Top
Image Alt

ما جاء في قبول هدايا الكفار والإهداء إليهم

  /  ما جاء في قبول هدايا الكفار والإهداء إليهم

ما جاء في قبول هدايا الكفار والإهداء إليهم

وردت أحاديث عديدة تدل على جواز قبول الهدية من المشركين، ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله  عنه: “أن أُكَيْدِر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه  وسلم جُبَّةَ سُنْدُسٍ ” وعند مسلم من حديث علي رضي الله  عنه: أن أُكَيْدِر دومة أهدى للنبي صلى الله عليه  وسلم ثوب حرير، فأعطاها عليًّا، فقال: ((شَقِّقْه خُمرًا بين الفواطم)).

وفي ضوء هذين الحديثين الشريفين يتبين لنا جواز قبول الهدية من الكفار والمشركين وأُكَيْدِر هذا هو تصغير أكدر، ودومة بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك، بها نخل وزرع وحصن، على عشر مراحل من المدينة، وثمان من دمشق، وكان أكيدر هذا ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك، وكان نصرانيًّا، وقد أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثوب حرير، لكن الرسول صلى الله عليه  وسلم أعطاها لعلي رضي الله  عنه وقال له: ((شققه خمرًا بين الفواطم)) ومعنى هذه الجملة: الخُمُر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والفواطم: قال أبو محمد بن قتيبة: المراد بالفواطم: فاطمة بنت محمد؛ أي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه  وسلم وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة علي. قال: ولا أعرف الثالثة.

ومما يدل على قبول الهدية من المشركين أيضًا حديث أنس رضي الله  عنه: “أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه  وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ قال: ((لا))” وقصة هذه الشاة معروفة، وقد أهدتها هذه المرأة اليهودية إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

وهذه الأحاديث وغيرها تدل على جواز قبول الهدية من الكافر؛ ولكن هناك حديث يعارض هذه الأحاديث، وظاهره يعارض ما سبق، وهو حديث عياض: “أنه روى أنه أهدى للنبي صلى الله عليه  وسلم هدية أو ناقة؛ فقال له النبي صلى الله عليه  وسلم: ((أسلمت؟ قال: لا، قال: إني نُهِيتُ عن زَبْد المشركين)) ومعنى كلمة الزبْد أي: الرَّفْد؛ أي عطايا المشركين”؛ فهذا الحديث يعارض ما تقدم من قبول النبي صلى الله عليه  وسلم لهدية المشركين.

وقد تحدث العلماء في الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث السابقة، فقال الإمام الخطابي -رحمه الله-: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخًا لأن النبيصلى الله عليه  وسلم قد قبل هدية غير واحد من المشركين، وقيل: إنما ردها صلى الله عليه  وسلم على هذا الرجل بالذات ليغيظه، فيحمله ذلك على الإسلام، وقيل: ردها صلى الله عليه  وسلم لأن للهدية موضعًا من القلب، ولا يجوز أن يميل إليه بقلبه، فردها صلى الله عليه  وسلم قطعًا لسبب الميل، وليس ذلك مناقضًا لقبول هدية النجاشي، وأكيدر دومة، والمقوقس؛ لأنهم أهل كتاب، كذا قال في (النهاية).

وجمع الطبري بين الأحاديث فقال: الامتناع فيما أهدي له خاصة؛ بمعنى أن الرسول صلى الله عليه  وسلم امتنع عن قبول هدية بعض المشركين لكون هذه الهدية كانت لرسول الله صلى الله عليه  وسلم خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، ولكن هذا الكلام فيه نظر.

وجمع غير الطبري بين هذه الأحاديث بقوله: إن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، قال ابن حجر -رحمه الله-: وهذا أقوى مما قبله. أي لعل هذا القول هو أقوى مما تقدم في أن الرسول صلى الله عليه  وسلم كان يرد هدية من يريد أن يتودد إلى رسول اللهصلى الله عليه  وسلم، أما الرسول صلى الله عليه  وسلم فكان يقبل هدية بعض المشركين لكونه صلى الله عليه  وسلم كان يرجو بذلك تأليف قلبه إلى الإسلام. هذا ما ورد في شأن قبول الهدية من المشركين.

أما بشأن الإهداء إلى المشركين:

وهل يجوز للمسلم أن يهدي إلى غير المسلمين، فقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه  وسلم تبين هذا الموضوع، وهي أحاديث تدل على جواز الإهداء إلى المشركين أيضًا، منها ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله  عنهما قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي صلى الله عليه  وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد. فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)) فأتي رسول الله صلى الله عليه  وسلم منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلْتَ ما قلت فيها يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه  وسلم: ((إني لم أكسكها لتلبسها)) أي لم أمنحها إياك يا عمر بقصد أن تلبسها ((وإنما أردت أن تبيعها أو تكسوها)) فإذا بعمر يرسل بهذه الحلة التي كانت من حرير إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم.

هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه يبين لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه رأى رجلًا في السوق، هذا الرجل يبيع حلة، فأعجب بها عمر، وتمنى أن تكون هذه الحلة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم .

والحلة إزار ورداء، كما قال أبو عبيد، وقال ابن الأثير: إذا كانا من جنس واحد، والمعنى أن الحلة ثوب من طبقتين من جنس واحد.

فقال عمر للنبي صلى الله عليه  وسلم: ابتع هذه الحلة. أي اشترِ هذه الحلة؛ حتى تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد. فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)) لأجل أن هذه الحلة كانت من حرير، ومن المعروف أن الحرير والذهب حرام على ذكور الأمة، وحلال لإناثها، فالنبي صلى الله عليه  وسلم رفض أن يلبس هذه الحلة التي كانت من الحرير، لكن أهدى بعض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم بعد ذلك حُللًا، فإذا برسول الله صلى الله عليه  وسلم يرسل إلى عمر منها بحلة، فتُعْجب عمر وقال: كيف ألبسها يا رسول الله، وقد قلت فيها ما قلت؟ أي يوم أن قلت لك: ابتع هذه الحلة يا رسول الله لتلبسها، فكيف تبيحها لي يا رسول الله وكيف ألبسها، وأنت قلت: إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة؟ ومعنى ((لا خلاق له)): الخلاق هو النصيب، كما قال ابن حجر، وقيل: الخلاق: الحظ، وهو المراد هنا، أي إنما يلبس هذا الثياب من الحرير من لا نصيب له في الآخرة أو من لا حظ له في الآخرة.

فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت ما قلت فيها يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه  وسلم: ((إني لم أكسُكَها لتلبسها)) أي: لم أمنحها إياك يا عمر بقصد أن تلبسها، ((وإنما أردت أن تبيعها أو تكسوها)) فإذا بعمر يرسل بهذه الحلة، التي كانت من حرير إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم، وهذا هو الشاهد في الحديث، فقوله: “أرسل عمر” أي أهدى عمر هذه الحلة إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم، وهذا يدل على جواز الإهداء إلى غير المسلمين.

قال النووي: وقوله: “فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم” هذا يشعر بأنه أسلم بعد ذلك. قال ابن حجر: ” ولم أقف على تسمية هذا الأخ ” يقصد أخا عمر، وقيل: إن اسم هذا الأخ عثمان بن حكيم، وكان أخا عمر من أمه، وأمهما خيثمة بنت هشام بن المغيرة، فهذا الحديث يدل على جواز الإهداء إلى المشركين.

وحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله  عنهما قالت: قدمت علي أمي، وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه  وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه  وسلم قلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: ((نعم، صلي أمك)).

 فقول أسماء: “قدمت علي أمي، وهي مشركة في عهد رسول الله”، في رواية حاتم: “في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه  وسلم” أراد بذلك ما بين الحديبية والفتح، وفي هذين الحديثين السابقين دليل على جواز الإهداء إلى المشركين.

ولكن قلنا سابقًا: إن الهدية تجلب المودة، وهل هناك مودة بين المسلم وغير المسلم من المشركين، وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]؟!

قال المحققون: إن البر والإحسان لا يستلزمان التحابب والتواد المنهي عنه، فرسول الله صلى الله عليه  وسلم في هذا الهدي النبوي يحث أسماء أن تصل وأن تحسن أمها، لكن هذا لا يستلزم المودة والمحبة لكونها مشركة، وهذا كله إذا ما كان المشرك أو غير المسلم غير محارب، ولا يعلن العداء والحرب للمسلمين، أما إذا كان هذا المشرك أو الكافر معلنًا الحرب والعداء للمسلمين ففي ذلك الوقت لا يجوز الإهداء إليه.

error: النص محمي !!