّ ما أخرجه البخاريُّ عنه من صحيح حديثه، لأنَّه كتب من أصوله ولأنَّه انتقى منها. وأخرج له مسلم أقلَّ مما أخرج له البخاري. فأولًا هذا الرَّاوي ليس متَّفقًا على تضعيفه، بل مثلًا: قال ابن معين: لا بأس به، وهو يقول هذه العبارة في الثِّقة عنده غالبًا. وأيضًا هذه الرواية لها مُتابعة تُقوِّيها، إن سلَّمنا أنَّ إسماعيل هذا ضعيف.

الثاني: حديث أُبَيِّ بن عبَّاس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه قال: ((كان للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فرسٌ يُقال له اللُّحَيف)).

قال الدَّارقطني: أُبيٌّ ضعيف.

وقال ابن حجر: تابعه عليه أخوه عبد المهيمن، فهذه المتابعة تقوِّيه.

القسم الخامس: ما حُكِم فيه على بعض الرُّواة بالوهم:

فمنه ما لا يؤثِّر قدحًا، ومنه ما يؤثِّر.

القسم السادس: ما اختُلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المدح:

فهذا أكثرُه لا يترتَّبُ عليه قدحٌ، لإمكان الجمع أو التَّرجيح.

انتهى ما ذكره ابنُ حجر في (هدي السَّاري مقدِّمة شرح البخاري).

خاتمة:

وهكذا يتبيَّن لنا:

أولًا: أنَّ أحاديث البخاري ومسلم في أعلى درجات الصّحة.

وثانيًا: أنَّهما تلقَّتهما الأمَّة بالقَبول.

وثالثًا: أنَّه يجب العمل بما فيهما باتِّفاق. وأنَّ من المحقِّقين من قالوا: إنَّها تفيد العلم القطعيَّ؛ لأنّ الأمَّة لا تجتمع على خطأ.

error: النص محمي !!