Top
Image Alt

ما ظاهره الخلاف من أقوال المفسرين

  /  ما ظاهره الخلاف من أقوال المفسرين

ما ظاهره الخلاف من أقوال المفسرين

وهو في الحقيقة ليس كذلك، وجُلّ ذلك في قسم التفسير بالمأثور:

فإن مردّ الاختلاف في التفسير بالمأثور هو النقل، وعلى هذا فإن مظاهر الاختلاف ها هنا هو تعدّد المنقول وعدم اتفاقه في التعبير عن المراد بالآية أو اللفظ القرآني؛ بحيث تجد أن اللفظ القرآني الواحد أو الآية قد أُثر فيهما كثيرٌ من الأقوال التي يبدو التعارض فيها ظاهرًا، ولكن بالتمحيص والتدقيق في هذه المأثورات نجد أن الخلاف فيها راجع إلى عدّة أسباب يمكن تصنيفها على النحو الذي بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية.

فترى أن مآل هذه الاختلافات في الغالب إلى التنوّع لا إلى التضاد أو التعارض، وهذه هي السّمة العامّة لتفسير السّلف لا سيما الصحابة رضي الله عنهم والتابعين؛ فالاختلاف الحقيقي في التفسير قليل عندهم، عند النظر والتحقيق. قال ابن تيمية -رحمه الله-: “الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد”، ولا غرابة في ذلك لأن الأحكام المختَلف فيها مسلكها الاجتهاد، فيتصور وقوع الاختلاف في الفهم والاستنباط، أما التفسير فمعلوم مدى تورع السلف عن القول فيه بالرأي، وإنما هو القول بالمأثور، أو التعبير حسب أصول اللغة، وهذان لا يمكن أن يؤدّيا إلى تناقض، أو تعارض حقيقي في الغالب.

ولهذه صور عديدة منها:

الصورة الأولى:

أن يذكر في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، أو عن أحد من أصحابه، أو غيرهم ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخرى مما هو داخل تحت اللفظ المفسر كذلك، فينص المفسرون على القولين فيظن أنه خلاف بين المفسرين.

وهذه الصورة هي التي عبّر عنها ابن تيمية بقوله:

الصنف الثاني: -أي: من خلاف التنوع- أن يذكر كل منهم –أي: السلف- من الاسم العام بعض أفراده، أو أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.

فقد يصعب أحيانًا تعريف العام بالحد المطلق؛ فيلجأ المفسر إلى التمثيل لهذا العام بذكر بعض أنواعه، وقد مثل له ابن تيمية -رحمه الله- بخلاف السلف حول تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق بالخيرات في قوله تعالى: {ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر:32]، حيث جاء فيه أن الظالم لنفسه أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق بالخيرات السابقون.

ومن المفسرين من قال: السابق: الذي يصلي في أول الوقت. والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه. والظالم لنفسه: الذي يؤخّر العصر إلى الاصفرار.

ومنهم من قال: السابق، المحسن بأداء المستحبّات مع الواجبات، والظالم آكل الربا، أو مانع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدّي الزكاة المفروضة، ولا يأكل الربا، وقيل: الظالم: التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد: التالي للقرآن ويعمل به، والسابق: التالي للقرآن العالم به ويعمل به، وقيل: الظالم: الغافل عن الصلاة فيفوته الوقت والجماعة، والمقتصد: لا يفوته الوقت ولكن تفوته الجماعة، والسابق: يحافظ على الوقت والجماعة، وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد: من يدخل المسجد بعد تأذين المؤذن، والظالم: من يدخل بعد إقامة الصلاة، وقيل غير ذلك.

فكل قول من هذه الأقوال، إنما يذكر نوعًا مما يتناوله نص الآية لتعريف المستمع، وتنبيهه على نظائره، ولا يضادّ ما ذكره غيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فمعلوم أن الظالم لنفسه: يتناول المضيع جميع الواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد: يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق: يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، ثم إن كلًّا منهم –أي: المفسرين- يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات… فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية؛ لتعريف المستمع بتناول الآية له، وتنبيهه به على نظيره”.

ومثل له الشاطبي بخلاف المفسرين حول تفسير {الْمَنّ} في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ} [البقرة:57]؛ حيث قال بعضهم: المن خبز رقاق. وقيل: زنجبيل. وقيل: الترنجبين. وقيل: شراب مزجوه بالماء. وأزيد من أقوال المفسرين عمّا اقتصر عليه الشاطبي أن بعضهم قال: هو صمغة حلوة، وقيل: عسل.

يقول الشاطبي: هذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله من به عليهم ولذلك جاء في الحديث: ((الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل)) فيكون المن جملة نعم، ثم ذكر الناس منها آحادًا.

ولذلك قال ابن عطية: وقيل “المن” مصدر يعني به جميع ما منّ الله به مجملًا.

فكل قول من هذه الأقوال هو عبارة عن نوع داخل تحت الإطار العام للفظ، وقد ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره؛ حيث إن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحدّ المطابق، والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز، هكذا قال ابن تيمية.

ثم أدخل في ذلك أيضًا قول المفسرين: هذه الآية نزلت في كذا -كما يعبر أحيانًا في أسباب النزول وهي عبارة ليست نصًا في السببية- أو سبب نزول هذه الآية كذا، أو نزلت في فلان يقول ابن تيمية: “الذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختصّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق”.

وهذا الذي قاله ابن تيمية من كون سبب النزول لا يخصّص حكم الآية بمن نزلت فيه هو الذي درج عليه جمهور العلماء؛ حيث قرّروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

والحاصل أن قول المفسرين، أو أصحاب كتب أسباب النزول: هذه الآية نزلت في فلان أو في قصة كذا، فهذا الذي نزلت فيه هذه الآية ما هو إلا فرد من عموم أفراد وقعت منهم نفس الواقعة التي نزلت بسببها الآية أو الآيات، والحكم يعمّ الجميع، ولا يعد من الخلاف كذلك تعدّد أسباب النزول ما دام لفظ الآية يحتمل الجميع، فإن كانت الآية أو الآيات قد نزلت عقب هذه الأسباب المتعددة، حكم بأن ذلك من باب تعدّد الأسباب والمنزل واحد، بمعنى أن تكون الآية أو الآيات قد نزلت بسبب هذه الوقائع جميعها.

ومثال ذلك سبب نزول آية اللعان: {وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ} [النور:6]، إلى قوله تعالى: {إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ} [النور:9]، فقد ورد بطريق صحيح عند البخاري أن الآية نزلت في هلال بن أمية حين قذف امرأته، وفي طريق صحيحة أخرى عنده أيضًا: أنها نزلت في عويمر العجلاني. فهذا الاختلاف الظاهري ليس اختلافًا حقيقيًّا، وإنما هو من قبيل التمثيل للعام ببعض أفراده. قال ابن تيمية: “وإذا عرف هذا فقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما.

ومرة أخرى نقول: إن هذا الاختلاف في حقيقته ليس اختلاف تعارض وتضاد، وإنما هو من نوع اختلاف التنوع والتعدد أيضًا.

الصورة الثانية:

أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى مع اختلاف الألفاظ والتعبيرات؛ بينما ترجع في الواقع إلى معنى واحد، فينقل ذلك كله على أنه خلاف وهو في الحقيقة تفسير واحد.

وبيان ذلك أن المسمّى الواحد تجتمع فيه عدّة معاني أو صفات، ولا يعني ذلك تعدّد ذواتها؛ بل الذات واحدة وليس هناك أي تعارض بين التعبير عن هذه الذات بمعنى أو بآخر طالما أن المعنيين متحققان فيها، ومثال ذلك يوم القيامة، فالمسمّى واحد، ولكن قد يُعبّر عنه بمعانٍ مختلفة كلها متحققة في هذا المسمى كقولنا: يوم الدين، ويوم الحشر، ويوم التغابن. فكل من هذه التعبيرات تدلّ على مسمّى واحد، ولكن ذكر معنى مختلف في الأول عن الثاني، وفي الثاني عن الثالث، وهذا ليس اختلافًا حقيقيًّا.

وكذلك عندما نتأمّل قوله تعالى: {وَللّهِ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].

فإن المدعو -وهو الله تعالى- مسمّى واحد، ولكن لما كانت أسماؤه الحسنى متعدّدة، وكان لازم كل اسم من أسمائه أن يدل على الذات المسماة، ويدل على الصفة المتضمنة، كان دعاء العبد ربه باسمه العليم، أو القدير، أو السميع سائغًا، فكلٌ من هذه الأسماء يدل على ذات الله عز وجل ويدل -باللزوم- على معنى زائد لا يدل عليه الاسم الآخر؛ فاسم العليم يدل على الله وعلى معنى آخر هو العلم، واسم القدير يدل على ذات الله، وعلى معنى غير الذي دلّ عليه اسم العليم ألا وهو معنى، أو صفة القدرة، وهكذا.

وقد قال في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حكاية لهذه الصورة، وإشارة إلى أنها من خلاف التنوع قال:

-ومما يرجع إلى اختلاف التنوع: – أن يعبر كل واحد -من المفسرين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنًى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى. وذلك كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند. ومثاله أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، فأسماء الله الحسنى كلها على مسمّى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًّا لدعائه باسم آخر، والحاصل: أن كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء النبي  صلى الله عليه وسلم مثل محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب، والحاشر. وكذلك أسماء القرآن كالفرقان، والهدى، والشفاء، والكتاب.

ويمثل لذلك بالخلاف حول تفسير: {الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات:118]، فقال بعضهم: هو الإسلام. وقال بعضهم: هو القرآن الكريم. فهذان القولان وإن كان ظاهرهما الاختلاف والتعارض إلا أنهما في الحقيقة متفقان؛ لأن دين الإسلام واتباع القرآن شيء واحد، وإنما نبّه كل منهما على وصف غير الوصف الآخر مع اتفاق المسمى وهو هنا “الصراط المستقيم”، قال ابن تيمية :”وكذلك قول من قال: هو –أي: الصراط المستقيم- السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية. وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها”.

وقد مثل له الشاطبي بخلاف المفسرين حول تفسير “السلوى” من آية: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ}، فقال: بعضهم عنه: هو طير يشبه السماني، وقيل: طير حمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور، فمثل هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها.

فهذه الأقوال كلها راجعة إلى مسمّى واحد وهو الطير، ولأجل ذلك فإنه لا يعتبر خلافًا ما دام مرجعه إلى مسمّى واحد فإن أسميناه خلافًا فهي تسمية مجازية؛ لأن صورته صورة الخلاف والحقيقة أنه لا خلاف.

الصورة الثالثة:

أن تذكر أقوال متعدّدة حول تفسير الآية، بعض هذه الأقوال يتّجه إلى تفسير اللغة، بمعنى: أن يذكر معاني الألفاظ حسب وضعها في اللغة، وهو ما يُسمّى بالمعنى الأصلي للفظ، وبعضها يتّجه إلى التفسير المعنوي يعني المعنى المستعمل فيه هذا اللفظ.

ومثاله قوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لّلْمُقْوِينَ} [الواقعة:73]، فإن القواء هي الأرض القفر، ولذلك يفسر “المقوين” بالنازلين بالأرض القواء، نزولًا على أصل معنى اللفظ في اللغة وفسّر كذلك بالمسافرين؛ لأن هذا اللفظ صار يستعمل بهذا المعنى، ومثل هذا لا يعدّ خلافًا، فالذين ينزلون الأرض القواء هم المسافرون إليها؛ حيث يقال: أقوى الرجل، أي: نزل بالأرض القواء، وكيف ينزلها إلا إذا سافر إليها؟

ومنه أيضًا خلاف المفسرين حول المراد بلفظ “قارعة”، في قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} [الرعد:31]؛ حيث قال بعضهم: المراد بالقارعة هنا الداهية، أو النكبة تفجؤهم، يقال: قرعه الأمر، يعني: أصابه، وأصل القرع الضرب.

وقال بعضهم: بل المراد بالقارعة السرايا والطلائع، والمعنى: تصيبهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فالأولون فسروا اللفظ حسب أصل وضعه، والآخرون فسرّوه بمعنى مستعمل فيه، فالعرب استعملوا المقارعة بمعنى الضرب في الحرب ومثل هذا لا يعدّ خلافًا؛ ولذلك قال الشوكاني بعد أن حكى القولين: ولا يخفى أن القارعة تطلق على ما هو أعمّ من ذلك.

ويدخل في ذلك لفظ “الغائط”، إذ هو في الأصل المكان المنخفض، وقد كانت العرب تقصده لقضاء الحاجة؛ تسترًا عن أعين الناس، ثم سمّي الحدث نفسه بهذا الاسم.

فإن قيل: فهل يُفهم من ذلك أن اللفظ الذي له حقيقة شرعية صار مستعملًا فيها، يجوز أن يفسر في القرآن بمعناه اللغوي الذي هو أصل وضعه، كما يجوز أن يفسر بمعناه الشرعي، ولا يعدّ ذلك خلافًا؟

والجواب بالنفي المؤكد، فكلامنا في الصورة المترجم بها هو عن اللفظ الذي له أصل في اللغة وضع له -وكل ألفاظ اللغة كذلك- إلا أنه غلب بعد ذلك استعماله في معنى آخر من جهة اللغة كذلك، فتفسيره بالمعنى الأصلي لا يتعارض ولا يختلف مع تفسيره بالمعنى الذي استعمل فيه لغة كذلك؛ لأنه لا بد من علاقة بين المعنى الأصلي، والمعنى المستعمل فيه كما هو الحال في المجاز والاستعارة.

ولعلّ ما يقرب هذا المفهوم فكرة التضمين في اللغة؛ إذ إن الاسم أو الفعل الذي دخله التضمين لا يلغي التضمين معناه الأصلي، ولكن يضيف إليه معنى جديدًا، فمثلًا قول الله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ} [الأعراف:105]، ضمن فيه لفظ “حقيق” معنى حريص، ولم يلغَ مع ذلك المعنى الأصلي للكلمة فصار المعنى: جدير بألا أقول على الله إلا الحق وحريص على ذلك فلن أخلّ به. وإذا كان هذا هو التضمين في الاسم فهو في الفعل كذلك، اقرأ قول الله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ} [الإنسان:6]؛ حيث ضمن الفعل “يشرب” معنى “يروى” ولذا عدى بالباء، ولم يُلغَ مع ذلك المعنى الأصلي؛ إذ الري هو منتهى الشرب، فجمع الفعل بهذا التضمين بين معنيين لم يلغَ أحدهما الآخر، ولم يعارضه.

نعود إلى السؤال المطروح والذي أجبت عنه بالنفي:

وتقرير هذا الجواب هو أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، فإن التفسير الصحيح هو الذي يحمل اللفظ على حقيقته الشرعية؛ لأن الشرع قد نقل هذا اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى شرعي جديد فوجب التزامه، وذلك كألفاظ الصلاة والزكاة والوضوء وغيرها، فلهذه الألفاظ معان في اللغة واصطلاحات أو حقائق في الشرع، وعلى المفسر حينئذٍ تقديم الحقيقة الشرعية؛ لأن القرآن جاء مقررًا للشرع.

هذا ما قرّره العلماء، قال الماوردي: إذا كان أحد المعنيين مستعملًا في اللغة والآخر مستعملًا في الشرع، فيكون حمله على المعنى الشرعي أولى من حمله على المعنى اللغوي لأن الشرع ناقل.

لكن إن دلّ دليل على إرادة الحقيقة اللغوية، فالنزوع إليها لازم وذلك كلفظ الصلاة في قوله سبحانه: {وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ} [التوبة:103]؛ فالمراد هنا أصل المعنى اللغوي للصلاة، أي: ادع لهم، والدليل هنا هو حديث عبد الله بن أبي أوفى في الصحيح – قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبى بصدقته، فقال: ((اللهم صل على آل أبى أوفى))”.

والحاصل أن تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية أثناء تعاملنا مع القرآن الكريم، وكذلك السنة النبوية؛ لأن القرآن والسنة هما المعبران عن لسان الشرع، والشرع هو الذي وضع هذه الاصطلاحات، فوجب المضي مع ما اصطلح عليه، وكما قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح. لكن إذا قام دليل خاص على تقديم اللغوية في محل معين يلزم كذلك المصير إليه، والقول به كما قدمنا.

الصورة الرابعة:

اختلاف المفسر مع نفسه، بأن يكون قد ذكر رأيًّا ثم عَدَل عنه بعد البحث والنظر إلى رأي آخر، فينقل على أنه خلاف وهو الحقيقة ليس كذلك؛ لأن المستقر من رأييه هو الأخير فقط تمامًا كالنسخ في الأحكام –أي: كصورته.

ومثل هذا يتحقق بكثرة في أقوال الفقهاء، فكثيرًا ما تقرأ عبارة: هذا الرأي رواية عن أحمد، أو هو قول الشافعي في القديم، أو الجديد. وقد يوجد منه في التفسير شيء، ويمثل له بالأقوال الكثيرة المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فإننا نقرأ كثيرًا في تفسير ابن جرير الطبري فنراه يذكر التأويلين والثلاثة، ويذكر تحت كل تأويل رأيًّا لابن عباس.

أقول: ما كان من هذه الآراء وتلك التأويلات من باب خلاف التنوع قبلناه أجمعه في الموضع الواحد. وما كان منها من باب خلاف التضاد، فلا بد من أن يكون أحد الرأيين متأخّرًا فيحكم بأنه رفع به رأيه المتقدم، وما يقال في ابن عباس رضي الله عنهما يقال في غيره، لكن الذي دعانا إلى اختياره بالذات دون غيره سببان:

أحدهما: كثرة المرويات المروية عن ابن عباس والمختلفة في مدلولاتها بغضّ النظر عن كونه خلاف تنوّع أو تضاد.

وثانيهما: أن ابن عباس قد ثبت عنه شيء من هذا القبيل:

  • فقد ورد عنه أنه كان يفسر الربا المحرم المنصوص عليه في القرآنية والأحاديث النبوية بربا النسيئة، ويقول بجواز ربا الفضل. لكن ثبت أنه رجع عن ذلك، ومن ثمّ فلا يجوز أن ينقل ذلك على أنه خلاف ما دام أنه قد استقر على رأى حرمة ربا الفضل كذلك؛ إذ رجوع المفسر أو الفقيه عن رأيه السابق هو إلغاء له، وإثبات لرأي آخر هو وحده الباقي، والذي ينبغي أن ينسب إليه.
  • ثبت عنه كذلك أنه كان يقول بحل نكاح المتعة، ويفسر قوله تعالى في سورة النساء: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ} [النساء:24]، بأنها في نكاح المتعة، وأنه حلال معتمدًا في ذلك على قراءة للآية زائدة على تلك المذكورة؛ حيث فيها: “فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى”.

وهي قراءة ليست موجودة في القراءات العشر؛ بل غير موجودة في الأربع التي وراء العشر. وما يعنينا هنا في هذا المقام أن تعلم أن ابن عباس قد رجع عن ذلك.

فقد روي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس لقد كثر القول في المتعة حتى قال فيها الشاعر:

أقول وقد طال الثواء بنا معا

*يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

هل لك في رخصة الأطراف آنسة

*تكون مثواك حتى مصدر الناس

فقام ابن عباس من مجلسه وجمع الناس وخطب فيهم: “إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير، فأما إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقد ثبت نسخه”.

الصورة الخامسة:

اختلاف القُرّاء فيما ينقلون من روايات لا يعدّ اختلافًا؛ لأنه لا عمل لهم ولا اجتهاد في ذلك، فهم مجرّد حلقة في سلسلة من مجموعة سلاسل عملت على نقل القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان اختلاف القراءات غير معتبر؛ لأن كل واحد من القراء لم يقرأ بما قرأ به وهو ينكر غير قراءته؛ بل يقر بإجازته وصحته، ولم يقع الخلاف بين القراء إلا في الاختيار فقط مع اتفاقهم على مبدأ قبول الكل لكونه منقولًا ما دام مستوفيًّا شروط القبول.

أقول: إذا كان هذا الاختلاف غير معتبر، فإن الخلاف الناشئ عنها –أي: عن الثابتة منها- غير معتبر كذلك، ولسوف يبيّن لك فيما هو آتٍ تعدّد القراءات لم يخلّ فقط من التناقض والاختلاف بالمعنى المفهوم، كما لم يكن أيضًا سببًا في حدوث ذلك بين المفسرين بالمعنى المتبادر إلى الذهن كذلك؛ بل كان سببًا في إثراء التفسير من جهة كون تعدّد القراءات يُساعد على إيضاح المعنى حين تبيّن قراءة عن معنى قراءة أخرى، وكذلك بما تضيفه هذه القراءات من معانٍ جديدة، وغير ذلك ممّا قد ذكر من فوائد تعدّد القراءات واختلافها.

مثال ذلك قوله تعالى: {لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ} [الحِجر:15]، فقد قُرأت بتشديد الكاف {سُكّرَتْ} وفي قراءة مجاهد، والحسن: {سُكّرَتْ} بالتخفيف، ففسّرت الأولى بالسّدّ، وفسّرّت القراءة الثانية بالسحر، فالاختلاف في التفسير ناشئ عن تعدّد القراءات.

وحاصل هذه الصورة فيما يتعلق بما لا يعتدّ به من اختلاف المفسرين، أن اختلاف المفسرين بسبب القراءات غير معتبر؛ لكون الاختلاف بين القراءات نفسها غير معتبر؛ بل إن لذلك فوائده المذكورة في مواضعها.

الصورة السادسة:

أن يذكر أحد المفسرين أقوالًا في تفسير آية، هذه الأقوال جميعها يحتملها نص الآية، ولا دليل لقول واحد منها يبعث على ترجيحه على غيره.

في هذه الحالة نحمّل الآية جميع هذه الوجوه كتفسير لها؛ حيث لا مانع يمنع من ذلك، ولا مرجح لرأي منها، ولا نعد ذلك خلافًا ما دام النص القرآني قد ضمّ هذه الأقوال المفسّرة جميعها بين شاطئيه.

وهذه الصورة موجودة بوفرة في كتب التفسير، ونستطيع أن نصور لها هنا مثالًا هو تفسير العلماء لقوله تعالى: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228].

نقل ابن عطية في (المحرر الوجيز) أقوالًا متعدّدة في تفسير الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء.

فنقل عن مجاهد وقتادة قالا: ذلك تنبيه على فضل حظه على حظها في الجهاد والميراث وما أشبهه.

وقال زيد بن أسلم وابنه: ذلك في الطاعة عليها أن تطيعه، وليس عليه أن يطيعها.

وقال عامر الشعبي: ذلك الصداق الذي يعطي الرجل، وأنه يلاعن إن قذف، وتُحد إن قذفت.

وقال ابن عباس: تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي: أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه.

وقال ابن إسحاق: الدرجة الإنفاق، وأنه قوام عليها.

وقال ابن زيد: الدرجة ملك العصمة، وأن الطلاق بيده.

ذكر ابن عطية هذه الأقوال جميعها وكلها صحيحة ولا مانع يمنع من إرادتها كلها، ولذلك قال ابن عطية بعد ذلك تعليقًا عليها: وإذا تأمّلت هذه الوجوه التي ذكر المفسرون فإنه يجيء من مجموعها درجة تقتضي التفضيل.

ومثاله: أن يفسر أحدهم قوله تعالى: {أَن تُبْسَلَ} [الأنعام:70]، تحبس. ويقول الآخر: ترتهن، ونحو ذلك.

قال الزركشي:

يكثر في معنى الآية أقوالهم، واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلاف، فيحكيه أقوالًا، وليس كذلك؛ بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر ، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه، ونظيره والآخر: بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبًا، والمراد الجميع، وليتفطن لذلك، ولا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات.

الصورة السابعة:

أن يتفق المفسرون على أصل معنى واحد تدور أقوالهم حوله، ثم يختلفون في كيفية دلالة الآية على هذا المعنى، كأن يحمل بعضهم دلالة الآية على هذا المعنى بطريق المجاز، بينما يحمل غيرهم ذلك على الحقيقة.

ومن أمثلة ذلك خلافهم في تفسير قوله تعالى: {الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ مِنَ الْحَيّ} [يونس:31]، فقد ذكر المفسرون هنا أقوالًا في تفسيرها منها ما يلي:

قال بعضهم: المعنى تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ودلالة الحي على المؤمن، والميت على الكافر دلالة مجازية.

وقيل: المراد الحياة والموت الحقيقيان، والمعنى أنه يخرج النطفة من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها وهي ميتة، وينسب هذا الرأي إلى ابن مسعود.

وقيل: بل المراد أنه يخرج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة، ويخرج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية، وينسب هذا الرأي إلى عكرمة.

وعلى كلٍّ فالدلالة هنا حقيقية وليست مجازية، مع اتفاق الرأيين على أصل المعنى وهو قدرة الله عز وجل على إخراج الحي من الميت والميت من الحي.

أو أن يكون اللفظ مشتركًا لفظيًّا فيحمله كل منهم على أحد معنييه، مع اتفاقهم على ما يدلّ عليه ويهدف إليه كاختلافهم حول تفسير قوله سبحانه: {فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ} [القلم:20]؛ إذ إن لفظ “الصريم”، مشترك بين سواد الليل وبياض النهار؛ ولذلك قيل: المعنى أنها –أي: الجنة الواردة في السورة- أصبحت سوداء كالليل لا شيء فيها، وقيل: بل أصبحت كالنهار بيضاء ولا شيء فيها، فالمقصود هنا شيء واحد، وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يلتقيان، وذلك لا يعدّ خلافًا يعتدّ به؛ لاتفاقهم على المقصود.

ومثاله أيضا، قوله تعالى: {فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدَّثر:51]، فكلمة قسورة، قيل: هو الأسد، وقيل: هو الرامي، وقيل: الصائد، وكلها معانٍٍ محتملة للفظ الواحد، فذكر كل من المفسرين واحدًا منها يؤدي إلى التنازع في تفسير اللفظ، لا سيما أن المعاني المختلفة للفظ المشترك قد لا تكون قريبة من بعضها البعض؛ بحيث يقع نوع من التضاد والتعارض الحقيقي بين هذه التفاسير.

ومن المفيد التنبيه إلى أن كل هذه المعاني قد تكون مرادة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، إذا تكرر وقوع اللفظ كما ذكر ابن تيمية -رحمه الله- بمعنى: أن أحد المعاني يكون هو المراد في موضع؛ بينما يكون المعنى الآخر هو المراد في الموضع الآخر وهكذا، لا أنها كلها مرادة في نفس الموضع.

ولفظ: “عسعس”، يُراد به: إقبال الليل، وإدباره.

ولفظ: “القرء”، يُراد به: الحيض، والطهر.

هذا هو ما أحببنا تقريره مما ظاهره الخلاف بين المفسرين من السلف، وقد ذكر بعض الباحثين صورة الثامنة من الاختلاف الظاهري لكنها بين الخلف، وهي أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دلّ عليه الدليل الخارجي، فإن مقصود كل متأوّل الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد.

ومثل لذلك بآيات الصفات، ومعلوم أن اتجاه السلف فيها هو الإيمان بها، وإمرارها كما جاءت، كما قال الإمام مالك -رحمه الله- إذ سئل عن معنى قوله سبحانه: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ} [طه:5].

فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .. في ألفاظ أخرى حسب الروايات.

أما اتجاه الخلف وهو مذهب أهل التأويل فهو باطل ومذموم، وحاصله اللجوء إلى تأويل هذه الصفات بما يليق في نظرهم وجلال الله تعالى، وقد اختلفوا في تأويل الاستواء، ومثل ذلك الاختلاف مما لا يعتدّ به في الخلاف؛ لكونهم متفقين حول الوجه الذي أوجب التأويل عندهم، وهو تنزيه الله سبحانه عن مشابهة الحوادث.

وبعدُ: فهذه صور مما لا يعتدّ به في الخلاف، وهي موجودة في كتب التفسير، وقد يقاس عليها غيرها مما هو في معناها، وقد ذكرناها كي يتبيّن لنا أن كثيرًا مما نقرأه في كتب التفسير على أنه خلاف لا يعتبر كذلك في الحقيقة.

error: النص محمي !!