Top
Image Alt

ما جاء في رضاعة الكبير، وهل رضاعة الكبير يثبت بها التحريم

  /  ما جاء في رضاعة الكبير، وهل رضاعة الكبير يثبت بها التحريم

ما جاء في رضاعة الكبير، وهل رضاعة الكبير يثبت بها التحريم

هذه المسألة تحتاج منَّا إلى توضيح دقيق وإلى إطناب فيها؛ حيث نجمع الآراء والأحاديث الواردة في هذه المسألة بالذات، وندّققها تدقيقًا سليمًا، ونرجح الرأي الراجح فيها.

مدّة الرضاعة التي يثبت فيها التحريم:

وقد جاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم تنصّ على ذلك، فعن أم سلمة رضي الله  عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا يحرم من الرضاعة إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام)) هذا الحديث حديث واضح، يُبين فيه صلى الله عليه  وسلم أن الرضاعة التي يثبت بها التحريم هي التي تشقّ وتوسّع أمعاء الطفل، وتكون وحدها غذاءً كالطعام للكبار، وتكون في زمن الرضاع، أي: قبل سن الفطام الشرعي، وهو تمام الحولين، أما ما بعد ذلك فلا يثبت به التحريم، وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يُحرّم)) بتشديد الراء المكسورة، أي: لا يثبت التحريم بالرضاع، ((إلّا ما فتق الأمعاء)) أي: الذي شقَّ أمعاء الصبي كالطعام، ووقع منه موقع الغذاء، وذلك أن يكون في أواني الرضاع، وكلمة الأمعاء جمع معن، وهو موضع الطعام من البطن، وقوله: ((في الثدي)) أي: كائنًا في الثدي، فائضًا منه، سواء بالارتضاع أو غيره.

ومن الأدلة في هذه المسألة أيضًا الحديث المشهور ((إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له ظئرين يكملان رضاعه في الجنة)) وقوله: ((قبل الفطام)) أي: قبل زمن الفطام الشرعي، قال الترمذي عقب روايته لهذا الحديث: “والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم وغيرهم، أنّ الرضاعة لا تُحرّم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا”.

الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله  عنها قالت: ((دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وعندي رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن ما إخوانكنّ)) ومرة أخرى قال: ((انظرن من إخوانكنّ من الرضاعة، فإن الرضاعة من المجاعة)) دخل النبي صلى الله عليه  وسلم على السيدة عائشة فوجد ضيفًا في بيتها وهي جالسة بحضرته، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه  وسلم وظهر أثر ذلك على وجهه، وإن لم يصرّح به تأدبًا، فبيّنت له السيدة عائشة سبب السماحة له بالدخول، وهو كونه أخاها من الرضاعة، ولمّا كان الأمر يتعلّق بالحلال والحرام بيَّن لها النبي صلى الله عليه  وسلم أنّ الرضاعة المحرمة هي ما كانت في الصغر، وقت أن كان اللبن يسدّ جوع الطفل.

قال ابن حجر: “لم أقف على اسم الرجل، وأظنّه ابنًا لأبي القعيس”، أمّا قوله: ((فاشتدَّ ذلك عليه))، وفي رواية البخاري ((فكأنه تغيّر وجهه كأنه كره ذلك))، وقوله: ((ما إخوانكم)) وهي أوجه، والمعنى: تأمّلن ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح بشرط من وقوعه في زمن الرضاعة ومقدار الارتضاع، إلى آخره، وسبب قوله هذا خشية أن يكون رضاعة ذلك الشخص كانت في حالة الكبر.

أمّا قوله -صلى الله عليه  وسلم: ((فإن الرضاعة من المجاعة)) معناه: أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة، هي ما كان في الصغر، والرضيع طفل، يقوته اللبن ويسدّ جوعه، وأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يسدّ جوعه اللبن، ولا يُشبعه إلّا الخبز واللحم، وما في معناهما، فلا حرمة فيه.

وبهذا استدلّ جمهور الأمة الإسلامية بهذه الأحاديث، على أنّ الرضاعة المحرِّمة هي ما كانت في الصغر، أي: في مدة الرضاعة، واختلفوا فيما بينهم في أقصى مدة الرضاعة، قال صاحب (عون المعبود): “وأحاديث الباب تدلّ على ألّا يحرّم من الرضاع إلّا ما كان في حال الصغر؛ لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن”، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء، وإنما اختلفوا في تحديد الصغر، فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين، فإن رضاعه يحرم، لا يحرم ما كان بعدهما، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد، واحتجوا بقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] قالوا: فدلّ على أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها، ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة.

وقال أبو حنيفة: حولان وستة أشهر، وخالفه صاحبه، وقال زفر بن الهذيل: ثلاث سنين، ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين، إذا كانت يسيرًا حُكم الحولين.

قلت: وما ذهب إليه أبو حنيفة من تحديد مدة الرضاعة بحولين وستة أشهر، إنما ذهب أبو حنيفة إلى ذلك احتياطًا منه؛ لقول الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}

 [الأحقاف: 15] فقد نُقِلَ عنه أنه كان يقول: “يحرم ما كان في الحولين، وبعدهما تمام ستة أشهر، وذلك ثلاثون شهرًا، ولا يحرم ما كان بعد ذلك”.

قلت: والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن مدة الرضاعة أقصاها حولان فقط، وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة تنص على ذلك، منها:

عن ابن عباس رضي الله  عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا رضاع إلا في الحولين))، ومنها: عن مالك عن يحيى بن سعيد أنّ رجلًا سأل أبا موسى الأشعري فقال: ((إني مصصت عن امرأتي من ثدييها لبنًا، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا أراها إلّا قد حَرمت عليك، فقال عبد الله بن مسعود: انظر ماذا تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فماذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلّا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم )) يقصد عبد الله بن مسعود. وفي رواية: ((فأخذ ابن مسعود بيدي الرجل وقال لأبي موسى: أرضيعًا ترى هذا! إنما الرضاع ما أنبت اللحم والدم)).

ومنها ما أخرجه عبد الرزاق في مصنّفه، وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: سئل ابن عمر وابن عباس عن الرضاع بعد الحولين، فقرأ قول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ} [البقرة: 233] ولا نرى رضاعًا بعد الحولين يُحرم شيئًا. ومنها أيضًا: عن ابن عمر رضي الله  عنهما أنه قال: ((لا يُحرّم من الرضاع إلّا ما كان في الصغر))، ومنها أيضًا عن عمر رضي الله  عنه قال: ((لا رضاع إلّا في الحولين)).

أقول: والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة جدًّا، فننتقل للمسألة الأساسية وهي رضاعة الكبير، هل يثبت بها التحريم أم لا؟ فكل هذه الأحاديث تُثبت بدلالة صحيحة أنّ مدة الرضاعة التي يكون فيها التحريم، إنما هي في الحولين اللذين ورد ذكرهما في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233].

كما أيّد هذا الرأي أحاديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم في هذا الباب، فقد ذكرت أحاديث كثيرة تثبت ذلك، أن المدة التي يثبت فيها التحريم هي التي تكون في الحولين، وبناءً عليه، فإن الأمة الإسلامية أجمعت على أن رضاعة الكبير لا يثبت بها التحريم، ولا أثر لها، واستدلُّوا على ذلك بما سبق من الأحاديث السابقة التي ذكرتها آنفًا، والآيات التي تنصّ صراحة على أن مدة الرضاعة التي تُحرم ما كانت في الحولين.

error: النص محمي !!