Top
Image Alt

ما جاء في الفتن التي ستكون كقطع الليل المظلم

  /  ما جاء في الفتن التي ستكون كقطع الليل المظلم

ما جاء في الفتن التي ستكون كقطع الليل المظلم

قال الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

ثم قال: حدثنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا معمر عن الزهري عن هند بنت الحارث عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: ((سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ يا رُب كاسيةٍ في الدنيا عارية في الآخرة)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

ثم قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوامٌ دينَهم بعرض من الدنيا)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة وجندب، والنعمان بن بشير وأبي موسى، وهذا حديث غريب من هذا الوجه.

ثم قال الترمذي: حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا جعفر بن سليمان عن هشام، عن الحسن قال: كان يقول في هذا الحديث: ((يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا))، قال: يصبح محرمًا لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي مستحلًّا له، ويمسي محرمًا لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مستحلًّا له.

ثم قال: وحدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا، ويسألونا حقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حمّلوا، وإنما عليكم ما حمّلتم)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

هذا الحديث في الفتن التي ستكون في آخر الزمان، والتي ستكون كقطع الليل المظلم، فتنة لا يعرف خيرها من شرها، فتنة لا يعرف فيها الطائع من غيره، فتنن نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينقذنا منها.

يقول الحديث: ((بادروا بالأعمال فتنًا)) أي: سابقوا وسارعوا إلى الأعمال الصالحة، فاشتغلوا بها قبل أن تقع الفتن التي ستكون كقطع الليل المظلم.

“قطع” بكسر القاف وفتح الطاء: جمع قطعة، وهي طائفة.

والمعنى: كقطع من الليل المظلم؛ لفرط سوادها وظلمتها، وعدم تبيين الصلاح والفساد فيها.

وحاصل المعنى: تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة، من القتل والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها، والمراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث إنه بشيع فظيع، ولا يعرف سببها، ولا طريق إلى الخلاص منها، “فالمبادرة”: المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته أو بدفعه قبل وقوعه.

قوله: ((يصبح الرجل مؤمنًا)) أي: موصوفًا بأصل الإيمان أو موصوفًا بكمال الإيمان، و”يمسي” أي: يأتي عليه المساء، فيكون كافرًا حقيقة أو كافرًا للنعمة؛ أي: مشابهًا للكفرة في الجحود أو عاملًا عمل الكفار. وقيل: المعنى: يصبح محرمًا ما حرمه الله، ويمسي مستحلًّا لما حرمه الله، وبالعكس.

قال الشيخ المباركفوري: قلت: وهذا المعنى الأخير اختاره الحسن البصري، وقد ذكره الترمذي في هذا الباب.

“يبيع أحدهم دينهم” أي: يتركه بعرض -بفتحتين- أي: يأخذ متاعًا دنيئًا وثمنًا رديئًا في مقابلة دينه.

قال الطيبي رحمه الله: قوله: “يصبح” استئناف بيان لحال المشبه، وهو قوله “فتنًا”. وقوله: “يبيع إلى آخره” بيان للبيان. وقال المظهر: فيه وجوه:

أحدها: أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال؛ لمجرد العصبية والغضب، فيستحلون الدم والمال.

وثانيها: أن يكون ولاة المسلمين ظلمة، فيريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق، ويزنون ويشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات، من إراقة الدماء، وأخذ الأموال ونحوها بالباطل.

وثالثها: ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع في المعاملات والمبايعات وغيرها، فيستحلونها.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد ومسلم، وفي الرواية التي ترويها أم سلمة في استيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ويقول: ((سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ …)) إلى آخر الحديث.

وفي روايته سويد بن نصر، وهو سويد بن نصر بن سويد المروزي، لقبه الشاه، ثقة من العاشرة.

وهند بنت الحارث، هي هند بنت الحارث الفارسية، ويقال: القرشية، وهي ثقة من الثالثة.

تقول أم سلمة رضي الله عنها في الرواية: إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة. زاد البخاري في رواية: “فزعًا”، فقال: ((سبحان الله)) بالنصب للفعل اللازم؛ أي: أسبح الله سبحانه، قال ذلك تعجبًا واستعظامًا، ثم قال ((ماذا)) “ما” استفهامية متضمنة بمعنى التعجب والتعظيم. ((أنزل)) بصيغة المجهول، وفي رواية للبخاري ((أنزل الله)) بإظهار الفاعل، والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المقدر، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال. قاله الحافظ.

((ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟))، و((ماذا أنزل من الخزائن؟)) عبر عن الرحمة بالخزائن؛ كقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9]، وعبر عن العذاب بالفتنة؛ لأنها أسبابه. قاله الكرماني.

ثم نادى صلى الله عليه وسلم: ((من يوقظ صواحب الحجرات؟))، وفي رواية: ((من يوقظ صواحب الحجر؟)) ((يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)).

((من يوقظ)) استفهام؛ أي: هل أحد يوقظ. قال الحافظ ابن حجر: أراد بقوله ((من يوقظ)) بعض خدمه، كما قال يوم الخندق: ((من يأتيني بخبر القوم؟)) وأراد أصحابه، لكن هناك عُرف الذي انتدب، وهنا لم يُذكر.

والحجرات: جمع حجرة، والحجرة: هي الحظيرة، مثل الغرفة.

ويعني صلى الله عليه وسلم بصواحب الحجرات: أزواجه، وإنما خصهن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات أو من باب: ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول.

((يا رب كاسية)) قيل: المنادى فيه محذوف، والتقدير: يا سامعين، و”رب” للتكثير ((عارية في الآخرة)) قال عياض: “الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور برب”. وقال غيره: “الأولى الرفع؛ أي: كاسية على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية، والفعل الذي يتعلق به “رب” محذوف”.

وقال السهيلي: “الأحسن الخفض على النعت؛ لأن “رب” حرف جر يلزم صدر الكلام”. وهذا رأي سيبويه. وعند الكسائي هو اسم المبتدأ والمرفوع خبره، وإليه كان يذهب بعض شيوخنا.

وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه؛ أي: ينبغي لهن ألا يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن حجر: واختلف في المراد بقوله: كاسية وعارية على أوجه:

أحدها: كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا.

ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها شفافة لا تستر عورتها؛ فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك.

ثالثها: كاسية من نعم الله، عارية من الشكل الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب.

رابعها: كاسية جسدها، لكنها تشد خمارها من ورائها، فيبدو صدرها، فتصير عارية، فتعاقب في الآخرة.

خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون} [المؤمنون: 101] ذكر هذا الأخير الإمام الطيبي، ورجحه لمناسبة المقام.

واللفظة وإن وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ، قال ابن بطال في هذا الحديث: “إن المفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه، فيقع القتال بسببه، ويبخل به، فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله، وكذا حذر غيرهن ممن بلغه ذلك”.

وفي هذا الحديث ندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة، أو يسلم الداعي ومن دعا له.

قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ثم قال المباركفوري: أخرجه أحمد والبخاري.

والرواية التي بعد ذلك فيها سعد بن سنان، قال في (التقريب): “سعد بن سنان يقال: سنان بن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس، وهو صدوق له أفراد، من الطبقة الخامسة”.

وفي هذه الرواية بين صلى الله عليه وسلم ما سيكون بين يدي الساعة من فتن، وهو نفس الحديث الذي سبق، فيقول فيه صلى الله عليه وسلم: ((تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا)).

“تكون بين يدي الساعة” أي: قدامها؛ أي: من أشراطها “فتن” أي: فتن عظام، ومحن جسام.

وقوله: “كقطع الليل المظلم” تقدم شرحها، شبهت بقطعة الليلة المظلمة لفظاعتها.

ثم قال: “وفي الباب عن أبي هريرة وجندب” المراد بجندب هو جندب بن جنادة، وهو سيدنا أبو ذر، والنعمان بن بشير، وأبو موسى الأشعري. ثم قال: “هذا حديث غريب لم يحسنه الترمذي”، والظاهر أنه حسن، والله تبارك وتعالى أعلم، والحديث أخرجه أيضًا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

error: النص محمي !!