Top
Image Alt

ما جاء في المتشبع بما لم يعط، وما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  /  ما جاء في المتشبع بما لم يعط، وما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ما جاء في المتشبع بما لم يعط، وما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في المتشبع بما لم يُعْطَ:

قال الترمذي: باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه: بهاء ضمير، ويصح أن يكون بغير هاء.

فهذا لون من ألوان الكذب، أي: يدعي إنسان أنه أخذ شيئًا، ولم يأخذ شيئًا.

الحديث: قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعطي عطاءً فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة رضي الله عنهماثم قال: هذا حديث حسن غريب.

ومعنى قوله: “ومن كتم فقد كفر” أي: كفر تلك النعمة؛ أي: ذلك الكفر كفران نعمة، وليس كفران بالخالق سبحانه وتعالى، وهو ما يعرف هنا بالجحود، جحود النعمة، وليس حقيقة الكفر بالله تعالى.

والأدب في ذلك الحديث الذي دعانا إليه صلى الله عليه وسلم هو أنه دعا من يأخذ من الناس شيئًا أو من أعطاه أحد شيئًا، وعنده ما يستطيع أن يرد به ذلك العطاء؛ يعني: يكافئ بمثل ما أعطى، فعليه أن يفعل ذلك؛ لأن ذلك من باب التهادي بين الناس، والتهادي بين الناس يشيع الحب والود، قال صلى الله عليه وسلم: ((تهادوا تحابوا))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وحر الصدر)).

أي: الضغينة التي تكون في النفس، ومن أخذ شيئًا وليس عنده ما يكافئ به من أعطاه، فليثن على المعطي، أي: يشكره، فيقول له: جزاك الله خيرًا، أو شكر الله لك، يقول صلى الله عليه وسلم: ((فإن من أثنى فقد شكر)) يعني: إذا لم تجد ما تعطيه لمن أعطاك، وأثنيت عليه تكون قد شكرته، ونحن مدعون إلى ذلك؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما شكر الله من لم يشكر الناس)).

والذي يكتم ويأخذ، ولا يثني، ولا يقدم الشكر لمن أعطاه شيئًا فقد كفر؛ أي: جحد تلك النعمة.

ثم ينتقل الحديث إلى أدب آخر، ألا وهو التحلي بعدم الكذب، فإن الذي يدعي أنه أخذ شيئًا ولم يأخذ، يكون كلابس ثوبي زور؛ قال الزمخشري في كتابه (الفائق في غريب الحديث): المتشبع؛ أي: المتشبه بالشبعان وليس به، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها؛ يعني: هو ليس بصابر ويدعي الصبر، وليس بعالم ويدعي العلم، فيدعي أخلاقًا ليست فيه.

وقوله: “من أعطي” بصيغة المجهول “عطاء” المفعول المطلق أو عطية، وفي رواية: “شيئًا”، فهو مفعول ثان، “فوجد” أي: وجد سعة مالية “فليجز” أي: يعطي من أعطاه، ومن لم يجد سعة من المال فليثن من الثناء، وهو المدح من غير كذب ولا ذل، إذا لم يجد فليثن؛ أي: ليدع له، “فإن من أثنى” وفي رواية، “فإن أثنى به فقد شكر” وفي رواية: شكره؛ أي: جزاه في الجملة، ومن كتم؛ أي: كتم النعمة بعدم المكافأة بالعطاء أو المجازاة بالثناء فقد كفر؛ أي: كفر النعمة من الكفران؛ أي: ترك أداء الحق، وفي رواية: “وإن كتمه فقد كفره”، ومن تحلى؛ أي: تزين وتلبس بما لم يعط – بفتح الطاء- والضمير المرفوع يرجع إلى “من” والمنصوب إلى “ما” “كان كلابس ثوبي زور”، وفي رواية “فإنه كلابس ثوبي زور” أي: كمن كذب كذبتين أو أظهر شيئين كاذبين.

قال صلى الله عليه وسلم لمن قالت: “يا رسول الله إن لي ضرة فهل عليّ جناح أن أتشبع بما لم يعطني زوجي” أي: أظهر الشبع، فأحد الكذبتين قولها: أعطاني زوجي، والثاني: إظهارها أن زوجها يحبها أشد من ضرتها.

قال الخطابي: “كان رجل في العرب يلبس ثوبين من ثياب المعاريف؛ ليظنه الناس أنه رجل معروف محترم؛ لأن المعاريف لا يكذبون، فإذا رآه الناس على هذه الهيئة يعتمدون على قوله وشهادته على الزور لأجل تشبهه بالصادقين، وكان ثوباه سببا زوره، فسمي ثوبي زوره، أو لأنهما لبسا لأجله، وثني باعتبار الرداء والإزار، فشبه هذه المرأة بذلك الرجل”.

وقال الزمخشري في (الفائق): “شبه المتشبع بلابس ثوبي زور؛ أي: ذي زور، وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياءً، وأضاف الثوبين إليه؛ لأنهما كالملبوسين، وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور، ارتدى بأحدهما، واتزر بالآخر، كما قيل”. قال القاري في (المرقاة):

…. …. …. ….

*إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا

فالإشارة بالإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه، ويحتمل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان: فقدان ما تتشبع به، وإظهار الباطل. كذا جاء في (الفتح). وقال أبو عبيدة: “هو المرائي يلبس ثياب الزهاد، ويرى أنه زاهد”.

وقال غيره: “هو أن يلبس قميصًا يصل بكميه كمين آخرين؛ ليرى أنه لابس قميصين، فكأنه يسخر من نفسه، ومعناه: أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن”.

وقيل: إنما شبه بالثوبين؛ لأن المتحلي كذب كذبتين، فوصف نفسه بصفة ليست فيه، ووصف غيره بأنه خصه بصلة، فجمع بهذا القول بين كذبين.

قال القاري: “وبهذا تظهر المناسبة بين الفصلين في الحديث مع موافقته لسبب وروده، فكأنه قال: ومن لم يعط وأظهر أنه قد أعطي كان مزورًا مرتين”.

أما قوله: “وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة”، فحديث أسماء أخرجه البخاري في باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى عنه من افتخار الضرة من كتاب النكاح، ورواه مسلم في كتاب اللباس. وأما حديث عائشة، فأخرجه الإمام مسلم في كتاب اللباس في (صحيحه) أيضًا.  وقوله: “هذا حديث حسن غريب”. أقول: كما قال الشارح: أخرجه البخاري في (الأدب المفرد)، وأبو داود وابن حبان في صحيحه، قال المناوي في (التيسير): إسناده صحيح.

من كتاب الفتن:

ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو وعبد الله الأنصاري، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، وليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا منه، فتدعونه فلا يستجيب لكم)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

وحدثنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن أبي عمرو بهذا الإسناد أيضًا، وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمر بن أبي عمرو.

وجاء أيضًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا الحديث: روى الترمذي بسنده قال: حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من قدّم الخطبة قبل الصلاة مروان، فقام رجل فقال لمروان: خالفت السنة. فقال: يا فلان ترك ما هناك. وقال أبو سعيد؛ أي: الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فلينكره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده)) بدلًا من قوله: ((فلينكره بيده)).

وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان أن فائدة ذلك تعود على المجتمع كله، وأن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده، وأن الفتنة عندما تأتي تعم، وأن الناس جميعًا يركبون في سفينة واحدة، فلو فعل كل إنسان في هذه السفينة ما يريد لغرقت السفينة بالجميع، ولو أخذوا على يدي من يريد أن يعطلها أو أن يخرقها لكي يشرب مع نيته السليمة الصحيحة- نجوا جميعًا، وإن تركوه هلك وهلكوا جميعًا.

روى الترمذي بسنده قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهماقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها))، رواية البخاري: ((والواقع فيها))، ((كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا. فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

جزاء من يفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الله عظيم، ولقد بين صلى الله عليه وسلم أن أفضل الجهاد كلمة عدل؛ أي: كلمة يؤمر بها بالعدل أي: يؤمر فيها بالمعروف وينهى فيها عن المنكر عند سلطان جائر.

ومن أعظم أنواع الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر …)) إلى آخر الحديث.

المعروف: ما عرف حسنه بالشرع، والمنكر: ما أنكره الشرع.

والمعروف: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع الحكيم.

والمنكر: هو كل ما نهى عنه الشرع من الأمور القبيحة.

ثم قال في سند الحديث: إنه عن حذيفة بن اليمان، واليمان: والد حذيفة اسمه: حسيل، فهو حذيفة بن حسيل المعروف باليمان، ويقال: حسن العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، صح في مسلم؛ أي: في رواية مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان، وما يكون حتى تقوم الساعة، وأبوه صحابي استشهد في غزوة أحد.  قال في الحديث: ((أو ليوشكن)) أي: ليسرعن.

وقوله: ((عذابًا منه)) في بعض النسخ: “عقابًا منه” فتدعونه؛ أي: تسألون الله فلا يستجيب لكم.

والمعنى: والله أن أحد الأمرين واقع إما الأمر والنهي منكم، وإما إنزال العذاب من ربكم عليكم، ثم عدم استجابة دعائكم بحيث لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذابًا، وإن لم يكونا كان عذابًا عظيمًا.

وقوله: “هذا حديث حسن” ذكر المنذري هذا الحديث في (الترغيب) ونقل تحسين الترمذي وأقره.

وقوله: ثم قال الشارح: ورواه البزار والطبراني في (الأوسط) عن أبي هريرة رضي الله عنه كذا جاء في (الجامع الصغير) للسيوطي.

وتغيير المنكر له درجات، فكل إنسان يغير فيما تحت يده بيده، والعلماء يغيرون بعلمهم وبأقوالهم وبألسنتهم، والعامة تنكر بالقلب، ومعنى الإنكار بالقلب؛ أي: مقاطعة المنكر، ومقاطعة أهله حتى يرتدعوا، ففي تغيير المنكر باليد، وباللسان أو بالقلب كان قوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه))، وفي رواية من الروايات تكملة: ((وذلك أضعف الإيمان)).

وفي الرواية: أن مروان قام فخطب قبل أن يصلي صلاة العيد، وهذا تغيير، ومخالفة للسنة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقام شاب وقال: “لقد غيرت وبدلت”، فإذا بمروان لا يقبل ذلك الكلام، فيقف أبو سعيد الخدري ويقول: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، يريد أن يقول: هذا الشاب قد قضى ما عليه؛ لأنه أنكر بلسانه.

قال الشاب لمروان: “خالفت السنة”؛ لأن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم، ونقل إجماعهم أنهم كانوا يخطبون بعد صلاة العيد، قال النووي: يعني – والله أعلم- أن ذلك كان بعد الاختلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول.

ثم قال أبو سعيد: “أما هذا فقد قضى ما عليه” من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقوله: “من رأى” أي: علم، وليس بشرط أن يرى بعينه، إنما ما دام يعلم أن هناك منكرًا يجب عليه أن يعمل على تغييره بقدر طاقته.

“منكرًا” أي: شيئًا قبحه الشرع فعلًا أو قولًا؛ أي: في غيره من المؤمنين.

“فلينكره بيده” في رواية الشيخين “فليغيره” أي: بأن يمنعه بالفعل، بأن يكسر الآلات التي تكون بها المعصية، ويتم عن طريقها المنكر، وأن يريق الخمر، وأن يرد المغصوب إن استطاع إلى مالكه.

“فمن لم يستطع” أي: التغيير باليد، وإزالته بالفعل لكون فاعله أقوى منه.

“فبلسانه” أي: فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة.

“فمن لم يستطع” أي: التغيير باللسان أيضًا فبقلبه، بألا يرضى به وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًّا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير. وقيل: التقدير: فلينكره بقلبه؛ لأن التغيير لا يتصور بالقلب، فيكون التركيب من باب:

علفتها تبنًا وماءً باردا

*…. …. …. ….

أي: علفتها تبنًا، وسقيتها ماءً باردًا، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} [الحشر: 9]؛ أي: من ذلك الإيجاز.

وقوله: “أضعف الإيمان” أي: شعبه أو خصال أهله.

والمعنى: أنه أقلها ثمرة.

error: النص محمي !!