Top
Image Alt

ما جاء في الكبر، وما جاء في حسن الخلق

  /  ما جاء في الكبر، وما جاء في حسن الخلق

ما جاء في الكبر، وما جاء في حسن الخلق

ما جاء في الكبر:

الكبر مذموم، والتواضع محمود.

وقد دعا صلى الله عليه وسلم إلى التواضع، وكان سيد المتواضعين، ونفَّر من الكبر، وأعلن صلى الله عليه وسلم أن الجنة لا يدخلها إلا المتواضعون، وهذا هو الإمام الترمذي في سننه تحت عنوان: باب ما جاء في الكبر يقول:

حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان)).

وفي الباب عن: أبي هريرة، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ثم قال: حدثنا محمد بن المثنى وعبد الله بن عبد الرحمن قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا شعبة عن أبان بن تغلب، عن فضيل بن عمرو، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)). قال: فقال له رجل: إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنة! قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الجمال، ولكن الكبر من بطر الحق، وغمص الناس)).

وقال بعض أهل العلم، في تفسير هذا الحديث: ((لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) إنما معناه: لا يخلد في النار.

وهكذا روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، وقد فسر غير واحد من التابعين هذه الآية: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192] فقال: مَن تُخَلِّد في النار فقد أخزيته.

قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن صحيح غريب”.

وقال الترمذي أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

وحدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، حدثنا شبابة بن السوار، أخبرنا ابن أبي ذئب عن القاسم بن عياش، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: يقولون لي في التيه -أي التكبر- وقد ركبت الحمار، ولبست الشملة، وقد حلبت الشاة، وقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فعل هذا، فليس فيه من الكبر شيء)). قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن صحيح غريب”.

وإليكم التوضيح:

الكبر: بكسر الكاف، وسكون الموحدة -أي الباء- ثم راء. قال الراغب: الكبر والتكبر، والاستكبار، متقارب، كله من العجب، قال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار} [غافر: 35]، والمستكبر مثل المتكبر.

وقال الغزالي: “الكبر على قسمين، فإذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر يقال: في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق في النفس، وهو الاسترواح، والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبرًا عليه؛ ليرى نفسه فوقه في صفات الكمال، ومتكبرًا به، وبه يفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب به، بل لو لم يخلق إلا وحده تصور أن يكون معجبًا، ولا يتصور أن يكون متكبرًا؛ لأنه، كما قلنا: المتكبر يحتاج إلى من يتكبر عليه.

وفي السند: أبو هشام الرفاعي، اسمه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الكوفي، قاضي المدائن، قال عنه العلماء -خاصة ابن حجر: ليس بالقوي، وهو من صغار الطبقة العاشرة. وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب البغدادي بأن البخاري روى عنه، لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه. جاء ذلك في (التقريب) للإمام ابن حجر.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان في قلبه مثقال حبة)) أي: مقدار وزن حبة. قال في (المجمع): “المثقال في الأصل: مقدار من الوزن” أي: شيء كان من قليل أو كثير، والناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة، وليس كذلك.

أما قوله: “من خردل” فقيل: إنه الحبة السوداء، وهو تمثيل للقلة، كما جاء في مثقال ذرة. قال النووي: قد اختلف في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)) فذكر الخطابي فيه وجهين:

أحدهما: أن المراد التكبر عن الإيمان، وصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه.

والثاني: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43]، وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم، ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه.

وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد تكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة، إما أولًا، وإما ثانيًا، بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها.

وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة؛ أي: في أول وهلة.

وقوله: ((لا يدخل النار من كان في قلبه …..)) إلى آخره المراد به دخول الكفار، وهو دخول الخلود والتأبيد، قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم: “مثقال حبة” إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان”. ثم قال المباركفوري: “قلت: الأمر، كما قال الطيبي”.

فلا شك أن هذا الحديث يدل على أن الإيمان يزيد وينقص.

وقوله: “وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد”، فحديث أبي هريرة: أخرجه مسلم، وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني والبزار بإسناد حسن. كذا في (الترغيب)، وله حديث آخر عند ابن ماجه وابن حبان.  وأما حديث سلمة بن الأكوع: فأخرجه الترمذي في هذا الباب أيضًا.

وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه مسلم عنه مرفوعًا بلفظ: ((احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: في ضعفاء المسلمين ومساكينهم، فقضى الله بينهما، إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليهما عليّ ملؤها)).

أما الحديث الذي جاء بعد ذلك فبين فيه أن أحد الصحابة خاف على نفسه من لباسه الحسن ومن نعله الحسنة، وخشي أن يكون ذلك من الكبر، فقال: يا رسول الله، إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسنًا، ونعلي حسنة. فقال له صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الجمال))، وفي رواية: ((إن الله جميل يحب الجمال))، ثم بين صلى الله عليه وسلم الكبر ما هو، فبين أن الكبر هو بطر الحق؛ أي: إنكار الحق، وغمص الناس؛ أي: احتقار الناس.

ثم ذكر الترمذي بعد ذلك فقال: “وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، إنما معناه لا يخلد في النار، وهكذا روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)).

والحديث الذي بعد هذا الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ)).

أي: يتعالى بنفسه، ويرفعها، ويبعدها عن الناس في المرتبة، ويعتقد أنها عظيمة القدر؛ أي: يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر، ويعززها ويكرمها، كما يكرم الخليل خليله حتى تصير متكبرة، وفي (أساس البلاغة) يقال: ذهب به: مرَّ به مع نفسه؛ قال القاري: ومن قبيل الأول قوله تعالى: {ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] أي: أذهب نورهم.

وخلاصة المعنى: أنه لا يزال يذهبها عن درجتها، ومرتبتها إلى مرتبة أعلى، وهكذا حتى يكتب؛ أي: اسمه أو يثبت رسمه في الجبارين؛ أي: في ديوان الظالمين والمتكبرين، أو معهم في أسفل السافلين، فينال الرجل من بليات الدنيا وعقوبات العقبى ما أصابهم؛ أي: ما أصاب الجبارين، كفرعون وهامان وقارون.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ومعنى حسن: أن في إسناده رجل صدوق. ومعنى غريب: أنه نوع من أنواع الآحاد، ففي طبقة من طبقات إسناده لم يروه إلا راوٍ واحد، كما هو معلوم عند علماء الحديث.

والحديث الذي بعد ذلك: عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه قال: إن بعض الناس يقولون لي: إن فيَّ تيهًا وكبرًا، وكيف يكون في ذلك؟ وقد ركبت الحمار -وهو الدابة المعروفة- ولبست الشملة -وهي كساء يتغطى به ويتلفف فيه- وقد حلبت الشاة، وقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء)) أراد بذلك أن من يتصف بهذه الصفات يكون متواضعًا، فيحلب شاته بنفسه، ويلبس الشملة التي يلبسها الناس، ويركب الحمار، كما يركب الناس، فمن فعل ذلك لا يكون من المتكبرين.

ما جاء في حسن الخلق:

دعا الإسلام إلى حسن الخلق، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الخَلق خُلقًا، وقد قال عنه الحق سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4]، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “كان خلقه القرآن”.

وهذه هي أخلاقه، كما جاء بعضها في هذه الآية الكريمة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران: 159]، وقال له تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199]؛ فدعا صلى الله عليه وسلم إلى حسن الخلق، وتخلق بذلك حتى قبل أن يكون نبيًّا، فلقد قالت عنه أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها عندما دخل عليها، وهو خائف مما جاءه في الغار، وقال: ((زملوني زملوني، دثروني دثروني)) فوصفته صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون نبيًّا، فقالت: “والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل -أي الضعيف- وتقري الضيف -أي تكرم الضيفان- وتعين على نوائب الحق – أي: تساعد المحتاجين.

وجاء وصفه صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة في قولهم: “إنه ليس بفاحش، ولا بذيء، ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافئ السيئة بالسيئة، ولا يدفع السيئة بالسيئة، وإنما يكافئ السيئة بالحسنة، ويعفو ويصفح”.

وجاءت عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في حسن الخلق، وبين أن أثقل ما يوضع في ميزان المسلم يوم القيامة خلق حسن.

قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنهماأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله -تبارك وتعالى- ليبغض الفاحش البذيء)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأنس وأسامة بن شريح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحدثنا أبو كريب، حدثنا قبيصة بن الليث الكوفي، عن مطرف عن عطاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه.

وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا عبد الله بن إدريس حدثني أبي عن جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: ((الفم والفرج)). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب.

وعبد الله بن إدريس هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو وهب عن عبد الله بن المبارك أنه وصف حسن الخلق فقال: “هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى”.

وإليكم بعض التفصيل:

أم الدرداء: هي زوج سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنهما اسمها هجيمة، وقيل: هميمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى جهيمة. وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في الكتب الستة. والصغرى ثقة فقيهة من الثالثة. جاء ذلك في (تقريب) الإمام النووي.

وقوله صلى الله عليه وسلم ((ما شيء)) أي: ما ثواب شيء أو صحيفته أو عينه المجسد من خلق حسن، فإنه تعالى يحبه، ويرضى عن صاحبه، فإن الله يبغض -وفي نسخة ليبغض- الفاحش، والفاحش هو الذي يتكلم بما يكره سماعه أو من يرسل لسانه بما لا ينبغي.

وقوله: “البذيء” هو بالذال المعجمة ممدودة، هو المتكلم بالفحش. والبذاء بالمد: هو الفحش في القول ويقال عنه: البذاء والبذا. قال القاري: “ومن المقرر أن كل ما يكون مبغوضًا لله ليس له وزن وقدر، كما أن كل ما يكون محبوبًا لله تعالى يكون عنده عظيمًا على وزن وقدر”؛ قال تعالى في حق الكفار:{ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105]، وفي الحديث المشهور، وهو آخر حديث في صحيح الإمام البخاري: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)).

قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريح. أما حديث عائشة، فأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في (المستدرك)، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. ولفظه: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)).

وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني والبزار، وأبو يعلى بإسناد جيد، رواته ثقات، ولفظ أبي يعلى قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: ((يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين، هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟)) قال: بلى يا رسول الله. قال: ((عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، والذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما))، وله حديث آخر ذكره المنذري في (الترغيب).

وأما حديث أسامة بن شُريك أو ابن شَريك، فأخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه، قال المنذري: رواه الطبراني، ورواته محتج بهم في الصحيح. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، قال الشارح: وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأخرجه أبو داود، لكن اقتصر على الجملة الأولى.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن صاحب حسن الخلق ليبلغ به …)) إلى آخره. وعند أبي داود: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل، وصائم النهار)).

فكل هذه الأحاديث تبين مكانة حسن الخلق، وأنه شيء عظيم عند الله -تبارك وتعالى- وفسر عبد الله بن المبارك حسن الخلق بأنه: بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى.

ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((حسن الخلق))، أي: عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين، فقال: ((تقوى الله)) وله مراتب؛ أي: وللتقوى مراتب، أدناها: التقوى عن الشرك.

وقوله: ((حسن الخلق)) أي: تقوى الله مع حسن الخلق، وأدناه ترك أذاهم، وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليهم.

ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال صلى الله عليه وسلم: ((الفم والفرج))؛ لأن المرء غالبًا بسببهما يقع في مخالفة الخالق، وترك المخالفة مع المخلوق.

قال الطيبي: قوله: ((تقوى الله)) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق، فيأتي جميع ما أمره به، وينتهي عما نهى عنه، وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق، وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة، ونقيضهما لدخول النار، فأوقع الفم والفرج مقابلًا لهما.

أما الفم فمشتمل على اللسان، وحفظه ملاك أمر الدين كله، وأكل الحلال رأس التقوى كله.

وأما الفرج، فصونه من أعظم مراتب الدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون} [المؤمنون: 5]؛ لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان، وأعصاها على العقل عند الهيجان، ومن ترك الزنا خوفًا من الله -تبارك وتعالى- مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسر الأسباب -لا سيما عند صدق الشهوة- وصل إلى درجة الصديقين، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، ومعنى الأكثرية في الجملتين أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين الخصلتين، وأن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين.

وقد فسر ابن المبارك حسن الخلق بأنه بسط الوجه؛ أي: مقابلة الناس بالبشر والسرور، وبذل المعروف؛ أي: إعطاء الخير، وإهداء الخير، وكف الأذى؛ أي: منع الشر عن الخلق.

وقال الشعبي في حسن الخلق: “حسن الخلق العطية والبشر الحسن”. وكان الشعبي كذلك، فسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد شعرًا فقال:

تراه إذا ما جئته متهللًا

*كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ولو لم يكن في كفه غير روحه

*لجاد بها فليتق الله سائله

هو البحر من أي النواحي أتيته

*فلجته المعروف والجود ساحله

وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى: “حسن الخلق ألا تغضب ولا تحقد”.

وعنه أيضًا أنه قال: “حسن الخلق: أن تحتمل ما يكون من الناس”.

وقال إسحاق بن راهويه: “هو بسط الوجه، وألا تغضب”. ونحو ذلك قال محمد بن نصر.

error: النص محمي !!