Top
Image Alt

ما جاء في رحمة الصبيان ورحمة الناس جميعًا

  /  ما جاء في رحمة الصبيان ورحمة الناس جميعًا

ما جاء في رحمة الصبيان ورحمة الناس جميعًا

روى الإمام الترمذي قال: “حدثنا محمد بن مرزوق البصري حدثنا عبيد بن واقد عن زربي قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: “جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا))، فهذا الحديث أعطى حكمين مهمين:

الحكم الأول: رحمة الصغير، وأن يقدر له سنه، وأن يعفى عن أخطائه.

الحكم الثاني: توقير الكبير واحترامه، وتقديم المساعدة له إن احتاج.

ثم قال أبو عيسى: “وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة وابن عباس، وأبي أمامة رضي الله عنهم.

وقال: هذا حديث غريب، وزربي له أحاديث مناكير عن أنس بن مالك وغيره.

وحدثنا أبو بكر محمد بن أبان حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)).

وحدثنا هناد حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق نحوه إلا أنه قال: ((ويعرف حق كبيرنا)).

وحدثنا أبو بكر محمد بن أبان حدثنا يزيد بن هارون عن شريك عن ليث عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر)).

قال أبو عيسى: “هذا حديث غريب، وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث حسن صحيح”، وقد روي عن عبد الله بن عمرو من غير هذا الوجه أيضًا.

قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا)): أي: ليس من سنتنا، وليس من أدبنا.

وقال علي بن المديني: “قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري ينكر هذا التفسير: ليس من ملتنا، أي: إن سفيان الثوري يكره وينكر أن يقال: ((ليس منا)) أي: ليس من ملتنا، بل المراد ليس على سنتنا، وليس على طريقتنا، وليس ملتزمًا لأدبنا؛ فهذا ما رجحه سفيان الثوري وغيره”.

والحديث يدعو إلى رحمة الصغير، واحترام الكبير، والحديث جاء تحت عنوان: رحمة الصبيان وهو ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((صغيرنا)) ورحمة الكبار إشارة في قوله: ((ولم يوقر كبيرنا)).

قال الشارح: ((ليس منا)) أي: ليس على طريقتنا، وهو كناية عن التبرئة، ولكن رجح الكثيرون أنه ليس فيه تبرئة، وإنما من باب التغليظ، ومن باب أنه ليس على هدينا ولا سائرًا على أدبنا، والتوقير هو الاحترام، والاعتراف بالجميل وتقدمة الكبير على الصغير في رواية: ((ولم يعرف شرف كبيرنا))، أي: لم يعرف حق الكبير في الاحترام في السن احترامًا لسنه واحترامًا لعلمه، ولقد جاء في بعض الروايات في غير الترمذي: ((ولم يعرف لعالمنا قدره)) سواء كان كبيرًا أو صغيرًا.

قال الترمذي: “هذا حديث غريب أخرجه أحمد وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث حسن صحيح.

يقول الشارح: فإن قلت: محمد بن إسحاق مدلس فقد روى عن عمرو بن شعيب بالعنعنة، فكيف صحح الترمذي حديثه؟

يرد الشارح فيقول: الظاهر أنه صححه بتعدد طرقه وشواهده، وحديث عمرو بن شعيب هذا أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والبخاري في (الأدب المفرد) وأخرجه الحاكم، وقد روي عن عبد الله بن عمرو من غير هذا الوجه أيضًا، أخرجه أبو داود من طريق ابن أبي شيبة، وابن السرح عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو، أقول: ما دام فيه رجل مدلس وعنعن، فإذا قال الترمذي: حسن صحيح أراد بذلك الصحيح لغيره لا الصحيح لذاته، فإن قوله: حسن يدل على أنه حسن لذاته، ثم تعددت الطرق، فارتقى من الحسن لذاته إلى الصحيح لغيره ولا يرتقي إلى الصحيح لذاته”.

أما ما جاء في رحمة الناس فروى الترمذي بسنده قال: “حدثنا بندار وهو محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا قيس بن أبي حازم، حدثنا جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)). قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن صحيح”، قال: وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو.

ثم قال الترمذي: “وحدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود أخبرنا شعبة قال: كتب به إلي منصور وقرأته عليه أنه سمع أبا عثمان مولى المغيرة بن شعبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي)).

قال: وأبو عثمان الذي روى عن أبي هريرة لا يعرف اسمه يقال: هو والد موسى بن أبي عثمان الذي روى عنه أبو الزناد، وقد روى أبو الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث.

قال أبو عيسى: “هذا حديث حسن”.

وبسنده أيضًا عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله))، وفي رواية البخاري: ((من لا يرحم لا يرحم))، ووقع عند الطبراني: ((من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء))، وفي حديث الأشعث بن قيس عند الطبراني في (الأوسط): ((من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله))، ولهذا عنون بعض العلماء هذا الباب بعنوان: “باب رحمة المسلمين”.

قال ابن بطال: “فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائم، والمملوك منها، وغير المملوك يعني: الرقيق وغير الرقيق، ويدخل في الرحمة التعاون بالإطعام والسقي، والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب”. قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”.

قال الشارح: “وأخرجه البخاري ومسلم، قوله: “وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف” أخرجه -حديث ابن عوف- الترمذي في باب قطيعة الرحم، “وأبي سعيد” -الخدري- أخرجه الترمذي في باب الرياء والسمعة من أبواب الزهد، وحديث “ابن عمر” أخرجه أحمد، وحديث “أبي هريرة” أخرجه الترمذي في هذا الباب، وحديث “عبد الله بن عمرو” أخرجه أيضًا الترمذي في هذا الباب”.

أما قوله: في كتاب وقرأته عليه، أي: قرأت الحديث على منصور والمعنى: أن منصورًا كتب الحديث إلى شعبة أولًا ثم لقيه شعبة وقرأ الحديث عليه، سمع أي: منصور سمع منه: ((لا تنزع الرحمة))، “تنزع” بالمبني للمجهول، والرحمة نائب فاعل، ومعنى تنزع أي: تسلب الشفقة، والمراد بالرحمة الشفقة على خلق الله، ومنهم نفسه التي هي أولى بالشفقة والمرحمة عليها من غيرها، بل فائدة شفقته على غيره راجعة إلى شفقته على نفسه؛ لقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7].

وقوله: ((إلا من شقي))، قال الطيبي: “لأن الرحمة في الخلق رقة في القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له فهو شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي”.

قال الترمذي: “هذا حديث حسن وأخرجه أحمد والبخاري في (الأدب المفرد)، وأخرجه أبو داود وابن حبان في (صحيحه)، وأخرجه الحاكم في (مستدركه)”. قال المناوي: “إسناده صحيح”.

وقوله في الرواية الأخيرة: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) في قوله: ((الراحمون)) لمن في الأرض من آدمي، وحيوان محترم بنحو شفقة وإحسان ومواساة.

((يرحمهم الرحمن)) أي: يحسن إليهم، ويتفضل عليهم، والرحمة هنا مقيدة باتباع الكتاب والسنة، فإقامة الحدود والانتقام لحرمة الله لا ينافي كل منهما أنه رحمة.

((ارحموا من في الأرض))، قال الطيبي: “أتى بصيغة العموم؛ ليشمل جميع أصناف الخلق، فيرحم البر والفاجر والناطق والبُهْم والوحوش والطير”. انتهى.

وفيه إشارة إلى أن إيراد “من” لتغليب ذوي العقول؛ لشرفهم على غيرهم، أو المشاكلة.

والمقابلة في قوله: ((يرحمكم من في السماء)) وهو مجزوم على جواب الأمر أي: الله -تبارك وتعالى- وقيل: المراد: من سكن فيها، وهم الملائكة؛ فإنهم يستغفرون للمؤمنين؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم} [غافر: 7].

وفي (السراج المنير) وقد روي بلفظ: ((ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء)) والمراد بأهل السماء الملائكة، ومعنى رحمتهم لأهل الأرض: دعاؤهم لهم بالرحمة والمغفرة كما قال تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.

((الرحم شجنة)) أصل الشجنة: عروق الشجر المشتبكة، والشجن بالتحريك: واحد الشجون، وهي طرق الأودية.

ومنه قولهم: الحديث ذو شجون أي: يدخل بعضه في بعض.

((من الرحمن)) أي: أخذ اسمها من هذا الاسم، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعًا: ((أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي))، والمعنى: أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى.

وقال الإسماعيلي: “معنى الحديث: أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به عُلْقَة، وليس معناه أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا”. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري).

وقوله: “هذا حديث حسن صحيح”.

قال الشارح: “وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والحاكم”.

واعلم أن هذا الحديث هو الحديث المسلسل بالأولية.

قال ابن الصلاح في (مقدمته): “قلما تسلم المسلسلات من ضعف، يعني: في وصفه للتسلسل لا في أصل المتن، ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده وذلك نقص فيه، وهو كالمسلسل بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح في ذلك”.

error: النص محمي !!