Top
Image Alt

ما جاء في أكل الزيت

  /  ما جاء في أكل الزيت

ما جاء في أكل الزيت

قال الترمذي: “حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلوا الزيت، وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة))”. المقصود بهذا الزيت هنا في هذا الحديث: زيت الزيتون، فهو الذي خرج من شجرة مباركة، التي فيها قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِين} [المؤمنون: 20].

قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى- بعدما روى ذلك الحديث: “هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق عن معمر، وكان عبد الرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث، فربما ذكر فيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وربما رواه على الشك، فقال: أحسبه عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا”.

ثم قال الترمذي أيضًا: “حدثنا أبو داود، سليمان بن معبد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. ولم يذكر فيه عن عمر”، ثم قال: “حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد الزبيري، وأبو نعيم قالا: حدثنا سفيان عن عبد الله بن عيسى، عن رجل يقال له: عطاء، من أهل الشام، عن أبي أسيد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلوا من الزيت، وادهنوا به؛ فإنه شجرة مباركة))”. قال أبو عيسى: “هذا حديث غريب من هذا الوجه إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى”.

أقول: في قول الترمذي: “حدثنا يحيى بن موسى”. هو البلخي. والمراد بـ”عبد الرزاق” في الرواية: هو الحميري، مولاهم أبو بكر الصنعاني. عن معمر: هو ابن راشد الأزدي.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلوا الزيت))، أي: كلوه مع الخبز، واجعلوه إدامًا له، فلا يرد أن الزيت مائع، فلا يكون تناوله أكلًا،، وإنما المراد بالأكل الأكل مع الخبز.

((أو ادهنوا به)) أمر من الادهان بتشديد الدال، وهو استعمال الدهن، فنزل منزلة اللازم، فإنه- أي: الزيت- يُحَصَّل، أي: ينتج ويؤخذ {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ}   يعني:{ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35]، ثم وصفها بالبركة؛ لكثرة منافعها، وانتفاع أهل الشام بها. كذا قيل.

والأظهر لكونها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، قيل: بارك فيها سبعون نبيًّا منهم إبراهيم عليه السلام وغيرهم، ويلزم من بركة هذه الشجرة بركة ثمرتها، وهي الزيتونة، وبركة ما يخرج منها، وهو الزيت. جاء ذلك في (المرقاة).

ثم قال الترمذي: “هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق عن معمر، وأخرجه ابن ماجه. وكان عبد الرزاق – أي: الإمام الصنعاني- يضطرب في رواية هذا الحديث”، قال الإمام المنذري في (الترغيب والترهيب) بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه، قال: “ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو كما قال”.

قوله: “حدثنا أبو داود سليمان بن معبد”، وابن كوسجان المروزي ثقة، صاحب حديث، رحَّال، أديب من الطبقة الحادية عشرة. وقوله في الرواية الثانية: “أبو نعيم”، هو الفضل بن دكين، وهو من الأئمة الحفاظ.

وقوله: “حدثنا سفيان”، هو الثوري. عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة فيه تشيع، والتشيع وحده لا يسقط الراوي، إنما يسقط الراوي التشيع الذي يكون صاحبه مغال فيه، أو أن يكون داعية للمذهب، عن رجل يقال له: عطاء من أهل الشام. قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): “عطاء الشامي أنصاري سكن الساحل، مقبول من الرابعة”. وقال في (تهذيب التهذيب) في ترجمته: “روى عن أبي أسيد بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلوا الزيت؛ وادهنوا به))، وعنه روى عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ذكره ابن حبان في (الثقات). قال البخاري: “لم يقم حديثه”. وذكره العقيلي: في كتاب (الضعفاء).

وقوله: “عن أبي أسيد”، قال في (التقريب): “أبو أسيد بن ثابت الأنصاري المدني، صحابي قيل: اسمه عبد الله له حديث”. والصحيح فيه فتح الهمزة، فيقال: أَسَدِي، وهي أصح من أُسَدِي، لكن ورد الاثنان.

قوله: ((فإنه)). أي: فإن ما يخرج منه الزيت، ((شجرة مباركة))، أي: كثيرة المنافع. وقوله: “هذا حديث غريب …” إلى آخره. قال الشارح: “أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه الإمام الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد. وعلى ذلك فيستحب الأكل من الزيت والائتدام به، ويستحب ادهان الجسد به؛ حيث أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره هنا للاستحباب، وليس للوجوب والله أعلم”.

error: النص محمي !!