Top
Image Alt

ما جاء في الرحمة باليتيم وبكفالته

  /  ما جاء في الرحمة باليتيم وبكفالته

ما جاء في الرحمة باليتيم وبكفالته

دعا الإسلام إلى رحمة اليتيم، ومعاملته بالحسنى، وتأديبه وتربيته، والحفاظ عليه، وعلى أمواله إن كان له مال بعدم الاقتراب من ماله إلا لمصلحة المال، وبين الحق سبحانه وتعالى أن من يعتدي على اليتيم، ويأكل شيئًا من ماله بغير حق إنما يأكل في بطنه نارًا؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

فاليتيم يستحق الرحمة؛ إذ قد فقد العائل وفقد من يقوم بمصالحه، وفقد من يرعى ماله وشئونه، فبين صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في الجنة هو وكافل اليتيم مقتربين كاقتراب السبابة من الوسطى.

يقول الترمذي تحت عنوان: باب ما جاء في رحمة اليتيم وكفالته: “حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قبض يتيمًا [من] بين المسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر له))، ومعنى ((قبض)) أي: تسلم يتيمًا من المسلمين تسلمه وأخذه ليرعاه، أي: يوفر له الطعام والشراب، فالله سبحانه وتعالى يدخله الجنة البتة أي: حتمًا، وليس شيء على الله بحتم، ولكن تفضلًا وتكرمًا منه أي: مصيره الجنة لا محالة بفضل الله وعونه، ورحمته وكرمه، إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر له، أي: إلا إذا كان مشركًا، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك؛ قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48].

وبعد ما روى هذا الحديث الإمام الترمذي قال: “وفي الباب عن مرة الفهري، وأبي هريرة وأبي أمامة، وسهل بن سعد”.

قال أبو عيسى: “وحنش هو حسين بن قيس، وهو أبو علي الرحبي وسليمان التيمي يقول حنش: وهو ضعيف عند أهل الحديث”.

والحديث الثاني في كفالة اليتيم روى الترمذي بسنده عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه)) يعني السبابة والوسطى.

قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن صحيح”.

أقول: اليتيم: هو الذي مات أبوه وهو صغير، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، واليتيم من الناس من مات أبوه، ومن الدواب من ماتت أمه، ومعنى ((قبض يتيمًا [من] بين المسلمين)) أي: تسلم وأخذ واحدًا من يتامى المسلمين، وفي رواية شرح السنة: ((من آوى يتيمًا)) كما في (المشكاة). ((إلى طعامه)) الضميران لمن ضم اليتيم وآواه إلى طعامه.

والمعنى: من يضم اليتيم إليه ويطعمه أدخله الله الجنة البتة أي: إدخالًا قاطعًا بلا شك ولا شبهة، إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر المراد منه الشرك لقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]. وقيل: مظالم الخلق، والجمع هو الأصغر للإجماع على أن حق العباد لا يغفر بمجرد ضم اليتيم البتة، مع أن من جملة حقوق العباد أكل مال اليتيم، نعم يكون تحت المشيئة، فالتقدير إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر إلا بالتوبة أو بالاستحلال ونحوه، وحاصله: أن سائر الذنوب التي بينه وبين الله تغفر إن شاء الله تعالى.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم في رواية سهل بن سعد عنه: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه -يعني- السبابة والوسطى)) يقول الشارح: “((أنا وكافل اليتيم)) المراد بالكافل هنا المربي أي: مربيه.

قال في (النهاية) أي: ابن الأثير، قال: الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له.

قال ابن بطال: “حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة”.

ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك، وفي رواية البخاري في كتاب اللعان ((وفرج بينهما))، بين إصبعيه شيئًا يعني: فرج بين السبابة والوسطى، وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم وكافل اليتيم في الجنة قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى، وهو نظير الحديث الآخر: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وزعم بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك استوت أصبعاه في تلك الساعة، ثم عادتا على حالهما الطبيعية الأصلية تأكيدًا لأمر كفالة اليتيم.

قال الحافظ ابن حجر: “ومثل هذا لا يثبت بالاحتمال، ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين السبابة والوسطى إصبع أخرى، وقد وقع في رواية لأم سعيد عند الطبراني: ((معي في الجنة كهاتين)) يعني: المسبحة والوسطى إذا اتقى يعني لا بد أن يكون متقيًا لله حتى يحوز تلك المنزلة، أما الفاجر الفاسق لو كفل يتامى الدنيا كلهم، فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئًا.

ويطلقون على السبابة المسبحة؛ لأنها تعد عدد التسابيح، ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخول الجنة لما أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رفعه: ((أنا أول من يفتح باب الجنة، إلا أني أرى امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك، ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي)) يعني: ترملت وصبرت على هذا الابتلاء، ولم أتزوج لأربيهن أو لأربي هؤلاء اليتامى، ورواته لا بأس به.

وقوله: ((تبادرني)) أي: لتدخل معي أو تدخل في إثري، ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين سرعة الدخول وعلو المنزلة، وهذا أولى وأفضل ونعم الجمع هذا الجمع”.

قال العراقي في شرح الترمذي: “لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم أو من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم لكون النبي صلى الله عليه وسلم شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلًا لهم ومعلمًا ومرشدًا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه، ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك، ذكر ذلك الإمام الحافظ ابن حجر في كتابه القيم (فتح الباري)، عقب الترمذي على هذا الحديث وهو حديث: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى))، وقال بعده الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح” يقول الشارح: وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده والبخاري في (صحيحه) والإمام أبو داود في سننه”.

error: النص محمي !!