Top
Image Alt

ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضبع وحرمته

  /  ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضبع وحرمته

ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضبع وحرمته

الحديث السادس: وكذلك الضبع

وجه الإشكال في الحديث: أشكل على كثير حكم أكل لحم الضبع، وذلك لاختلاف الأحاديث في ذلك، وسنورد كلامهم في ذلك مع سرد الأحاديث المطابقة للحكم الذي تضمّنته، ثم بعدها نذكر وجه الجمع بين تلك الأحاديث.

للعلماء في الضبع قولان:

الأول: التحريم، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وابن المبارك، والليث، وسفيان، والحسن، والأوزاعي، وعبد الرزاق، وهو مذهب أبي حنفية وقولٌ لمالك.

واستدلوا لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع)).

الثاني: الإباحة؛ وإليها ذهب الأئمة الثلاثة، وكان الشافعي يقول: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير. وهذا القول هو الصحيح لحديث ابن أبي عمار قال: ((سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فأمرني بأكلها، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقال البخاري: صحيح كما في (علل الترمذي).

وقال الحاكم: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”.

الحديث الثاني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الضبع صيد، فكُلها وفيها كبش مسن إذا أصابها المحرم)). رواه الطحاوي، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في (الإرواء).

ومن أسباب الخلاف في هذه المسألة: تعارض دلالة حديث أبي ثعلبة مع حديث جابر المذكورين.

ويُجاب على من حرّمه بأن المراد بالمحرم ذوات الأنياب من السباع، وهي ليست من السباع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أما الضبع، فإنها مباحة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومحرمة في مذهب أبي حنيفة؛ لأنها عند أبي حنيفة من ذوات الأنياب، والأولون استدلوا بأنها صيد، وأُمر بأكلها.

وقال ابن القيم -رحمه الله: إنما حُرِّم:

أولًا: ماله ناب من السباع.

ثانيًا: العادية بطبعها كالأسد.

وأما الضبع فإن ما فيه أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. والله أعلم. انتهى كلامه.

وليس كل ذي ناب هو من السباع، وإلا دخل في ذلك الهر والفيل والوبر وغيرها من الحيوانات، وإن دخل بعض ما له ناب في فئة السباع -كالضبع والثعلب- إلا أنه يختلف عنها في كونه لا يعدو بطبعه؛ بل إذا اضطر لذلك، وأذكر أن هذا قول مالك -عليه رحمة الله تعالى- في (الموطأ).

ولكن قد يُكره أكله أو يحرم لاستقذاره، وهذا رأي الإمام الشافعي، أقصد فيما تستقذره العرب، والإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يرى حل أكل الضبع، لحديث جابر الصحيح الوارد فيه، ولأن العرب ما زالت تأكله، ولم ينه عنه في الشرع، ويخرجه من السباع المنهي عن أكلها ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى. والله أعلم.

واستدل أيضًا من حرمه بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه: “أوَيأكل الضبع أحد” رواه الترمذي وغيره، وهذا حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به فلا يقف في وجه الأحاديث الصحيحة التي ذكرت في أول الموضوع، وبهذا يزول التعارض.

ثم على فرض صحته، فإنه لا تعارض بين الحديثين! فقوله: “أويَأْكُل الضبعَ أحدٌ”، ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه. هذا على فرض أن الحديث صحيح، ولكن الحديث ضعيف، فضعفه يغنينا عن الرد عليه. قال الصنعاني في (سبل السلام) عند شرح هذا الحديث: “رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الضَّبُعِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، فَهُوَ مُخَصَّصٌ مِنْ حَدِيثِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ)) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَا زَالَ النَّاسُ يَأْكُلُونَهَا وَيَبِيعُونَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

وَحَرَّمَهُ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْعَامِّ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَلَكِنَّ أَحَادِيثَ التَّحْلِيلِ تُخَصِّصُهُ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُزْءٍ وَفِيهِ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: “أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟” أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ”.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

error: النص محمي !!