Top
Image Alt

ما جاء في أكل لحوم الخيل، والحمر الأهلية

  /  ما جاء في أكل لحوم الخيل، والحمر الأهلية

ما جاء في أكل لحوم الخيل، والحمر الأهلية

ما جاء في أكل لحوم الخيل:

روى الترمذي بسنده فقال: حدثنا قتيبة ونصر بن علي قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: ((أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر))، قال الترمذي: “وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر قال أبو عيسى -أي: الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى غير واحد عن عمرو بن دينار، عن جابر، وروى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر رضي الله عنه ورواية ابن عيينة أصح، وسمعت محمدًا يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد.

الشرح: قوله: قال: حدثنا سفيان، المراد به سفيان بن عيينة، وقوله: ((أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل))، وفي رواية الإمام البخاري: ((رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحوم الخيل))، وفي رواية مسلم: ((أذن)) بدل ((رخص))، وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني: ((أمر)).

قال الطحاوي في (شرح الآثار): “وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه أي: أبو يوسف ومحمد وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر، لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترت أولى أن يقال بها من النظر، ولا سيما إذا كان أخبر جابر أنه صلى الله عليه وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر الأهلية، فدل ذلك على اختلاف حكمها”. انتهى كلام الإمام الطحاوي.

يقول الشارح: قلت: الأمر كما قال الطحاوي، ولا شك أن القول بحل أكل لحوم الخيل من دون كراهة هو الحق؛ لأحاديث الباب التي هي صحيحة صريحة في الحل، وهو قول جمهور أهل العلم، وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد، فأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم. ذكره الحافظ في (الفتح).

قال النووي: “اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل، فمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن سلمان، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وجماهير المحدثين، وغيرهم.

وكرهها طائفة منهم ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة؛ قال أبو حنيفة: “يأثم بأكله ولا يسمى حرامًا”. انتهى كلام النووي، وقال الحافظ: “وصحت كراهته عن الحكم بن عيينة، ومالك وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم، وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم”. انتهى.

وقال العيني في (شرح البخاري) في باب لحوم الخيل: قيل: الكراهة عند أبي حنيفة كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، وقال فخر الإسلام وأبو معين: “هذا هو الصحيح قال: وأخذ أبو حنيفة في ذلك بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] خرج مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم، ويمتن بأدناها.

قال: واحتج أيضًا بحديث أخرجه أبو داود عن خالد بن الوليد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير)) وأخرجه النسائي وابن ماجه والطحاوي، ولما رواه أبو داود سكت عنه، فسكوته دليل على الرضا به، ويعارض حديث جابر والترجيح للمحرم.

وقال العيني في غزوة خيبر مثل هذا، وقال: “سند حديث خالد جيد؛ ولهذا لما أخرجه أبو داود سكت عنه فهو حسن”. انتهى.

ومن هنا أميل إلى من قال بالحرمة، أو بالكراهة كراهة تحريم؛ لأسباب:

أولًا: لأن النفوس لا تقبل أكل الخيل.

ثانيًا: لأنها حرمت من أجل الحفاظ على الخيل للحرب، فلا تنتهي بأكل الناس لها، والله أعلم.

ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية:

روى الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك بن أنس عن الزهري، وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما عن علي رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء زمن خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية)).

حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، وعبد الله بن محمد يكنى أبا هاشم قال الزهري: “وكان أرضاهما الحسن بن محمد فذكر نحو ذلك الحديث، وقال غير سعيد بن عبد الرحمن عن ابن عيينة: وكان أرضاهما عبد الله بن محمد، قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن صحيح، وحدثنا أبو كريب حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة عن محمد بن عمر، عن محمد بن عمرو، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثمة والحمار الإنسي)).

قال: وفي الباب عن علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، وأنس، والعرباض بن سارية، وأبي ثعلبة، وابن عمر، وأبي سعيد، قال أبو عيسى -أي الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وروى عبد العزيز بن محمد وغيره، عن محمد بن عمر هذا الحديث، وإنما ذكروا حرفًا واحدًا ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع))، ولم يذكر في الحديث الحمر الإنسية أو الأهلية.

الحمر الأهلية: أي غير الوحشية، يقال لها: الحمر الإنسية والأنسية، أي: التي تعيش مع الناس، وليست التي تعيش في الصحراء وفي الغابات.

عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي هذا هو الذي يعرف بابن الحنفية، وابنه عبد الله يكنى بأبي هاشم، وهو ثقة، وثقه ابن سعد والنسائي والعجلي، وابنه الحسن يكنى بأبي محمد وهو ثقة فقيه، عن أبيهما أي: عن محمد بن علي المعروف بابن الحنفية الهاشمي أبي القاسم، وهو ثقة عالم من كبار التابعين، عن علي أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء)) -يعني: نهى عن نكاح المتعة، وهو النكاح المحدد والمؤقت بأجل. قال: وهو تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى ذلك الأجل وقعت الفرقة، نهى عن ذلك النكاح زمن خيبر، وقد أبيحت متعة النكاح مرارًا، ثم حرمت إلى يوم القيامة.

((ونهى صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية)) وهو الموضوع الذي نتحدث فيه، أي: هو الأصل الذي عليه مدار ذلك الحديث، ففيه دليل على حرمة لحوم الحمر الأهلية، ويؤخذ من التقييد بالأهلية جواز أكل لحوم الحمر الوحشية، وجاء في حديث أنس عند البخاري بيان علة الحرمة؛ وفيه: ((إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس)). قال النووي: “قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء، والمراد بالأهلية أي: الإنسية التي يقتنيها الناس في بيوتهم، قال بحرمتها أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم”.

ويقول النووي: “ولم نجد أحدًا من الصحابة خالف في ذلك إلا ما روي عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها: الكراهة، وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة أي: عام فقر ومجاعة، فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، يعني: عنده حمر أهلية سمينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سنة -يعني عام فقر- قال: “أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية” – يعني: الجلالة- وإسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد على الأحاديث الصحيحة التي تمنع أكل لحوم الحمر الأهلية.

أقول: “حتى ولو كان الإسناد صحيحًا، وتم ذلك بالفعل لغالب بن الحر الذي أصابته سنة الفقر، فأباحه صلى الله عليه وسلم أن يأكل وأهله من لحوم الحمر الأهلية، أقول: إن ذلك للضرورة فقط، والضرورة تبيح الحرام حتى الميتة، فليس في أكلها أو في حلها للغالب بن الحر الصحابي الجليل دليل على أنها حلال إلى كل الناس إلى يوم القيامة”.

وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني، عن أم نصر المحاربية أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية، فقال: ((أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر؟ قال: نعم قال: فأصب من لحومها)) وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرة قال: سألت فذكر نحوه، ففي السندين مقال، ولو ثبت احتُمل أن يكون قبل التحريم كذا في (الفتح) أقول: وقد يكون للضرورة، وحديث علي هذا أخرجه الشيخان، وأخرجه الترمذي أيضًا في باب نكاح المتعة من أبواب النكاح.

وقوله: قال الزهري: وكان أرضاهما الحسن بن محمد، وذكر البخاري في (التاريخ) بلفظ: وكان الحسن أوثقهما، وقال غير سعيد بن عبد الرحمن عن ابن عيينة: وكان أرضاهما عبد الله بن محمد كذا عند الترمذي، ولأحمد عن سفيان: وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وقوله: ((حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع)) قال في (شرح السنة): “أراد بكل ذي ناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم: كالذئب والأسد والكلب ونحوها”.

والمجثمة قال الجزري في (النهاية): هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنها تكثر في الطير والأرانب، وأشباه ذلك ما يجثم في الأرض أي: يلزمها ويلتصق بها، وجثم الطائر جثومًا هو بمنزلة البروك للإبل، والحمار الإنسي: بكسر الهمزة وسكون النون منسوب إلى الإنس، ويقال فيه: الأنسي بفتحتين، وقد صرح الجوهري أن الأَنَس بفتحتين ضد الوحشة، والمراد بالحمار الإنسي الحمار الأهلي أي: الذي يقتنيه الناس في بيوتهم.

error: النص محمي !!