Top
Image Alt

ما جاء في التسمية على الطعام، وكراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر

  /  ما جاء في التسمية على الطعام، وكراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر

ما جاء في التسمية على الطعام، وكراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر

ما جاء في التسمية على الطعام:

– قال الترمذي: “باب ما جاء في التسمية”. أي: في حكمها، وهي مستحبة، وهناك من قال بوجوبها، وذكرنا آنفًا حديث البخاري الذي رواه بسنده عن عمر بن أبي سلمة، أنه قال: “كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت يدي تطيش في الصحفة؛ فقال لي صلى الله عليه وسلم: ((يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))”، فدعاه صلى الله عليه وسلم إلى التسمية، قال أغلب العلماء: “إن ذلك الأمر للوجوب؛ لأن في التسمية بركة للطعام، وطردًا للشيطان عن أن يشارك الإنسان في طعامه”.

قال الترمذي: “حدثنا محمد بن بشار، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السوية، أبو الهذيل، حدثنا عبيد الله بن عكراش، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: ((بعثني بنو مرة بن عبيد بصدقات أموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه المدينة فوجدته جالسًا بين المهاجرين والأنصار، قال: ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة، فقال: هل من طعام؟، فأتينا بجفنة كثيرة الثريد والوَذْر، وأقبلنا نأكل منها، فخبطت بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه -يعني من أمامه فقط- فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى، ثم قال: يا عكراش، كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد، ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب، أو من ألوان الرطب – شك عبيد الله – فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق، وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد، ثم أتينا بماء فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: يا عكراش، هذا الوضوء مما غيرت النار))”. قال أبو عيسى: “هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث العلاء بن الفضل، وقد تفرد العلاء بهذا الحديث، ولا نعرف لعكراش عن النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا هذا الحديث”.

والعلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السوية، أبو الهذيل، هو المنقري، البصري، وهو ضعيف من صغار التاسعة.

أما عكراش، فهي بكسر المهملة أي: العين، وسكون الكاف، وآخره معجمة، أي: شين، هو ابن ذؤيب التميمي، قال البخاري: “لا يثبت حديثه”. ليس المراد حديث عكراش؛ وإنما حديث عبيد الله بن عكراش، وهو من الثالثة. كذا في (التقريب).

عن أبيه عكراش بن ذؤيب، مضمومة، وبمثناة تحت، وبموحدة تصغير ذئب، السعدي، صحابي قليل الحديث عاش مائة سنة، أي: عاش عكراش مائة سنة.

قوله: “فأتينا” أي: جيء بنا. “بجفنة” بفتح الجيم فسكون، أي: قصعة. “كثيرة الثريد والوذر” بفتح الواو وسكون الذال المعجمة، جمع وذرة، وهي قطع من اللحم لا عظم فيها، على ما في (الفائق) وغيره. وفي (القاموس): “الوذرة من اللحم: القطعة الصغيرة لا عظم فيها، ويحرك -أي يقال: الوَذْرة، والوذَرة”.

وقوله: “فخبطت -أي ضربت- بيدي في نواحيها” مِن خبط البعير بيده إذا ضرب بها.

وقال الطيبي: “أي ضربت فيها من غير استواء، من قولهم: خبَط خبْط عشواء، وما راعى الأدب حيث قال في جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم” من الجولان، والمعنى: أدخلت يدي أو أوقعتها في نواحي القصعة، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه، أي: مما يليه، فقبض بيده صلى الله عليه وسلم اليسرى على يد عكراش اليمنى.

((كل من موضع واحد))، أي: أمره صلى الله عليه وسلم أن يأكل مما يليه، فإنه طعام واحد، أما إذا كان الطعام مختلفًا كالفاكهة مثلًا في إناء واحد، فللإنسان أن يختار وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم مع الرطب، وأراد عكراش أن يمتنع فقال له صلى الله عليه وسلم: ((كل فإنه ليس بلون واحد)). قوله: ((فإنه طعام واحد))، أي: فلا يحتاج إلى جانب آخر مع ما فيه من التطلع على ما في أيدي الناس والشره والحرص والطمع الزائد.

“ثم أتينا بطبق” بفتح الطاء والباء، وهو الذي يؤكل عليه. “فيه ألوان التمر”: أي: أنواع من التمر.

يقول عكراش: “فجعلت آكل من بين يدي” أي: تأدبًا. “وجالت” من الجولان، أي: دارت في الطبق في جوانبه وحواليه، وهذا تعليم فِعلي لبيان الجواز، يعني سنة فعلية تبين الجواز؛ فجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطعام الذي ليس بلون واحد، وليس مائعًا، وقال تأكيدًا لما فُهم من الفعل: ((كل من حيث شئت))، أي: الآن، والظاهر استثناء الأوسط، فإنه محل تنزل الرحمة، يأكل من جميع النواحي، ولا يضع يده في وسط الطعام، حتى وإن كان ليس بلون واحد، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بلون واحد أو بالمختلط حتى صار كأنه شيء واحد. ((فإنه)) أي: التمر الموجود في الطبق. ((غير لون واحد))، بل ألوان. قال ابن الملك: “فيه تنبيه على أن الفاكهة إذا كان لونها واحدًا لا يجوز أن يخبط بيده كالطعام، وعلى أن الطعام إذا كان ذا ألوان متعددة يجوز أن يخبط ويأكل من أي نوع يريده”.

((وقال: يا عكراش هذا الوضوء))، أي: العرفي، يعني: مجرد الغسل لليدين. ((مما غيرت النار))، أي: مسته، قال الطيبي: “قوله: ((مما غيرت النار))، خبر المبتدأ ومِن ابتدائية، أي: هذا الوضوء لأجل طعام طبخ بالنار”.

وقلنا سابقًا: إنه ثبت أن ذلك أيضًا منسوخ؛ فإنه جاء: ((كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار)) أي: الوضوء الاصطلاحي، أما الوضوء العرفي فما زال باقيًا.

وقوله: “هذا حديث غريب …” إلى آخره. أخرجه ابن ماجه مختصرًا، وقد تفرد العلاء بهذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمته عبيد الله بن عكراش بعد نقل كلام الترمذي هذا: “قال الساجي: وحدثني أبو زيد سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: وضع العلاء بن الفضل هذا الحديث حديث صدقات قومه الذي رواه عن عبيد الله، وقال العقيلي: قال البخاري: في إسناده نظر. وقال ابن حزم: عبيد الله بن عكراش ضعيف جدًّا”. انتهى.

وفي الحديث قصة. قال الحافظ في (تهذيب التهذيب) في ترجمة العلاء بن الفضل: “ذكر ابن حبان حديث عبيد الله بن عكراش بطوله”.

أقول: هذا الحديث وإن كان فيه بعض الضعف، إلا أنه يعمل به، وهو في الأدب في أكل الطعام، وفي غسل اليدين بعد أكل الطعام، وثبت في الصحيح ما يؤيد ذلك من حديث عمر بن أبي سلمة.

كراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر:

قال الترمذي: “باب ما جاء في كراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر”. أي: يكره للإنسان أن ينام وفي يده دسمٌ من الطعام، بل عليه أن يغسل يده، وأن يغسل فمه قبل أن ينام، فإنه إذا فعل ذلك عرض نفسه لإيذاء الشيطان، فإن الشيطان يتحسس ويتلمس، ويذهب إلى من في يده ريح غمر فيلحس في يده، وقد يصاب الإنسان ببعض الأمراض من ذلك.

قال الترمذي: “حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المزني، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان حساس لحاس، فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه))”. قال أبو عيسى: “هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

ثم قال الترمذي: “وحدثنا محمد بن إسحاق أبو بكر البغدادي الصاغاني، حدثنا محمد بن جعفر المدائني، حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه))”.

قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الأعمش إلا من هذا الوجه”.

قوله: ((وفي يده ريح غمر)) قال ابن الأثير في (النهاية): “الغَمَر بالتحريك هو الدسم، والزهومة من اللحم، كالوَضَر من السمن”.

وقوله: ((إن الشيطان حساس))، بحاء مهملة، وشدة السين المهملة أي: شديد الحس والإدراك.

((لحاس)) بالتشديد، أي: يلحس بلسانه اليد المتلوثة من الطعام.

((فاحذروه على أنفسكم)). أي: خافوا عليها، فاغسلوا أيديكم بعد الفراغ من الأكل من أثر الطعام.

ثم يقول: ((من بات وفي يده غمر))، أي: دسم، ووسخ، وزهومة من اللحم، والجملة حالية.

((فأصابه شيء))، عطف على ((بات)) والمعنى: وصله شيء من إيذاء الهوام، وقيل: أو من الجان؛ لأن الهوام وذوات السموم ربما تقصده في المنام؛ لرائحة الطعام الذي في يديه فتؤذيه.

وللطبراني من حديث أبي سعيد: ((من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وَضَح -أي برص- فلا يلومن إلا نفسه))؛ لأنه مقصر في حق نفسه. قال الترمذي: “هذا حديث غريب من هذا الوجه”.

قال المنذري في (الترغيب) بعد ذكر هذا الحديث: “رواه الترمذي والحاكم، كلاهما عن يعقوب بن الوليد المدني عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة”. انتهى. وقال الحاكم: “صحيح الإسناد” قال يعقوب بن الوليد الأزدي: “هذا كذب، وإنهم لا يحتجون به”.

لكن رواه البيهقي والبغوي وغيرهما من حديث زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة كما أشار إليه الترمذي، وقال البغوي في (شرح السنة): “حديث حسن، وهو كما قال، فإن سهل بن أبي صالح وإن كان تكلم فيه فقد روى له مسلم في الصحيح احتجاجًا واستشهادًا، وروى له البخاري مقرونًا، قال السلمي: سألت الدارقطني: لم ترك البخاري سهيلًا في الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا. وبالجملة فالكلام فيه طويل. وقد روى عنه شعبة ومالك، ووثقه الجمهور، وهو حديث حسن”. انتهى كلام الإمام المنذري.

وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، كذا ذكره الترمذي معلقًا، ووصله أبو داود وابن ماجه.

وقوله: “حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني -وفي الرواية الثانية- أبو بكر البغدادي”، ثقة من الحادية عشرة ثبت، ومحمد بن جعفر البزاز، وأبو جعفر المدائني، صدوق فيه لين من التاسعة. أما منصور بن أبي الأسود فهو الليثي الكوفي، يقال: اسم أبيه حازم، ورتبته: صدوق، ورمي بالتشيع من الطبقة الثامنة.

أما قوله: ((من بات))، في رواية أبي داود: ((من نام وفي يده غمر))، زاد أبو داود: ((ولم يغسله))، إنما لو غسل لا يكون في يده شيء.

قال الشوكاني: “إطلاقه يقتضي حصول السنة بمجرد الغسل بالماء”. قال ابن رسلان: “والأولى غسل اليد منه بالأشنان، والصابون، وما في معناهما”.

ثم قال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب”، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وأخرجه أيضًا ابن ماجه أيضًا عن فاطمة رضي الله عنها.

error: النص محمي !!