Top
Image Alt

ما جاء في النفقة على البنات والأخوات

  /  ما جاء في النفقة على البنات والأخوات

ما جاء في النفقة على البنات والأخوات

يقول الترمذي: “باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح، عن أيوب بن بشير عن سعيد الأعشى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان، أو أختان فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن فله الجنة)) قال: هذا حديث غريب، وقد روى محمد بن عبيد عن محمد بن عبد العزيز غير حديث بهذا الإسناد، وقال: عن ابن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، والصحيح هو عبيد الله بن أبي بكر بن أنس.

حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يكون لأحدكم ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن إلا دخل الجنة)) قال: وفي الباب عن عائشة وعقبة بن عامر، وأنس وجابر وابن عباس رضي الله عنهم.

قال أبو عيسى: “وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان، وسعد بن أبي وقاص اسمه سعد بن مالك بن وهيب، وقد زادوا في هذا الإسناد رجلًا”. حدثنا العلاء بن مسلمة حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابًا من النار)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وبسنده عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها فسألت فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي بشيء من هذه البنات كن له سترًا من النار)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح”.

ثم قال: وحدثنا محمد بن وزير الواسطي حدثنا محمد بن عبيد هو الطنافسي، حدثنا محمد بن عبد العزيز الراسبي عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عال جاريتين دخلت أنا وهو الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقد روى محمد بن عبيد عن محمد بن عبد العزيز غير حديث بهذا الإسناد، وقال: عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، والصحيح هو عبيد الله بن أبي بكر بن أنس”.

وهذا الحديث وما جاء معه من روايات متعددة يدعو كل مسلم إلى أن يصبر على تربية البنات، وأن يفرح بهن كما يفرح بالبنين، وبين الحديث أن من له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان، فأحسن تربيتهما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأشار صلى الله عليه وسلم بإصبعيه السبابة والوسطى.

و”أو” في قوله: ((أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان)) للتنويع لا للشك.

ومعنى ((أحسن صحبتهن واتقى الله فيهن)) أي: يعاملهن بالمعاملة الطيبة الحسنة ولا ينفر منهن، ولا يظهر لهن البغض بل يحبهن كما يحب الولدان.

وقوله: ((فيحسن إليهن)) وقع في حديث عقبة بن عامر في كتاب (الأدب المفرد) للإمام البخاري ((فصبر عليهن))، وكذا وقع في (سنن ابن ماجه) وزاد ((وأطعمهن وسقاهن وكساهن)).

وفي حديث ابن عباس عند الطبراني ((فأنفق عليهن، وزوجهن، وأحسن أدبهن)).

وفي حديث جابر عند أحمد في (الأدب المفرد) ((يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن)).

وزاد الطبراني فيه ((ويزوجهن)).

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) بعد ذكر هذه الروايات: “وهذه الألفاظ يجمعها كلها لفظ الإحسان”.

أما قوله: وفي الباب عن عائشة، فإن لها حديثين في هذا الباب أخرجهما الترمذي وقد رويناهما، وحديث عقبة بن عامر أخرجه ابن ماجه والبخاري في (الأدب المفرد)، وحديث أنس أخرجه الترمذي في هذا الباب، وحديث جابر أخرجه أحمد والبخاري في (الأدب المفرد) والبزار والطبراني في (الأوسط).

وحديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، كما أخرجه ابن حبان في (صحيحه) من رواية شرحبيل عنه، ورواه الحاكم أيضًا، وقال: صحيح الإسناد، جاء ذلك في كتاب (الترغيب) أي: في (الترغيب والترهيب) للإمام المنذري.

وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان اشتهر بكنيته، له ولأبيه صحبة، واستصغر أبو سعيد الخدري في غزوة أحد، ثم شهد ما بعدها، وكان من الحفاظ المكثرين، ومات سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع رضي الله عنه.

أما سعد بن أبي وقاص، فاسمه سعد بن مالك كما أن أبا سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك، إلا أن الفارق بينهما أن أبا سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان، وسعد بن أبي وقاص اسمه سعد بن مالك بن وهيب، وقد ذكره الترمذي هنا للتفرقة بينهما فقط حتى لا يلتبس أحدهما بالآخر، وسعد بن أبي وقاص هو من أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتخر به النبي صلى الله عليه وسلم لتقواه وصلاحه، ويقول لصحابته عندما يقدم عليهم: ((هذا خالي فليرنِي امرؤ خاله))، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد أسلم قديمًا، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: كنت ثالث الإسلام، وفي رواية: كنت ثلث الإسلام أي: هو الثالث في الذين دخلوا الإسلام، ثم يقول: وأنا أول من رمى بسهم في سبيل الله، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم ومات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام- فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، ودفن بالبقيع في سنة خمس وخمسين من الهجرة المصطفوية”.

أما قوله في الرواية الثانية: ((من ابتلي بشيء من البنات)) بصيغة المجهول، ((ابتلي)) أي: امتحن. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): “اختلف العلماء في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلي بما يصدر منهن؟ يعني: البنات في نفسها ابتلاء، أو الابتلاء مما يصدر منهن من أفعال، فيجب الصبر عليهن، ويجب تأديبهن، وكذلك هل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به؟ قال النووي تبعًا لابن بطال: “إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات عادةً، فجاء الشرع يزجر الناس عن ذلك، ورغب في إبقائهن وترك قتلهن؛ إذ كانوا يقتلونهن في الجاهلية، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت} [التكوير: 8، 9].

فبين صلى الله عليه وسلم ما أعده الله سبحانه وتعالى من الثواب لمن يصبر على البنات، وبين الوعد الحسن من الله لكل من يحسن إليهن، ويجاهد نفسه في الصبر عليهن.

وقال الحافظ العراقي في (شرح الترمذي): “يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي: من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء؟ فهو ابتلاء أي: اختبار، ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى، فإن من لم يتق الله لا يأمن أن يتضجر بما وكله الله إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله -تبارك وتعالى- وتحصيل ثوابه، والله تبارك وتعالى أعلم”.

أما قوله: ((كن له حجابًا من النار)) أي: يكون جزاؤه على ذلك وقاية بينه وبين نار جهنم حائلًا بينه وبينها، وفيه تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن وجزالة الرأي، وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال بخلاف البنات.

قوله: “هذا حديث حسن في سنده العلاء بن مسلمة، وهو متروك، فيكون الحديث في الأصل ضعيفًا، فتحسين الترمذي له لشواهده؛ ولذلك نقول: إن المراد من قوله: هذا حديث حسن. أي: حسن لغيره وليس حسنًا لذاته”.

ثم قالت السيدة عائشة في روايتها: “فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة”، في رواية البخاري “غير تمرة واحدة”. قال الإمام العيني: “فإن قلت: وقع في رواية عراك بن مالك عن عائشة: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت تمرة إلى فيها -يعني إلى فمها- لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها؛ فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها، فأعجبني شأنها …” الحديث أخرجه مسلم، فرواية تقول: أعطيتها تمرة، وهنا تقول: أعطيتها ثلاثة فكيف نجمع بين الروايتين؟

يقول شارح الترمذي: “قلت: قيل: يحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى تمرة واحدة فأعطتها، ثم وجدت ثنتين يعني تمرتين، ويحتمل تعدد القصة فمرة أعطت مسكينة تمرة، ومرة أخرى أعطت مسكينة ثلاث تمرات، تقول: فأعطيتها إياها، الضمير يعود على التمرة، ولم تستحقرها، وذلك يدعو المسلم إلى أن يتصدق ولو بالقليل، فيجود بما عنده ولا ينتظر حتى يكون عنده الكثير؛ قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [الزلزلة: 7]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) والمرأة لم تأكل منها مع أنها جائعة؛ إذ يستبعد أن تكون شبعانة مع جوع ابنتيها.

فأخبرته أي: بما جرى، يعني: السيدة عائشة أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء بقصة المرأة، وكيف أنها رفعت التمرة من فمها، وأعطتها لابنتيها.

زاد في رواية البخاري قال: ((فأحسن إليهن))، يعني لا بد من الإحسان إلى البنات، والإحسان إليهن إنما يكون بتأديبهن بأدب الشرع، ومعنى سترا أي: حجابًا دافعًا من النار أي: واقيًا من دخول النار.

واختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه؟ والظاهر الثاني في الإحسان؛ أنه يؤدي الواجب عليه، ويزيد عليه في البر بهما، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع الحكيم لا ما يخالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن بزوج أو غيره، فيستمر في الإحسان إليهن حتى تستغني البنات عن الحاجة إلى من يعولهن.

قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح، أخرجه أحمد والشيخان والنسائي”.

وفي رواية ((من عال جاريتين)) زاد في رواية مسلم ((حتى تبلغا)).

قال النووي: “معنى عالهما: قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحو ذلك، مأخوذ من العول وهو القرب، ومنه: ((ابدأ بمن تعول)) أشار بهذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)).

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((دخلت أنا وهو الجنة)) أي: أنا والذي عال البنتين أو الثلاث، وأشار بإصبعيه كهاتين السبابة والوسطى، وفي ذلك إشارة إلى علو منزلة من يعول البنتين أو الثلاث، وقرب منزلته في الجنة من منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا فخر ما بعده فخر.  قال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب”.

ومعنى حسن أي: فيه راوٍ صدوق، ومعنى غريب: أنه في طبقة من طبقاته لم يروه إلا واحد، والغرابة تكون أصلية إذا كانت في أصل السند، أي: غرابة تسمى بالغرابة المطلقة إذا كانت في طبقة الصحابة، وإذا كانت فيما بعد الصحابة تسمى غرابة نسبية.

والصحيح عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، كذا رواه مسلم في (صحيحه)، فهذا تصحيح لاسم الراوي ونسبه.

error: النص محمي !!