Top
Image Alt

ما جاء في الإحسان والعفو، وما جاء في زيارة الإخوان

  /  ما جاء في الإحسان والعفو، وما جاء في زيارة الإخوان

ما جاء في الإحسان والعفو، وما جاء في زيارة الإخوان

ما جاء في الإحسان والعفو:

الإحسان والعفو لون ونوع من أنواع حسن الخلق، فحسن الخلق له مجالات: الإحسان إلى الناس وعدم الإساءة إليهم، والعفو عنهم، ومغفرة زلاتهم، هذا كله من حسن الخلق، وهذا العنصر خاص بالإحسان والعفو.

قال الترمذي: حدثنا بندار وأحمد بن منيع، ومحمود بن غيلان قالوا: حدثنا أبو أحمد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، الرجل أَمُرُّ به فلا يقريني، ولا يضيفني، فيمر بي، أفأجزيه؟ قال: ((لا، اقره)). قال: ورآني رث الثياب، فقال: ((هل لك من مال؟)) قال: قلت: من كل المال قد أعطاني الله؛ من الإبل، والغنم. قال: ((فلير عليك)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن عائشة وجابر، وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح. وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الجشمي.

ومعنى قوله: ((اقره)) يعني: أضفه، والقرى هو الضيافة.

وحدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

أقول: الإحسان ضد الإساءة، والإحسان أن يصل خيرك إلى الناس، وأن تحسن إليهم بالعطاء وبالكلام، وأن تتجاوز عن سيئاتهم، فتعفو عن مذنبهم، وتترك مخطئهم، وتتقدم إليهم بالمعروف والحسنى، قال تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم} [فصلت: 34].

وقوله: “أمر به فلا يقريني” أي: لا يعطيني من القرى؛ أي: لا يضيفني ولا يطعمني من طعامه، أفأجزيه؟ يعني: أفأعامله بالمثل إن مر عليَّ؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((لا)) بمعنى: لا تعامل السيئ بالسيئ، وإنما عامل السيئ بالحسن، قال صلى الله عليه وسلم ((لا، اقره)) كن أنت كريمًا، ولا تكن مثله، أطعمه وأضفه.

ثم قال الراوي -وهو والد أبي الأحوص- قال: “ورآني النبي صلى الله عليه وسلم رث الثياب؛ يعني: يلبث ثيابًا رثة، فقال له صلى الله عليه وسلم سأله: ((هل لك من مال؟)) قال: قلت: “نعم، من كل المال؛ قد أعطاني الله من الإبل والغنم”. قال له صلى الله عليه وسلم: ((فلير عليك)) أي: فلتظهر نعمة الله عليك، ولقد جاء في رواية من الروايات ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، واللبس الحسن من باب التحدث بنعمة الله؛ قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث} [الضحى: 11] إنما المذموم في اللباس أن يلبس الإنسان ثوب شهرة ليفاخر به الناس، ويتعالى عليهم قال صلى الله عليه وسلم: ((كُلْ ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان -أي: خصلتان: سرف ومخيلة)).

ما جاء في زيارة الإخوان:

يدعو الإسلام إلى الحب والود، وإلى المعاشرة بالحسنى، وإلى أن يتزاور الناس لتدوم بينهم الصلة؛ وليعم بينهم الحب والود، وقد دعا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا إلى زيارة الإخوان، وإلى عيادة المرضى، وبيّن صلى الله عليه وسلم أن المسلم عندما يفعل ذلك لله سبحانه وتعالى فإن ملكًا يقول له: ((طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا)).

هذا ما رواه الترمذي بسنده قال: حدثنا محمد بن بشار، والحسين بن أبي كبشة البصري، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي، حدثنا أبو سنان الشامي، عن عثمان بن أبي سودة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وأبو سنان اسمه عيسى بن سنان.

وقد روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا.

وعيادة المريض حق للمسلم على أخيه المسلم؛ قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره: ((حق المسلم على المسلم خمس: أن يعوده إذا مرض، وأن يشيعه إذا مات، ويشمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويسلم عليه إذا لقيه))، وعيادة المريض هي زيارته، وإنما سميت عيادة بسبب أمرين:

الأمر الأول: أن يعود من عند المريض سريعًا، ولا يمكث عنده طويلًا، فإن ذلك يؤذي المريض إلا إذا كان المريض يأنس بوجوده.

الأمر الثاني: سميت عيادة أيضًا لكثرة العودة إلى المريض، فلا يكتفي بمرة، وإنما يعوده مرة ومرة ومرة حتى يبرأ بإذن الله تعالى.

وفي السند: أبو سنان القسملي قال: هو الشامي، وهو – أي: اسمه- عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني، نزيل البصرة. قال عنه ابن حجر: لين الحديث من الثالثة.

وعثمان بن أبي سودة: هو المقدسي، وهو ثقة من الثالثة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من عاد مريضًا)) أي: محتسبًا؛ أي: ليس مرائيًا، وإنما يحتسب تلك العيادة لله سبحانه وتعالى أو زار أخًا له يعني: أخ له في الدين، وفي رواية ((في الله))؛ أي: لوجه الله، والرواية التي معنا: ((أو زار أخًا له في الله))؛ أي: لوجه الله لا للدنيا، ناداه منادٍ أي: ملك من ملائكة الرحمن يقولون له: “طبت” دعاء له بطيب عيشه في الدنيا والآخرة، وطاب ممشاك، وهذه مبالغة أي: طاب مكان وزمان ممشاك.

قال الطيبي: هذه كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن الرزائل، والتحلي بالأخلاق الفاضلة. ومعنى ((تبوأت)) أي: تهيأت. ((من الجنة)) أي: من منازلها العالية. ((منزلًا)) أي: منزلة عظيمة ومرتبة جسيمة لما فعلت.

وقال الطيبي: “دعاء له بطيب العيش في الأخرى”، كما ((أن طبت)) دعاء له بطيب العيش في الدنيا، وإنما أخرجت الأدعية في صورة الأخبار إظهار للحرص على عيادة الأخيار”.

error: النص محمي !!