Top
Image Alt

ما جاء في أن كل مسكر حرام

  /  ما جاء في أن كل مسكر حرام

ما جاء في أن كل مسكر حرام

يقول الترمذي: “حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا معنٌ، حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام))”.

قال أبو عيسى -أي: الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”. وقال -أي الترمذي: “حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، الكوفي، وأبو سعيد الأشج قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل مسكر حرام))”.

قال الترمذي: “وفي الباب عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأنس، وأبي سعيد، وأبي موسى، والأشج العصري، وديلم، وميمونة، وابن عباس، وقيس بن سعد، والنعمان بن بشير، ومعاوية، ووائل بن حجر، وقرة المزني، وعبد الله بن مغفل، وأم سلمة، وبريدة، وأبي هريرة، وعائشة”.

قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن، وقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وكلاهما صحيح، وروى غير واحد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وعن أبي سلمة عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

كل هذه الروايات تثبت أن كل مسكر حرام، ولم تدع مجالًا للشك، أو مجالا للاجتهاد في تحديد معنى الخمر، فكل ما يسكر فهو خمر، وكل ما يسكر فهو حرام، سواء اتخذ من الماء، أو من أي عصير كان، أو حتى ولو كان من اللبن، ما دام الشيء وصل إلى حد الإسكار، فإنه يصير خمرًا، وإن سمي بغير اسمه، فكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.

هنا سئل صلى الله عليه وسلم عن البِتْع، وورد البَتْع، والراجح البِتْع، بالكسر، وقد يحرك، يقال: البِتَع، وهو نبيذ العسل، كذا وقع تفسيره في رواية الشيخين، وقال في (القاموس): “البِتع بالكسر كعنب، نبيذ العسل المشتد، أو سلالة العنب، أو بالكسر الخمر”، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) وهو مذهب الشافعي، ومالك وأحمد، والجماهير من السلف والخلف، وتقدم ذلك وهو الحق.

قال الطيبي: “قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل شراب أسكر فهو حرام))، هذا جواب عن سؤالهم عن البتع، وهو يدل على تحريم كل مسكر، وعلى جواز القياس باطراد العلة، وهنا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أن تقيس على ذلك كل ما أسكر فهو خمر.

فإن قال أهل الكوفة: “إن قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل شراب أسكر))، يعني به الجزء الذي يحدث عقبه السكر، ((فهو حرام)). فالجواب أن الشراب اسم جنس، فيقتضي أن يرجع التحريم إلى الجنس كله، كما يقال: هذا الطعام مشبع، والماء مر، ويراد به الجنس، وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل فاللقمة تشبع العصفور، وما هو أكبر منها يشبع ما هو أكبر من العصفور، وكذلك جنس الماء يروي الحيوان على هذا الحد، فالصغير يرويه القليل، والكبير يرويه الأكبر، فجنس الماء فيه الري، فكذلك النبيذ من أول شربة أسكر أو لم يسكر؛ لأن من شأنها السكر ولا ننتظر ونقول: إن ما يحرم ما كان يتأتى عنه السكر –أي: في نهاية الشرب، الجزء الأخير من الشرب- هم يريدون أن يقولوا: إن المحرم الجزء الأخير من الشراب الذي ينتج عنه السكر، ويريدون أن يقولوا: إن أول الشراب ليس بحرام، وهذا خروج على النص، ولا يقبل ذلك.

ويقال لهم: أخبرونا عن الشربة التي يعقبها السكر، أهي التي أسكرت صاحبها دون ما تقدمها من الشراب أم أسكرت باجتماعها مع ما تقدم، وأخذت كل شربة بحظها من الإسكار؟ فإن قالوا: إنما أحدث له السكر الشربة الأخيرة التي وجد خبل العقل عقبها. قيل لهم: وهل هذه التي أحدثت له ذلك إلا كبعض ما تقدم من الشرب قبلها، في أنها لو انفردت دون ما قبلها كانت غير مسكرة وحدها، وأنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع عملها؛ فحدث عن جميعها السكر”. كذا في (نيل الأوطار)، وهو القول الصواب.

واعلم أن حديث عائشة رضي الله عنها هذا أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه الشيخان؛ البخاري ومسلم في (صحيحيهما)، وأخرجه أبو داود في (سننه)، والنسائي في (سننه)، وابن ماجه في (سننه)، لكن الترمذي لم يقل بعد روايته بأنه حسن أو صحيح وروى بعد هذا حديث ابن عمر، وقال بعد روايته: “هذا حديث حسن صحيح”. ثم قال: “وفي الباب عن عمر …” إلى آخره. ثم قال: “هذا حديث حسن”. فإن كانت الإشارة بقوله: “هذا حديث حسن” إلى حديث عائشة المذكور ففيه بُعد كما لا يخفى، وإن كانت الإشارة إلى حديث ابن عمر فهو غير صحيح؛ لأنه قد أشار إليه بقوله: “هذا حديث حسن صحيح”.

فالظاهر أن يكون قوله: “هذا حديث حسن صحيح”، بعد روايته حديث عائشة، وأن يكون قوله: “هذا حديث حسن”، بعد رواية حديث ابن عمر. وفي الرواية الثانية قوله: “حدثنا عبيد بن أسباط”. هو عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، الكوفي، روى عن أبيه، وعن عبد الله بن إدريس، وروى عنه مطين، وقال: “مات سنة خمسين ومائتين”. كذا جاء في (الخلاصة).

وقوله: “هذا حديث حسن صحيح” هو حديث ابن عمر، أخرجه الترمذي مطولًا، في الباب المتقدم. وفي قوله: “وفي الباب عن عمر، وعلي …” إلى آخره حديث عمر بلفظ: ((كل مسكر حرام)) عند أبي يعلى وفيه الإفريقي.

وحديث علي بلفظ: ((اجتنبوا ما أسكر)) وهو عند أحمد، وهو حسن. وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه، من طريق لين بلفظ عمر -أي: بلفظ حديث عمر- وأخرجه أحمد من وجه آخر لين أيضًا، بلفظ الإمام علي.

وحديث أبي سعيد: أخرجه البزار بسند صحيح، بلفظ حديث عمر. وحديث الأشج العصري: أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيد، وصححه ابن حبان. وحديث ديلم: أخرجه أبو داود، بسند حسن، فيه قال: ((هل يسكر؟ قال نعم قال: فاجتنبوه)). وحديث ميمونة أخرجه أحمد بسند حسن بلفظ: ((وكل شراب أسكر فهو حرام)).

وحديث ابن عباس: أخرجه أبو داود من طريق جيد، بلفظ حديث عمر، والبزار أخرجه من طريق لين بلفظ: ((واجتنبوا كل مسكر)). وحديث قيس بن سعد: أخرجه أحمد بلفظ حديث عمر. وحديث النعمان بن بشير: أخرجه أبو داود بسند حسن بلفظ: ((وإني أنهاكم عن كل مسكر)).

وحديث معاوية: أخرجه ابن ماجه بسند حسن، بلفظ حديث عمر. وحديث عبد الله بن مغفل: أخرجه أحمد بلفظ: ((اجتنبوا المسكر)). وحديث أم سلمة: أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ: ((نهى عن كل مسكر، ومفتر)).

وحديث بريدة: أخرجه مسلم في أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ حديث عمر. وحديث أبي هريرة: أخرجه النسائي بسند حسن. وحديث وائل بن حجر: أخرجه ابن أبي عاصم. وحديث قرة المزني: أخرجه البزار، بلفظ حديث عمر، بسند لين. كذا في (فتح الباري).

يقول الشارح: “وأما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وأما حديث عائشة: فأخرجه الترمذي، في الباب الذي سيأتي بعد ذلك، وفي الباب أحاديث أخرى عن غير هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ذكرهم الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في باب الخمر من العسل، وهو البِتع، وقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، أخرجه أحمد والنسائي، والله أعلم”.

error: النص محمي !!