Top
Image Alt

ما جاء في أكل الأرنب

  /  ما جاء في أكل الأرنب

ما جاء في أكل الأرنب

يقول الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة عن هشام بن زيد بن أنس قال: سمعت أنسًا يقول: ((أنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فسعى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفها فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها بمروة، فبعث معي بفخذها أو بوَرِكها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكله، فقلت: أكله؟ قال: قبله)).

هذا الحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا هذه الرواية، التي تدل على أن الصحابة كانوا يعيشون في شظف من العيش، وأنهم كانوا يتبعون الأرنب في الصحراء من أجل أن يصطادوه، ثم يعدونه للطعام، ويُظهر الحديث تواضع النبي صلى الله عليه وسلم إذ قدم إليه وَرِك من هذه الأرنب، فقبلها صلى الله عليه وسلم بل وأكلها، وفي أكله صلى الله عليه وسلم دليل على أن لحم الأرنب حلال، وإن كان هناك بعض من يكرهه؛ لأنه قالوا: إنها تدمي أي: تحيض كما تحيض المرأة، وسيأتي ذلك في شرح الحديث إن شاء الله.

قال الحافظ في (فتح الباري): “هو دويبة معروفة تشبه العَنَاق، لكنْ في رجليها طول يخلان بها، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال للذكر أيضًا: الخزز وزن عمر بمعجمات، وللأنثى -يقال لها: عَكْرشة، وللصغير خرنق، هذا هو المشهور في لغة العرب، وقال الحافظ ابن حجر: لا يقال: أرنب إلا للأنثى، ويقال: إن الأرنب شديدة الجبن، كثيرة الشبق، وأنها تكون سنة ذكرًا وسنة أنثى، وأنها تحيض، ويقال: إنها تنام مفتوحة العين”. انتهى. ويقال للأرنب الفارسية: خرقوش. وهذه أشياء ترى في الأرنب إلَّا كونها سنة ذكرًا وسنة أنثى لم يعهد ذلك، وإنما قيل ذلك في الضبع، ولم يقل في الأرنب كما جاء، وكما قال الحافظ عندما تحدث عنها.

أما هشام بن زيد: فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري، ثقة من الخامسة.

ومعنى ((أنفجنا أرنبًا)): أنفجنا بالفاء المفتوحة أي: هيجناه وأثرناه حتى نصطاده، ويقال: إن الانتفاج الاقشعرار، فكأن المعنى: جعلناها يطلبنا؛ لأنها تنتفج، والانتفاج أيضًا: ارتفاع الشعر وانتفاشه.

((بمَرِّ الظهران)) “مر” بفتح الميم، وتشديد الراء: مر الظهران، والظهران: بفتح المعجمة، بلفظ تثنية الظهر: اسم موضع على مرحلة من مكة، وقد يسمى بإحدى الكلمتين تخفيفًا، فيقال: مر، ويقال: ظهران، وهو المكان الذي تسميه عوام المصريين بطن مرو، والصواب مرة بتشديد الراء، ((فذبحها بمروة)) المروة هي حجر أبيض يجعل منه شيء كالسكين، فيذبح به الشيء.

((فبعث معي بفخذها أو بوركها)) كلمة “أو” هنا شك من الراوي، والورك بالفتح والكسر “وَرك ووِرك- كـ” كَتف وكِتف”: ما فوق الفخذ، مؤنثة، كذا قال في (القاموس).

((فأكله. فقلت: أكله؟ قال: قبله؟)) قال الطيبي: “الضمير راجع إلى المبعوث، أو بمعنى اسم الإشارة أي: ذاك، وحاصلها أنه راجع إلى المذكور، وهذا الترديد أي: كلمة “أو” لهشام بن زيد سأل جده أنسًا على قوله: أكله- فكأنه توقف في الجزم به، وجزم بالقبول.

وقد أخرج الدارقطني من حديث عائشة: “أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنب وأنا نائمة، فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني”، وهذا لو صح لأشعر بأنه أكل منها لكن سنده ضعيف.

ووقع في (الهداية) للحنفية أي: لأصحاب المذهب الحنفي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من أرنب حين أهدي إليه مشويًّا، وأمر أصحابه بالأكل منه)) وكأنه تلقاه من حديثين، فأوله من حديث الباب، وقال: ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائي من طريق موسى بن طلحة، عن أبي هريرة: ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه، فأمسك وأمر أصحابه أن يأكلوا))، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا.

قوله: “وفي الباب عن جابر، وعمار، ومحمد بن صفوان، ويقال: محمد بن صيفي، أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في باب الذبح بالمروة، وأخرجه أيضًا ابن حبان والبيهقي، وأما حديث عمار فلينظر من أخرجه، وأما حديث محمد بن صفوان، فأخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عنه ((أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلهما))، كذا في (المنتقى) و(النيل)، وقال الحافظ في (تلخيص الحبير) بعد ذكر حديث محمد بن صفوان هذا، وفي رواية محمد بن صفوان قال الدارقطني: من قال: محمد بن صفي، فقد وهم.

قوله: هذا حديث حسن صحيح، أخرجه الجماعة كما في (المنتقى) أي: هذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو حديث حسن صحيح.

والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم لا يرون بأكل الأرنب بأسًا، كذا قال الترمذي، وقال النووي في (شرح مسلم): “أكل الأرنب حلال عند مالك، وأبي حنيفة، والشافعي وأحمد، وعند العلماء كافة إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى أنهما كرهاها -كرها أكل لحم الأرنب- ودليل الجمهور -على أن أكله حلال- هذا الحديث يعني حديث الباب مع أحاديث مثله ولم يثبت في النهي عنها شيء” انتهى.

يقول الترمذي: “وقد كره بعض أهل العلم كعبد الله بن عمرو من الصحابة، وعكرمة من التابعين، ومحمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء قال: ((قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قلت: فإني آكل ما لا تحرمه، ولم يا رسول الله؟ قال: نبئت أنها تدمي))، قال الحافظ: هذا الحديث سنده ضعيف، ولو صح لم يكن فيه دليل على الكراهة، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بلفظ: ((جيء بها -أي: بالأرنب- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكلها، ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض))، أخرجه أبو داود، وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في (مسنده).

يقول شارح الترمذي صاحب (تحفة الأحوذي) يقول: قلت: حديث عبد الله بن عمرو في سنده خالد بن الحويرث، قال الحافظ في (تهذيب التهذيب) في ترجمته: قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: لا أعرفه، وقال ابن عدي: إذا كان يحيى لا يعرفه، فلا يكون له شهرة، ولا يعرف، وذكره ابن حبان في (الثقات). انتهى.

وقال في سنده أيضًا محمد ابنه، وهو مستور، كما صرح به الحافظ في (التقريب) و(تهذيب التهذيب)، وأما حديث عمر، فقال الحافظ في باب الضب بعد ذكر سنده: حسن.

ومن هنا نخلص إلى أن لحم الأرنب حلال أكله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم على الأرجح قد أكل منه، أو أنه صرح بالأكل منه، ولم ينه عن أكله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!