Top
Image Alt

ما جاء في أكل الضب

  /  ما جاء في أكل الضب

ما جاء في أكل الضب

الحديث: حدثنا قتيبة وهو ابن سعيد، حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن ((النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أكل الضب، فقال: لا آكله، ولا أحرِّمه)) أقول: أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك خالد بن الوليد: “اجتررت فأكلت -أي: الضب- والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلي”. أقول: فلو كان حرامًا ما تركه صلى الله عليه وسلم يأكل الضب، وإنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الضب، كما جاء في كثير من الروايات المحفوظة والمشهورة، بل والصحيحة أنه قال: ((إني لا آكله؛ لأنه ليس بأرض قومي، فأجد نفسي تعافه)).

والضب: هو دويبة تشبه الجرذون، أي: الفأر لكنه أكبر منه، ويكنى أبا حسل، ويقال للأنثى: ضبة، وللذكر: ضب ويقال: إن لأصل ذكر الضب فرعين؛ ولهذا يقال له: ذكران، وذكر ابن خالويه: أن الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة ولا يسقط له سن، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يرد الضب، أي: شبه المستحيل؛ لأن الضب لا يرد الماء؛ لأنه كما قلنا: لا يحتاج إلى الماء، يقول ذلك من أراد ألا يفعل الشيء؛ لأن الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم، وبرد الهواء، يفتح فمه فيدخل فيه الهواء، فيكفيه عن شرب الماء، ولا يخرج من جحره في الشتاء، ويقال له بالفارسية: سوسمار، وبالهندية: كوة.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا آكله ولا أحرمه)) في ذلك جواز أكل الضب، قال النووي: “أجمع المسلمون على أن أكل الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله”. انتهى.

لما لم يكن الضب حرامًا فما سبب عدم أكل رسول اللهصلى الله عليه وسلم منه؟

قلت: روى البخاري في (صحيحه) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن خالد بن الوليد رضي الله عنه ((أنه دخل مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ -أي: مشوي معد للطعام- فأهوى إليه صلى الله عليه وسلم بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله فرفع صلى الله عليه وسلم يده فقلت- أي: خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي؛ فأجدني أعافه -أي: لا أحبه- قال خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر)).

قال الحافظ ابن حجر: قوله: ((فأجدني أعافه)) أي: أكره أكله، ووقع في رواية سعيد بن جبير: ((فتركهن النبي صلى الله عليه وسلم كالمتقذر لهن))، ولو كان حرامًا لما أكلن على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ولما أمر بأكلهن، كذا أطلق الأمر، وكأنه تلقاه من الإذن المستفاد من التقرير، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم، فإنها فيها: فقال لهم: كلوا، فأكل الفضل وخالد والمرأة.

وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلوا واطعموا؛ فإنه حلال))، وفي رواية: ((لا بأس به، ولكنه ليس بطعامي))، وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم للأكل من الضب، وأنه بسبب أنه لم يعتد ذلك الطعام من قبل.

وقد ورد لذلك سبب آخر: أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر معنى حديث ابن عباس وفي آخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلا – يعني لخالد وابن عباس- فإنني يحضرني من الله حاضرة)). قال المازري: يعني الملائكة، وكأن للحم الضب ريحًا فترك أكله لأجل ريحه، كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالًا، قال الحافظ: “وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول؛ ويكون لتركه الأكل من الضب سببان:

السبب الأول: أنه لم يتعود على أكله، فليس في أرض قومه أي: ليس في مكة.

والسبب الثاني: أنه يناجي المَلك، ولحم الضب له رائحة، فلا يحب صلى الله عليه وسلم أن تخرج رائحة طعام الضب عندما يلتقي بالملك”.

قال الترمذي: “وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وابن عباس، وثابت بن وديعة وجابر، وعبد الرحمن بن حسن، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال المعلق: وأخرجه الشيخان، وقد اختلف أهل العلم في أكل الضب، فرخص فيه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول جمهور العلماء، وهو الراجح المعول عليه، وقد استدلوا على ذلك بأحاديث تدل على إباحة أكله، فمنها حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب، ومنها أحاديث ابن عباس وعمر وجابر، التي أشار إليها الترمذي وذكرنا ألفاظها.

ومنها حديث خالد بن الوليد، وقد تقدم لفظه، ومنها حديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم عنه قال: ((كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لحم ضب، فأمسكوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا واطعموا، فإنه حلال. أو قال: لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي))، كذا جاء في (نصب الراية).

هذا ملخص ما قاله الإمام الترمذي الذي أشار إليه في قوله: “وقد اختلف أهل العلم في أكل الضب، فرخص فيه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وكرهه بعضهم”.

ويروى عن ابن عباس أنه قال: ((أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم تقذرًا)).

فهذه أحاديث تدل على أنه حلال، وأنه مشروع أكله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تركه- كما قلنا سابقًا- لأنه ليس من طعام قومه فعافته نفسه أي: لم تقبل عليه، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يناجي الملك ولا يحب أن تنبعث منه رائحة لحم الضب عندما يناجي الملك.

error: النص محمي !!