Top
Image Alt

ما جاء في شارب الخمر

  /  ما جاء في شارب الخمر

ما جاء في شارب الخمر

يقول الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى: “حدثنا يحيى بن درست، أبو زكريا البصري، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهماقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة))”.

هذا الحديث في تحريم شرب الخمر، والخمر حرمت في الإسلام على مراحل أي: بالتدريج؛ لأنه يوم أن جاء الإسلام كانت الخمر في كل بيت من بيوت العرب، وفي كل دار من دور المدينة، ولا يستثنى إلا القليل من الذين لم يشربوا الخمر، فلم تحرم مرة واحدة، وإنما حرمت على مرات، كرَّه الله فيها أولًا، ونفر منها، وطالب بالابتعاد عنها.

فقال تعالى في أول الأمر: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67]، فجعل المسكر في مقابلة الشيء الحسن، فدل ذلك على خبثها؛ لتنفر منها النفوس، وتكرهها الطباع السليمة، ثم بعد ذلك كان قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219].

والعاقل يبتعد عن ما فيه إثم كبير، ثم بعد ذلك حرمت بعض الوقت حتى تتدرب النفوس على تركها بالكلية، فحرمت في أوقات الصلاة، أي: لا يحل لمسلم أن يصلي وهو سكران، وما دام الأمر كذلك والصلاة خمس مرات، فسيتوقف في كل يوم على الأقل خمس ساعات عن شربها؛ ليكون واعيًا لما يقرأ وما يقول قبل أن يدخل في الصلاة بمدة، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}[النساء: 43].

فلما تدربت النفوس على إمكانية الابتعاد عن الخمر كان التحريم القاطع في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، قالوا: قد اجتنبنا، قد اجتنبنا، وكان التحريم النهائي للخمر، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة))، زيادة على عقوبته في الدنيا من حد الشرب الذي يقام على من يشرب الخمر.

والخمر سميت بالخمر، إما من أنها تخامر العقل، أي: تخالطه وتفسده، أو أنها أيضًا من الخمار بمعنى: الغطاء فإنها تغطي العقل.

قول الترمذي: “حدثنا يحيى بن دُرُست”، بضم الدال والراء المهملتين، وسكون السين المهملة، هو ابن زياد البصري، وهو ثقة، روى عن حماد بن زيد وإسماعيل القَنَّاد، وروى عنه الترمذي والنسائي، وابن ماجه وغيرهم.

أما قوله: ((كل مسكر خمر)) فيه دليل على أن كل مسكر يسمى خمرًا، وهو مذهب الجمهور، وهو القول المنصور، وهو القول الراجح في أن كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام.

قال النووي: “فيه تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأن كلها تسمى خمرًا، سواء في ذلك الفضيخ، ونبيذ التمر -والفضيخ أي: التمر عندما تشدخ- والرطب والبسر، والزبيب، والشعير، والذرة، والعسل، وغيرها، كل ما أسكر فهو خمر، وهو حرام، هذا هو مذهب الجمهور، ومذهب الأمة، وهو الراجح”، يقول النووي -رحمه الله تعالى: “هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد والجماهير، من السلف والخلف”.

((فمات وهو يدمنها)) أي: يداوم على شربها؛ بأن لم يتب منها، ولم يبتعد عنها حتى مات على ذلك. قال صاحب (القاموس): “أدمن الشيء: أدامه”، فمعنى الإدمان: الإدامة.

فجزاؤه في الآخرة: ((لم يشربها في الآخرة)) إذًا هو قد لا يدخل الجنة؛ لأن من يدخل الجنة يشرب فيها خمرًا؛ قال تعالى عنها: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُون} [الصافات: 47]، أي: لا يدفعون عنها، أي: لا يمتنعون من شربها في الآخرة، ولا هم عنها ينزِفون، أي: إنها لا تسكرهم؛ فإنها خمر لا غول فيها، أي: لا تغتال العقول كخمر الدنيا.

وفي رواية لمسلم: ((من شرب الخمر في الدنيا فلم يتب منها، حرمها في الآخرة))، قال النووي: “معناه: أنه يحرم شربها في الجنة، وإن دخلها، فإنها من فاخر شراب الجنة، فيمنع منها العاصي بشربها في الدنيا، قيل: إنه ينسى شهوتها؛ لأن الجنة فيها كل ما يشتهى فينسى شهوتها. وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها. ويكون هذا نقص نعيم في حقه تمييزًا بينه وبين تارك شربها”.

وفي هذا الحديث دليل على أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر، وهذا أمر مجمع عليه عند الأمة، وقال الإمام الجزري في (النهاية): “هذا من باب التعليق في البيان، أراد أنه لم يدخل الجنة؛ لأن الخمر من شراب أهل الجنة، فإذا لم يشربها في الآخرة لم يكن قد دخل الجنة، وكذلك قال الإمام الخطابي، والإمام البغوي”.

ثم يقول شارح الترمذي: “والأولى عندي أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لم يشربها في الآخرة))، على ظاهره، ففي إحدى روايات البيهقي: ((من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب لم يشربها في الآخرة، وإن دخل الجنة))، أي: سيدخل الجنة، ولكن لن يشرب فيها الخمر.

أما الإمام الجزري فيقول: “إن في الحديث إشارة إلى أنه لن يدخل الجنة؛ لأن من يدخل الجنة يتمتع بكل ما فيها”.

وروى الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمر ورفعه: ((من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة))؛ فهذا الحديث يؤيد الرأي الذي قال: “إنه من الممكن أن يدخل الجنة، ولكن يحرم من ألذ شراب فيها؛ ألا وهو شرب الخمر”.

وفي حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو)). أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان.

قال ابن العربي: “ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة، ولا يلبَس الحرير فيها؛ وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره، ووعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث فإنه إذا قتل مُورثهُ؛ فإنه يحرم من ميراثه لاستعجاله، وبهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء”.

وقال الإمام القرطبي: “ظاهر الحديث تأييد التحريم، فإن دخل الجنة شرب من جميع أشربتها إلا الخمر، ومع ذلك فلا يتألم لعدم شربها، ولا يحسد من يشربها، ويكون حاله كحال أصحاب المنازل في الخفض والرفعة، فكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، لا يشتهيها أيضًا، وليس ذلك بعقوبة له”.

هذا الحديث قال عنه الترمذي: “وفي الباب عن أبي هريرة –أي: حديث تحريم الخمر- ورد أيضًا، وورد عن أبي سعيد، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وعبادة، وأبي مالك الأشعري.

أما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي”، وعنه في الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب). وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد، والطبراني عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة، ومن مات من أمتي وهو يتحلى الذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة)). قال المنذري: “رواه أحمد ورواته ثقات.

وأما حديث عبادة: فأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر، ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم واتخاذهم القَيْنات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير)).

وأما حديث أبي مالك الأشعري: فأخرجه ابن ماجه، وابن حبان في (صحيحه) عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رءوسهم بالمعازف والقَيْنات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير)).

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فأخرجه أحمد عن ابن المنكدر، قال: حُدثت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن))”. قال المنذري: “رواه أحمد هكذا ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن حبان في (صحيحه) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن))”.

وفي الباب أحاديث أخر عن عدة من الصحابة غير الذين ذكرهم الترمذي، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى (الترغيب والترهيب) للمنذري.

وقال الترمذي: “حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر موقوفًا ولم يرفعه”.

أما قوله: “حديث ابن عمر حديث حسن صحيح”. فقد علق الشارح على ذلك فقال: “أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والنسائي”. وهذا الحديث وإن كان ابن عمر وقف عليه مرة؛ فإنه موقوف له حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال فيه بالرأي، إنما لا بد أن يكون أخذه من المشرع صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول الترمذي: “وحدثنا قتيبة –أي: قتيبة بن سعيد- حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد الله عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخبال))، قيل: يا أبا عبد الرحمن، وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار. قال أبو عيسى -أي: الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.

في رواية الترمذي عبد الله بن عبيد بن عمير، بالتصغير، هو الليثي الجندعي، المكي، روى عن أبيه وعن ابن عمر، وروى عنه بديل بن ميسرة وغيره، وثقه أبو حاتم، قال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث عشرة ومائة، روى عن أبيه عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك الإمام مسلم، وعدَّه غيره في كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة، مجمعًا على ثقته.

والحديث يتحدث عن أن شارب الخمر إذا شرب مرة لا يقبل الله منه صلاة أربعين صباحًا، وقد خصت الصلاة لمكانتها؛ ولأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فصلاته لا فائدة فيها، قال ذلك الشارح، قال: وخص الصلاة بالذكر؛ لأنها سبب حرمتها، أو لأنها – أي: الخمر- أم الخبائث، على ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، كما أن الصلاة أم العبادات كما قال الله تعالى:{إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}[العنكبوت: 45]، وقيل: إنما خص الصلاة بالذكر؛ لأنها أفضل عبادات البدن، فلأن لا يقبل منها عبادة أصلًا كان أولى.

والمتبادر إلى الفهم من قوله: ((أربعين صباحًا))، أن المراد صلاة الصبح وهي أفضل الصلوات، ويحتمل أن يراد به اليوم كله، أي: صلاة أربعين يومًا، وعبر عن الكل بالجزء.

((فإن تاب)) يعني من شرب الخمر بالإقلاع والندامة؛ ((تاب الله عليه))، أي: قبل توبته. ((فإن عاد))، أي: إلى شربها، إلى المرة الرابعة فإن الله سبحانه وتعالى لم يتب عليه، يحرم من التوبة؛ لأنه متردد ومتلاعب بالتوبة، فقوله: ((فإن عاد الرابعة)) أي: رجع الرجعة الرابعة، ((فإن تاب لم يتب الله عليه))، هذا مبالغة في الوعيد والزجر الشديد، وإلا فقد ورد ((ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة))، رواه أبو داود، والترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه”.

أقول: “ولا تعارض؛ لأن الذي يقول عنه الحديث: ((وإن عاد في اليوم سبعين مرة))، هو صادق عازم عند ترك ذلك الفعل وعند توبته وإقلاعه عن الذنب، ولكن تغلبه نفسه؛ ولكنه عند التوبة كان عازمًا عزمًا أكيدًا على ألا يعود إلى الذنب، بخلاف هذا الذي معنا في الحديث الذي تكرر منه العودة إلى الخمر، فهو متلاعب بذلك، فإن شرب في الرابعة، ((سقاه الله سبحانه وتعالى من نهر الخبال))، والمعنى: أن صديد أهل النار لكثرته يصير جاريًّا كالأنهار ويسقيه الله منه جزاءً وفاقًا لشربه الخمر في الدنيا.

قال الترمذي: “هذا حديث حسن”. يقول الشارح: “وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه النسائي موقوفًا على ابن عمر مختصرًا ولفظه: ((من شرب الخمر فلم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافرًا، وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، وإن مات فيها مات كافرًا))، يعني: مجرد شرب الخمر من غير شعوره بالانتشاء بالخمر لا تقبل له صلاة، ولو مات في هذه الحالة يموت كافرًا، فإن تمكنت منه الخمر لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، وإن مات أيضًا وهو على هذه الحالة مات كافرًا والعياذ بالله.

وقوله: وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو أخرجه النسائي ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من شرب الخمر فجعلها في بطنه؛ لم تقبل منه صلاة سبعًا، وإن مات فيها مات كافرًا، فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض- وفي رواية: عن شيء من القرآن- لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا، وإن مات فيها مات كافرًا))، رواه ابن عباس وأخرجه أيضًا أبو داود”.

error: النص محمي !!