Top
Image Alt

ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضب وحرمته

  /  ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضب وحرمته

ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضب وحرمته

الحديث الخامس: ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حل أكل الضب وحرمته:

وجه الإشكال في الحديث: اختلف العلماء في أكل الضب في حله وحرمته، وذلك لتوهمهم تعارض الأحاديث في ذلك، وسنفصِّل في بيان المسألة.

الأحاديث الدالة على الجواز:

1. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: ((قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ فَمَا تَأْمُرُنَا أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: “فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم” رواه مسلم.

2. وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال: ((أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَقَالَ: لاَ أَدْرِى لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ)) رواه مسلم.

3. وعن ثابت بن يزيد الأنصاري قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصاب الناس ضبابًا فاشتووها فأكلوا منها، فأصبت منها ضبّا فشويته ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ جريدة فجعل يعد بها أصابعه، فقال: ((إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًّا في الأرض، وإني لا أدري لعلها هي))، فقلت: إن الناس قد اشتووها فأكلوها، فلم يأكل ولم ينه”. رواه ابن ماجه.

4. عن خَالِدِ بن الْوَلِيدِ قال: ((أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى إليه لِيَأْكُلَ، فَقِيلَ له: إنه ضَبٌّ، فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فقال خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هو؟ قال: لَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ)) رواه البخاري.

4. وعن عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ أَنَّهُ سمع عبد الله بن عُمَرَ يقول: سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الضَّبِّ فقال: ((لَسْتُ بِآكِلِهِ ولا مُحَرِّمِهِ)) رواه البخاري ومسلم.

5. وعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: “أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ بن عَبَّاسٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ النبي صلى الله عليه وسلم من الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا”، قال ابن عَبَّاسٍ: “فَأُكِلَ على مَائِدَةِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كان حَرَامًا ما أُكِلَ على مَائِدَةِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم”.

وجه الإشكال في الحديث: اختلف أهل العلم في حل أكل الضب؛ فذهب بعضهم إلى النهي عن أكله منهم أبو حنيفة والثوري. وعامة الناس على حله وهو الصحيح؛ لورود الأخبار الصحيحة في ذلك، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل من الضب لا يدل على تحريم أكله، وإنما لكونه لم يكن معهودًا أكله في قومه كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم بل أُكل الضب على مائدته.

وما ورد من النهي عنه -كما جاء في (سنن أبي داود) عن عبد الرحمن بن أبي شبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: “نهى عن أكل الضب”، فالظاهر أنه منسوخ، أو يحمل على الكراهة. والحديث حسنه الألباني كما في (السلسلة الصحيحة).

قال النووي -رحمه الله: “أجمع المسلمون على أن الضب حلال، وليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صَحَّ عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله”.

وقال الحافظ في (الفتح): “وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: “نهى عن الضب” أخرجه أبو داود بسند حسن فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زُرعة عن شريح بن عتبة عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل، وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي وهؤلاء شاميون ثقات، ولا يغتر بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقول ابن حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقي: تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة، وقول ابن الجوزي: لا يصح، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري، وقد صحح الترمذي بعضها.

والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحًا وتلويحًا نصًّا وتقريرًا فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال، عند تجويز أن يكون مما مسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف، فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال؛ لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرّمه، وأكل على مائدته، فدل على إباحته، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من ذلك أنه يُكره مطلقًا”.

قال الشيخ الألباني بعد كلام الحافظ السابق: “قلت: وبالجملة، فالحديث ثابت، وكونه معارضًا لما هو أصح منه لا يستلزم ضعفه، فهو من قسم المقبول، فيجب التوفيق بينه وبين ما هو أصح منه، على النحو الذي عرفته في كلام الحافظ، وخلاصته: أنه محمول على الكراهة لا على التحريم، وفي حق من يتقذره، وعلى ذلك حمله الطبري أيضًا.

وقد خالف الطحاوي الحنفيةَ في هذه المسألة، فقد عقد فيها بابًا خاصًّا في كتاب (شرح معاني الآثار)، وذكر الأحاديث الواردة فيها إباحة وكراهة إلا هذا الحديث فلم يسقه، ثم ختم الباب بقوله: “فثبت بتصحيح هذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب، وهو القول عندنا”.

error: النص محمي !!