Top
Image Alt

ما جاء في الظلم، وما جاء في ترك العيب للنعمة

  /  ما جاء في الظلم، وما جاء في ترك العيب للنعمة

ما جاء في الظلم، وما جاء في ترك العيب للنعمة

ما جاء في الظلم:

روى الإمام الترمذي، فقال: حدثنا عباس العنبري، حدثنا أبو داود الطيالسي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)).

قال أبو عيسى -أي: الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة وأبي موسى، وأبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، صحيح، من حديث ابن عمر.

قوله في العنوان: “ما جاء في الظلم”، أي: ما جاء في تحريم الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، الظلم حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه، وحرمه على خلقه، قال تعالى: { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد} [فصلت: 46] وقال تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)) إلى آخر الحديث.

في سند الترمذي: “عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة” هو الماجشون المدني، نزيل بغداد، مولى آل الهدير، ثقة، فقيه، مصنف، من السابعة.

والمراد بالظلم جنسه الشامل للمعتدي والقاصر، الصادر من الكافر والفاجر، ومن غيرهما، بمعنى أن أي ظلم يقع على عباد الله فهو ظلمات يوم القيامة.

وقوله: “ظلمات يوم القيامة” أي: السبب لهذه الظلمات لمرتكبه، أو هو موجب شدة لصاحبه يوم القيامة، ومفهومه أن العدل بأنواعه أنوار، فما دام الظلم ظلمات، فالعدل يكون أنوارًا، فكما أن جميع أنواع الظلم ظلمات، فجميع أنواع العدل أنوار، ويوم القيامة من ظلم في الدنيا يكون الظلم ظلمات له يوم القيامة، ومن عدل في الدنيا يكون العدل له نور يوم القيامة؛ لأن الدنيا مزرعة للآخرة.

وذكر النووي في شرح هذا الحديث: قال: قال القاضي -أي: القاضي عياض- الحديث على ظاهره؛ أي: تكون فعلًا هناك ظلمات يوم القيامة. قال: فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى في نور الإيمان يوم القيامة، قال تعالى: {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [الحديد: 12] .

ويحتمل أن يراد بالظلمات هنا: الشدائد، والأهوال والمحن، التي تكون للظالم يوم القيامة، وبه فسروا قوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63] أي: من شدتهما.

ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات التي تقع للظالم يوم القيامة.

قال الإمام ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين:

المعصية الأولى: أخذ مال الغير بغير حق.

والمعصية الثانية: مبارزة الرب بمخالفته ومعصيته؛ لأنه لا يقع غالبًا إلا من الضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة في القلب؛ لأن القلب لو استنار بالهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم؛ حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا.

وقال الترمذي: “وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وأبي موسى” أي: الأشعري، وأبي هريرة رضي الله عنهم.

وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وحديث السيدة عائشة أخرجه البخاري في كتاب المظالم في صحيحه، وفي غيره، وأخرجه الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب البيوع، وحديث أبي موسى أخرجه الترمذي في تفسير سورة “هود”، وحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي في شأن الحساب والقصاص من أبواب صفة القيامة.

ثم قال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب من حيث ابن عمر”.

أقول: وأخرجه الشيخان؛ أي: البخاري ومسلم.

والحديث يدعو إلى العدل وإلى البعد عن الظلم، ويبين أن الظلم شؤم، وأنه ظلمات على صاحبه يوم القيامة، لذلك على المسلم أن يبتعد عن الظلم، وأن يتخلق بخلق العدل، فيكون عادلًا مع نفسه، ومع أهله، ومع أولاده، ومع جيرانه، ومع سائر خلق الله، ويكفي أن العدل اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى.

ونعلم أن العادل يكون في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، يكون في ظل الله يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)). أي: فاضت بالدمع عيناه، فالحديث دعوة إلى العدل، ودعوة إلى البعد عن الظلم.

ما جاء في ترك العيب للنعمة:

نعم الله كثيرة، وفضله واسع، ورزقه عميم، نِعم تستحق الشكر، لا تذكر بعيب ولا تهان، وإنما من وضع أمامه الطعام إن اشتهاه أكله، وإن لم تقبله نفسه تركه، من غير أن يعيبه، فهناك أنفس تتمنى أن تأكل هذا الطعام، وهذا هو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الطعام، فما عاب صلى الله عليه وسلم طعامًا في حياته أبدًا، وكانوا يأتونه بالطعام فإذا أحب أن يأكل منه أكل، فإذا لم تقبله نفسه تركه، ولم يعب ذلك الطعام، ويقول: “أجد نفسي تعافه”.

فمثلًا الضب لما لم يكن موجودًا في مكة، ولم يتعود عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيء به أمامه ليأكله، قالت أم سلمة رضي الله عنها: أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سيأكل فقالوا: إنه ضب يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ((كلوه أنتم؛ فإنه ليس بأرض قومي، فأجد نفسي تعافه)). يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه: “فاجتررته؛ أي: أخذته من أمام النبي صلى الله عليه وسلم فأكلته، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر”، فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطعام الذي عافته نفسه؛ لأنه لم يكن متعودًا عليه.

وفي هذا الحديث الذي معنا والذي جاء تحت عنوان: ما جاء في ترك العيب للنعمة يبين لنا صلى الله عليه وسلم هذا الخلق الكريم، ويبين أنه ما عاب صلى الله عليه وسلم طعامًا قط حتى نتخلق بذلك الخلق.

قال الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتهاه أكله وإلا تركه”.

قوله: “ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط”. حديث وصفي؛ حيث يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن خلقه في التعامل مع نعمة الله تعالى.

فقوله: “ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط” قال الحافظ ابن حجر: أي: أي طعام مباح. أما الطعام الحرام، فكان صلى الله عليه وسلم يعيبه ويذمه، بل وينهى عنه؛ لأنه حرام، فالذي لا يعيبه صلى الله عليه وسلم هو الطعام الحلال، أما الحرام فكان صلى الله عليه وسلم يعيبه، ونحن مطالبون بأن نعيب على الطعام الحرام، وأن نذمه، وأن نحذر الناس منه.

وذهب بعضهم إلا أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره؛ لأن صنعة الله لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب.

قال الحافظ ابن حجر: ” والذي يظهر التعميم؛ أي: إنه يكره أن يعاب الطعام، سواء كان للصنعة أو لو نظرنا إلى نعمة الله -تعالى- لأنه لو نظرنا إلى الصنعة من الصانع المخلوق، فإن العيب في الطعام كسر لقلب ذلك الذي قام بإعداده”.

قال النووي: “من آداب الطعام المتأكدة: ألا يعاب كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج، وغير ذلك. كل هذا عيب ينبغي ألا يذكر، وذلك من أدب الطعام فإن لم يشتهه ولم تطلبه نفسه تركه كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم يعني: في مثل ما وقع له في الضب.

قال الإمام ابن بطال: “هذا من حسن الأدب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء، ويشتهيه غيره، وكل مأذون في غيره من قبل الشرع ليس فيه عيب، فما دام أذن الشرع في أكله يكون ممدوحًا وطيبًا، ولكن الأنفس تختلف في الإقبال عليه، فمن لا يقبل على شيء عليه ألا يعيبه لأن غيره قد تقبله نفسه”.

قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، أقول: وأخرجه الشيخان.

أما قوله في السند: وأبو حازم هو الأشجعي إلى آخره. قال الإمام ابن حجر العسقلاني في (تهذيب التهذيب): سلمان أبو حازم الأشجعي، هو الكوفي، روى عن مولاته غزة الأشجعية، وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه وغيرهما، وروى عنه الأعمش وغيره.

قال الإمام ابن حجر في (تقريب التهذيب): ثقة من الثالثة، والحديث يدعونا إلى أدب من أدب الطعام، وهو ألا نعيب طعامًا؛ لأنه من نعم الله علينا، والنعم تقابل بالشكر، ولا تقابل بالعيب والكره، فعلى المسلم ألا يعيب طعامًا قط؛ لأنه ما دام أذن الله فيه وأباح أكله، فهو طيب، ولكن الأنفس تختلف فيه، فمن لا تقبل نفسه على طعام لا يعبه، فقد يطلبه غيره، وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: “ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه”.

error: النص محمي !!