Top
Image Alt

ما جاء في المُصَرَّاة

  /  ما جاء في المُصَرَّاة

ما جاء في المُصَرَّاة

المُصَرَّاة: هي الإبل أو الغنم أو البقر يُصِرُّونَ درتها ليحجزوا اللبن؛ فتظهر للبائع أن ألبانها كثيرة، فيغتر ويشتريها، في هذا خداعٌ وغشٌّ لا يجوز أن يفعله المسلمون، كما سترون في هذا الحديث.

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا تَصِرُّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النَّظَرَيْنِ -أي: الذي يشتريها له الخيار في أن يستمر في بيعه أو أن يردها إلى من اشتراها منه- بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّهَا وصاعًا من تمر)) متفق عليه. أي: أخرجه البخاري ومسلم.

وللبخاري وأبي داود: ((مَن اشترى غنمًا مُصَرَّاةً فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها فَسَقْيُ حلبتها صاعٌ من تمر)) وهو دليلٌ على أن الصاع من التمر في مقابلةِ اللبن الذي أخذه، وأنه أخذ قسطًا من الثمن، وفي روايةٍ: ((إِذَا مَا اشْتَرَى أَحَدُكُمُ لِقْحَةً -اللقحة: هي الناقة التي يكون بها لبن أو الغنم أو البقر، أي: ما فيه لبنٌ- مُصَرَّاةً أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِمَّا هِيَ، وَإِلاَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ)) رواه مسلم، وهو دليلٌ على أنه يمسك بغير أرش، والأرش هو قيمة العيب.

وفي رواية: ((مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ مِنْهَا بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، ومَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ)) رواه الجماعة إلا البخاري.

الثاني: وعن أبي عثمان النهدي، قال: قال عبد الله: ((مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا)) رواه البخاري والبرقاني على شرطه، وزاد: ((من تمر)) أي: صاعًا من تمر.

ثانيًا: الشرح:

قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تصر)) -بضم أوله وفتح الصاد المهملة وضم الراء المشددة: من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وظن بعضهم: أنه من صررت فقيده بفتحِ أولِهِ وضم ثانيه، فقال: “لا تصروا” قال في (الفتح): والأول أصح، أي: رواية ((لَا تُصَرُّ)) أصح من رواية: “لَا تَصُرُّوا”.

قال: لأنه لو كان من صررت لقيل: مصرورة لا مصراة على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب، ثم استدل على ذلك بشاهدين عربيين ثم قال: وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه بغير واو على البناء للمجهول، والمشهور الأول.

قال الشافعي: التصرية هي ربط أخلاف الشاة أو الناقة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، والمراد بأخلاف الشاة أو الناقة أو البقر، أي: حلمة الثدي تُرْبَط؛ فيجتمع اللبن فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها؛ لِمَا يرى من كثرة لبنها، وأصل التصرية حبس الماء، يقال: ومنه صريت الماء إذا حبستُه.

قال أبو عبيدة، وأكثر أهل اللغة: التصرية حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وإنما اقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر؛ لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم، والحكم واحدٌ يجري على البقر خلافًا لداودِ الظاهري الذي لا يأخذ إلا بالظاهر، إنما ما دامت العلة هي الغشُّ باحتيال أن يجمع اللبن فيظن المشتري أن لبنها كثيرٌ فيشتريها بثمن أكثر، هذا الحكم يسري على الإبل ويسري على الغنم، ويسري على البقر أيضًا.

قوله: ((فمن ابتاعها بعد ذلك))، “ابتاعها” أي: اشتراها بعد التصرية.

قوله: ((بعد أن يحلبها)) ظاهره: أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور، ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا يعرف غالبها إلا بعد الحلب جُعِلَ قيدًا في ثبوت الخيار، لكنه لو علم قبل الحلب بأنها كانت مُصَرَّاة؛ فله أن يرجع في بيعه، وله أن يمسكها، وهو ما يأتي في قوله: ((إن رضيها أمسكها)) فاستُدل بهذا على صحةِ بيع المُصَرَّاة مع ثبوت الخيار. البيع إذًا صحيح، ولو لم يكن صحيحًا لما جاز له أن يمسكها إن رضي بذلك.

وقوله: ((وصاعًا من تمر))، الواو عاطفة على الضمير في ردها، ولكنه يعكر عليه أن الصاع مدفوعٌ ابتداءً لا مردود. ويمكن أن يقال: إنه مجازٌ عن فعل يشمل الأمرين نحو: سَلِّمْهَا أو ادْفَعْهَا كما في قول الشاعر:

عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا

أي: ناولتها، ويمكن أن يقدر فعل آخر يناسب المعطوف أي: رُدَّهَا وسَلِّم، أو أعط صاعًا من تمر، كما قيل: إن التقدير في قول الشاعر المذكور: “وسقيتها ماءً باردًا”، وقيل: يجوز أن تكون الواو بمعنى “مع”، ولكنه يعكر عليه قول جمهور النحاة: إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلًا في المعنى نحو: جئت أنا وزيدًا، وقمت أنا وزيدًا، نعم جعله مفعولًا معه صحيح عند من قال بجواز مصاحبته للمفعول به، وهم القليل.

وقد استُدل بالتنصيص على الصاع من التمر على أنه لا يجوز ردُّ اللبن، ولو كان باقيًا على صفته إنما يرد صاع التمر مقابل اللبن، ولا يلزم البائع قُبُوله لذهاب طراوته، واختلاطه بما تجدَّدَ عند المشتري.

قوله: ((لَقْحَة)) هي الناقة الحلوب، أو التي نتجت.

قوله: ((ثلاثة أيام)) فيه دليلٌ على امتداد الخيار هذا المقدار، فتقيد بهذه الروايات القاضية بأن الخيار بعد الحلب على الفور، فرواية: ((ثلاثة أيام)) أعطت فرصة للخيار كما في قوله: “بعد أن يحلبها”، وإلى هذا ذهب الشافعي والهادي والناصر، وذهب بعض الشافعية: إلى أن الخيار على الفور وحملوا رواية الثلاث على ما إذا لم يعلم أنها مصراة قبل الثلاث، فالواو إنما قالوا: وإنما وقع التنصيص عليها؛ لأن الغالب أنه لا تعلم التصرية فيما قبل ذلك.

واختلفوا في ابتداء الثلاثة أيام، فقيل: من وقت بيان التصرية، وإليه ذهبت الحنابلة، وقيل: من حين العقد، وبه قال الشافعي، وقيل: من وقت التفرق، قال في (الفتح): ويلزم عليه أن يكون الفور أوسع من الثلاث في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ، وأن يفوت المقصود من التوسيع بالمدة.

قوله: ((من تمرٍ لَا سمْرَاء)) لفظ مسلم وأبي داود: ((من طعام لا سمراء))، بدل ((من تمر)) قال: ((من طعام))، وينبغي أن يحمل الطعام على التمر المذكور في هذه الرواية، وفي غيرها من الروايات، ثم لما كان المتبادر من لفظ الطعام القمح نفاه بقوله: ((لا سمراء))، ويشكل على هذا الجمع ما في رواية للبزار بلفظ: ((صاعٍ من بُرٍّ لَا سمراء))، وأجيب عن ذلك بأنه يحتمل أن يكون على وجه الرواية بالمعنى، لما ظن الراوي أن الطعام مساوٍ للبُرِّ عَبَّرَ عنه بالبُر؛ لأن المتبادر من الطعام البر كما سلف في الفطرة.

ويشكل على ذلك الجمع أيضًا ما في (مسند أحمد) بإسناد صحيح، كما قال الحافظ عن رجل من الصحابة بلفظ: ((صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر)) فإن التخيير يقتضي المغايرة، وأجاب عنه في (الفتح) باحتمال أن يكون شكًّا من الراوي، والاحتمال قادحٌ في الاستدلال؛ فينبغي الرجوع إلى الروايات التي لم تختلف.

ويشكل أيضًا ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بلفظ: “ردها ورد معها مِثْل أو مِثْلَيْ لبنها قمحًا” وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر: بأن إسناد هذا الحديث ضعيف، قال: وقال ابن قدامة: إنه متروك.

قوله: “مُحَفَّلة” -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، والفاء المشددة- من التحفيل، وهو التجميع، جمعت اللبن، فحفلت الضرع باللبن. قال أبو عبيدة: سمي بذلك لكون اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثر فقد حفل تقول: ضِرْعٌ حافل، أي: عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل. وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور.

قال في (الفتح): وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة، ولا مخالف لهما في الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلًا كان أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا، وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية، وفي فروعها آخرون. أما الحنفية: فقالوا: لا يُرَدُّ بعيبِ التصرية، ولا يجب رد الصاع من التمر، وخالفهم زُفَر، فقال بقول الجمهور. والراجح في هذه المسألة قول الجمهور، والله أعلم.

error: النص محمي !!