Top
Image Alt

ما جاء في اتخاذ سيف من الخشب في الفتنة، وأشراط الساعة

  /  ما جاء في اتخاذ سيف من الخشب في الفتنة، وأشراط الساعة

ما جاء في اتخاذ سيف من الخشب في الفتنة، وأشراط الساعة

ما جاء في اتخاذ سيف من الخشب في الفتنة:

روى الترمذي هذا الحديث، قال: حدثنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الله بن عبيد، عن عديسة بنت أهبان بن صيفي الغفاري، قالت: جاء علي بن أبي طالب إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أبي: “إن خليلي وابن عمك عهد إليّ إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفًا من خشب، فقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك. قالت: فتركه”. يعني: سيدنا علي ترك أباها، لما قال له ذلك. ماذا يفعل بسيف من الخشب؟

قال أبو عيسى: وفي الباب عن محمد بن مسلمة، وهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد.

ثم قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا سهل بن حماد، حدثنا همام، أخبرنا محمد بن جحادة عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل بن شرحبيل، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الفتنة: ((كسروا فيها قسيكم، وقطعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، وعبد الرحمن بن ثروان هو أبو قيس الأودي.

هذا الحديث يدعو المسلم إلى أن يهرب من الفتن، وألا يشارك فيها خاصة عندما تكون الفتنة عامة، كالتي حدثت بين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهمافيلجأ المسلم إلى بيته فيغلق بابه عليه، ويلجأ إلى سيفه فيكسره، ويلجأ إلى كل ألوان السلاح، فيتخلص منها حتى لا يشارك في الفتنة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عهد إلى أهبان بن صيفي الغفاري عهدًا، هو أنه إذا اختلف الناس ووقعت الفتنة، فخذ سيفًا من خشب؛ أي: لا تفعل شيئًا، فمعنى “خذ سيفًا من خشب” هذه كناية عن عدم المشاركة في هذه الفتنة.

وعبد الله بن عبيد هو الحميري البصري المؤذن، ثقة من السابعة، وعديسة -بضم العين، وفتح الدال المهملتين مصغرًا: بنت أهبان -أهبان بضم الهمزة وسكون الهاء- ابن صيفي -بفتح الصاد المهملة تحتانية ساكنة وفاء- الغفاري مكسورة وخفة فاء. قال في (التقريب): هي مقبولة من السادسة. “إلى أبي” أبوها أهبان، وهو صحابي جليل يكنى بأبي مسلم، مات بالبصرة.

وقد جاءه علي بن أبي طالب، فدعاه إلى أن يخرج معه للقتال؛ أي: لمحاربة الجيش الآخر الذي يتزعمه سيدنا معاوية بن أبي سفيان، فماذا قال أهبان؟ قال لسيدنا علي بن أبي طالب: إن خليلي وابن عمك – يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ؛ أي: أوصاني، فالعهد هنا هو الوصية، قال في (القاموس): “عهد إليه: أوصاه”. أوصاني أن أتخذ -مفعول لقوله عهد- سيفًا من خشب؛ المراد باتخاذ السيف من الخشب: الامتناع عن القتال؛ لأن السيف من الخشب ماذا يجدي لصاحبه.

وقوله: “وفي الباب عن محمد بن مسلمة”- أخرجه أحمد في مسنده .

وقوله: “هذا حديث غريب”- أخرجه أحمد في مسنده.

وعبد الله بن عبد الرحمن هو الإمام الدارمي.

أما سهل بن حماد فهو أبو عتاب الدلال البصري، صدوق من التاسعة.

وقوله: “أخبرنا همام” هو همام بن يحيى بن دينار العوذي، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري ثقة، ربما وهم، من السابعة، وعبد الرحمن بن ثروان كنيته: أبو قيس الأودي الكوفي، صدوق ربما خالف من الطبقة السادسة.

وقوله: “في الفتنة” أي: في أيامها وفي زمنها، وهو ظرف لقوله: “كسروا فيها قسيكم” جمع قوس، والقوس: آلة من آلات الحرب، وهذا مبالغة في عدم المشاركة في القتال.

“وقطعوا” أمر من التقطيع، “فيها أوتاركم” الأوتار: جمع وتر بفتحتين، وهي أيضًا آلة من آلات الحرب، وفيها زيادة من المبالغة، والوتر هو السير الذي يشد به الرمح؛ إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي، أو المراد أنه لا ينتفع بها الغير، ولا يستعملها في دون الخير.

“والزموا فيها أجواف بيوتكم” أي: كونوا ملازميها؛ لئلا تقعوا في الفتنة والمحاربين فيها.

“وكونوا كابن آدم” وهو هابيل حين استسلم للقتل، وقال لأخيه قابيل: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِين * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي } [المائدة: 28، 29].

فالحديث يدعو المسلمين إلى ألا يشاركوا في الفتنة، وأن يبتعدوا عنها عندما تقوم الفتنة العامة التي لا يظهر فيها الخير من الشر، ولا يعرف فيها الصالح من الطالح، ولا المطيع من المسيء، فعلينا فيها أن نكسر القسي؛ أي: آلات السلاح، وأن نقطع الأوتار، وأن نلزم البيوت، ونكون كابن آدم العبد الصالح، الذي قال لأخيه: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِين}.

ما جاء في أشراط الساعة:

قال الترمذي: حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا شعبة عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم أحد بعدي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، وتشرب الخمر، ويكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي موسى وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح.

ثم قال: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي قال: دخلنا على أنس بن مالك قال: فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج. فقال: “ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم”. سمعت هذا من نبيكم صلى الله عليه وسلم.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

ثم قال: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا خالد بن الحارث عن حميد عن أنس نحوه، ولم يرفعه، وهذا أصح من الحديث الأول.

والمراد بالأشراط: هي العلامات والأمارات.

وقد بيّن صلى الله عليه وسلم هنا بعض علامات الساعة الصغرى، ولقد سبق بيان علامات الساعة الكبرى، وهي الآيات العشر التي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات)).

أما العلامات الصغرى فكثيرة، ظهر منها الكثير، وما زال الكثير لم يظهر بعد، وجاء ذكر بعض العلامات التي ظهرت في القرآن الكريم، والعلامات الكبرى التي جاءت في القرآن الكريم ما زالت لم تقع بعد.

فمن العلامات الصغرى التي جاءت في القرآن الكريم: انشقاق القمر، فقد طلب كفار العرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، وهي أن يروا القمر شقين؛ فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه فانشق القمر، وصار جبل حراء بين فلقتي القمر، وجاء الناس من كل مكان يحدثون عن انشقاق القمر.

وجاء ذكر ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِر * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِر} [القمر: 1 – 3]، فانشق القمر وثبت ذلك بالقرآن الكريم، آية وعلامة من العلامات الصغرى، وشرط من أشراط الساعة، وأمارة من أمارتها.

وجاء في حديث جبريل- الذي يعرف بأم السنة- والذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب، وأيضًا رواه سيدنا أبو هريرة فقال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر سفر، فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)). قال: صدقت. قال: يا محمد فما الإيمان؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره)). قال: صدقت. قال: يا محمد فما الإحسان؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). قال: صدقت. قال: فمتى الساعة؟ قال لهصلى الله عليه وسلم: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات))، وفي رواية: ((لها أمارات))، وفي ثالثة: ((لها أشراط))، قال: فما أشراطها؟ أو فما أماراتها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((أن تلد الأمة ربها)). وفي رواية: ((ربتها))، ((وأن يتطاول الحفاة البهم في البنيان))، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((وذلك في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير})) [لقمان: 34].

ففي الحديث الذي معنى علامات أخر من علامات الساعة، وهي: أن العلم يضيع ويرفع، والجهل ينتشر، والزنا يكثر، والخمر تشرب بكثرة، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون للقيم الواحد خمسين امرأة؛ أي: يتولى الرجل أمر خمسين امرأة، سواء كن زوجاته أو غير ذلك.

ولكن كيف يكون للرجل خمسين زوجة؟

أقول: سيكون ذلك في آخر الزمان عند الفتن، وعند انقلاب الأحوال، وعندما لا يكون هناك أحد يعمل بالدين، أو يتولى أمر خمسين امرأة من عماته، وخالاته، ومملوكاته.

فأول علامة من هذه العلامات أن يرفع العلم، ولكن كيف يرفع العلم؟

يرفع العلم بأن يموت العلماء، ولا يخلفهم من هم على درجتهم في العلم، وهذا ملاحظ وظاهر، ففي الحديث الذي رواه البخاري -رحمه الله تعالى- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا مات العلماء تولى أمور الناس رؤساء جهالًا، يُسألون فيفتون من غير علم؛ فيضلون ويضلون)).

وما دام قد رُفع العلم فسيظهر إذًا الجهل، وهو العلامة الثانية في هذا الحديث.

((وأن يفشو الزنا)) أي: يكثر، فالزنا كان موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي صدر عهود الخلفاء، لكن المراد أنه يكثر بكثرة شنيعة، والخمر كانت تشرب، فالمراد: يكثر شربها، وتشرب، وتسمى بغير اسمها.

((ويكثر النساء ويقل الرجال)) والسبب في كثرة النساء في آخر الزمان الحروب التي يموت فيها الرجال، وتبقى النساء، أو كما هو ملاحظ من الآن أن النساء يلدن البنات أكثر من الرجال؛ فتكثر النساء، ويقل الرجال إما بسبب عدم الإنجاب للرجال، أو بالحروب التي تحصل؛ فتحصد الرجال دون النساء.

والحديث -كما ترى- فيه علامات من علامات الساعة، أخبر عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو من أعلام النبوة، وفيه أيضًا بيان لمعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثيرة، والتي منها أنه صلى الله عليه وسلم يخبر بأمور لم تقع وستقع، ووقعت بعده كما أخبر عنها صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!