Top
Image Alt

ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

  /  ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

الشرب في آنية الذهب والفضة نهى عنه الإسلام للرجال وللنساء.

نعم للمرأة أن تتحلى بالذهب والفضة، أما أن تشرب في أواني الذهب والفضة فهذا محرم عليها، كما هو محرم على الرجال؛ لأن في ذلك تكبرًا وتعاليًا على خلق الله أولًا، وفيه احتقار للنعمة الكبرى من الله سبحانه وتعالى وهي الذهب والفضة، وأيضًا الذهب والفضة جعلهما الله مالًا تقوم بهما الحياة، فلو استغلهما الناس في صناعة الأواني للأكل والشرب، فإنهم بذلك يهلكون المال، ولا يبقى لهم مال، ومن هنا جاء هذا الباب في صحيح الترمذي وفي غيره: باب “ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة” وجاء في ذلك حديث شديد في البخاري قال صلى الله عليه وسلم: ((الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم))، وتجوز روايته بضم نار: ((إنما يجرجر في بطنه نارُ جهنم))، أي: هو الذي يجر النار إلى بطنه، أو أن نار جهنم تجرجر في بطنه.

ورواية الترمذي في ذلك: حدثنا محمد بن بندار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم قال: “سمعت ابن أبي ليلى يحدث أن حذيفة استسقى، فأتاه إنسان بإناء من فضة فرماه به وقال: إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير والديباج، وقال: هي لهم -أي: لغير المسلمين- في الدنيا، ولكم في الآخرة))”.

وقد سبق أن قلنا: “إن من يلبس الحرير في الدنيا لا يلبسه في الآخرة، ومن يشرب الخمر في الدنيا لا يشربها في الآخرة.

وأبو حذيفة لما طلب أن يشرب أتاه إنسان بإناء من فضة، فرماه به -أي: ألقاه عليه وضربه به- هذا أمر قد يقال: إنه غير مقبول من الصحابي؛ لأن الصحابة أعلى الناس أخلاقًا، فكيف يفعل أبو حذيفة ذلك، ويضرب هذا الإنسان بذلك الإناء؟

أقول: من أجل ذلك أبان حذيفة السبب؛ فقال: نهيته عن ذلك مرارًا، فأبى إلا أن يأتيني بإناء من فضة فلا بد أن يُردع، فرماه به، وبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم الشرب في هذا الإناء سواء كان من فضة، أو كان من ذهب.

قوله: “حدثنا بندار” هو محمد بن بشار، يقول: “سمعت ابن أبي ليلى” هو عبد الرحمن بن أبي ليلى.

والترمذي بعدما روى هذا الحديث قال: “وفي الباب عن أم سلمة والبراء وعائشة”، أي: البراء بن عازب، والسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم قال: “هذا حديث حسن صحيح”.

وفي الحديث: “إن حذيفة استسقى” السين والتاء للطلب، أي: طلب أن يُسقى، وفي رواية البخاري: “كان حذيفة بالمدائن فاستسقى”، والمدائن اسم بلفظ الجمع، وهو بلد عظيم على دجلة، بينها وبين بغداد سبعة فراسخ، وكان حذيفة رضي الله عنه عاملًا عليها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم في خلافة عثمان رضي الله عنه إلى أن قتل عثمان، فأتاه إنسان وفي رواية للبخاري: “فأتاه دهقان”، وفي رواية أخرى له: “فسقاه مجوسي”.

قال الحافظ: “لم أقف على اسمه بعد البحث، فرماه به، وفي رواية: فرمى به في وجهه، وقال: إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي، وفي رواية للبخاري، فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته؛ ليُظهر العلة في غضبه.

وقوله: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة)) كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب، ووقع عند الإمام أحمد في (المسند) عن طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى بلفظ: ((نهى أن يُشرب في آنية الذهب والفضة، وأن يؤكل فيها، ولبس الحرير والديباج))، والديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم، وهو فارسي معرب، وقد تفتح داله، ويجمع على ديباج وديابيج بالياء والباء؛ لأن أصله دباج، قيل: الديباج نوع من الحرير مختص بهذا الاسم، فتخصيصه لئلا يتوهم عدم دخوله فيه، وقال أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي لهم -أي: للكفار- في الدنيا، ولكم في الآخرة))، وليس المراد بقوله: ((هي لهم في الدنيا)) إباحة استعمالهم له، بل سيعذبون عليها، وإنما المعنى هم الذين يستعملونها مخالفة لزي المسلمين، وكذا قوله: ((ولكم في الآخرة)) أي: تستعملونها مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويُمنع أولئك جزاء لهم على معصيتهم في الدنيا باستعمالها، قال ذلك الإسماعيلي”.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): “ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما في شرب الخمر، هذا إذا دخل الجنة، أو أنه يُحرم من دخول الجنة، فيكون ذلك إشارة إلى أن متعاطي ذلك لن يدخل الجنة”.

أقول: “ولبس الحرير واستعمال الذهب يجوز عند الضرورة، فيجوز استعمال الذهب للتداوي للرجال؛ فلقد ثبت أن عرفجة رضي الله عنه قطعت أنفه في غزوة من غزوات المسلمين فاتخذها من حديد فأنتنت، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((اتخذها من فضة)) فاتخذها من فضة فأنتنت، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((اتخذها من ذهب)) فاتخذها من ذهب؛ وذلك لضرورة طبية، وكذلك الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنهما لما حرم الله ورسوله لبس الحرير على الرجال، لبسا الصوف، فحدثت لهما حكة في جسديهما فشكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فأباح لهما لبس الحرير، إذًا يجوز للضرورة.

ثم قال: في الباب عن أم سلمة والبراء وعائشة، أما حديث أم سلمة فأخرجه الشيخان عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم))، وفي رواية لمسلم: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب …)) كذا في (المشكاة).

وأما حديث البراء بن عازب فأخرجه الشيخان أيضًا عنه قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض-الحديث- ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة …)) الحديث، وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجه بنحو حديث أم سلمة، وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة وابن عمر ذكر حديثيهما المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب).

فأحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأن الأكل والشرب ليسا من التزين الذي أبيح لها في أي شيء.

قال القرطبي وغيره: “في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وذكر ذلك الإمام ابن حجر في كتابه القيم (فتح الباري)”.

قال الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار): “ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق؛ فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث يُطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه لما رأى رجلًا متختمًا بخاتم من ذهب فقال: ((ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟!)) أخرجه الثلاثة من حديث بريدة، وكذلك في الحرير وغيره، وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال، وقد جوَّزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال.

والحاصل أن الأصل الحل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلم له الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف لا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث: ((ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبًا)). أخرجه أحمد وأبو داود، ويشهد لهما سلفًا، أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخضخضت … الحديث”. انتهى كلام الشوكاني باختصار. 

قال الشارح: “أثر أم سلمة في استعمالها الجلجل من الفضة أخرجه البخاري عن عثمان بن عبد الله بن وهب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا أصاب الإنسانَ عين أو شيء بعث إليها بإناء فخضخضت له، فشرب منه، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمرًا.

قال الكرماني: “ويُحمل على أنه كان مموهًا بفضة، لا أنه كان فضة خالصًا”.

قال الحافظ: “وهذا ينبئ على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب”. ومن أين له ذلك، فقد أجاز ذلك جماعة من العلماء؟

قال الشوكاني: “والحق الجواز، إلا في الأكل والشرب؛ لأن الأدلة لم تدل على غيرها بين الحالتين، قلت -أي الشارح: وأما قول الشوكاني بأنه قد أيد هذا الأصل حديث: ((ولكن عليكم بالفضة؛ فالعبوا بها لعبًا)) ففيه نظر ظاهر؛ لأنه ليس المراد خصوصية الأكل والشرب، بل يُقاس عليه جميع الاستعمالات؛ لأن العلة موجودة في جميع الاستعمالات، وهي التكبر والتعالي على الناس، وعدم احترام نعمة الله سبحانه وتعالى في الذهب والفضة وتضييع المال على المسلمين”.

error: النص محمي !!