Top
Image Alt

ما كان بين علماء اللغة ورواتها والشعراء المولدين، وأثر ذلك في حركة النقد الأدبي في العصر العباسي

  /  ما كان بين علماء اللغة ورواتها والشعراء المولدين، وأثر ذلك في حركة النقد الأدبي في العصر العباسي

ما كان بين علماء اللغة ورواتها والشعراء المولدين، وأثر ذلك في حركة النقد الأدبي في العصر العباسي

كان أمر علماء اللغة مع الشعراء المولدين، والخصومة بين القدماء والمحدثين لهما أثر كبير في الدراسات النقدية التي ألَّف فيها نُقاد العصر العباسي، وكان لهما أثر ممتد حتى عصرنا هذا، فكثير من الدراسات والرسائل الجامعية تجعل من هذين الأمرين موضوعًا تهتم به في الدراسات النقدية.

نتحدث عن علماء اللغة ورواتها، وما كان بينهم وبين الشعراء المولدين، فنُبيِّن أن الغاية التي كانت وراء اهتمام علماء اللغة بجمعها واستنباط قواعدها، وبيان أصولها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؛ حتى لا تنشأ أجيال بعد أن اختلط العرب بغيرهم من الأمم، تجهل لغة القرآن، وتجهل طرق الاستدلال على الأحكام من القرآن، فكان العمل الذي قام به علماء اللغة يبتغون من ورائه المحافظة على لغة القرآن الكريم؛ حتى إن الجاحظ يقول في هذا المعنى: “للعربي أمثال، واشتقاقات، وأبنية، وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة، والشاهد، والمثل، فإذا نظر في الكلام، وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن؛ هلك وأهلك الناس”.

إذًا: كانت الغاية شريفة ونبيلة عند علماء النحو، ورواة اللغة الذين كان منهم المفضل الضبي، والأصمعي، وأبو عمرو بن العلاء. ووجدت هذه الجهود من علماء اللغة والنحو تشجيعًا من خلفاء بني العباس؛ لأنهم أيضًا أرادوا أن يحافظوا على لغة القرآن الكريم، فكانوا يشجعون هؤلاء العلماء، ويحثون طلاب العلم على مدارسة اللغة والتعمق فيها، ورواية ما يتصل بها من أنساب، وأيام، وأخبار، وأشعار، وجعلوا من مقاييس ومعايير ومبررات الوظائف الكبيرة عندهم التفوق في اللغة العربية، فكانوا لا يستوزرون ولا يستكتبون إلا من حذقها وبرع في أدائها، بل إن هؤلاء الخلفاء كانوا حراصًا على أن يتعلم أبناؤهم اللغة العربية، وأن يتقنوها، وكانوا من أجل ذلك يحضرون لأبنائهم في القصور كبار علماء اللغة، وكبار رواة الشعر؛ ليؤدّبوهم على أدب هذه اللغة، ويحفّظوهم كثيرًا من نماذجها الشعرية الأصيلة؛ لكي يمرنوهم على الصياغة، ولكي تستقر عندهم أساليب هذه اللغة العظيمة.

ومن أجل هذا وجدنا المفضل الضبي مثلًا صاحب (المفضليات) -وهي قصائد اختارها المفضل من الشعر العربي- كان سبب تأليف المفضل، أو اختياره لهذه القصائد أنه أراد أن يؤدِّب بها ويعلمها المهدي، وهو ما يزال ناشئًا صغيرًا، بهذا -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- أصبح لهؤلاء العلماء؛ علماء النحو واللغة، وهؤلاء المعنيون بالشعر العربي القديم سلطانٌ ما، أو نفوذ ما سرى في القصر العباسي، كما يقول الدكتور شوقي ضيف: “وبذلك سرى في القصر العباسي ذوق محافظ كان له أثره في الشعراء؛ إذ كانوا يمثلون بين أيدي الخلفاء مادحين لهم، وكانوا يقيسون جودتهم بهذا الذوق، فكان لا بد لهم -أي: للشعراء- أن يتلاءموا معه حتى يظفروا بما يبتغون من جوائز كبيرة، وكانت مجالس الخلفاء تكتظُّ باللغويين من مثل الكسائي والأصمعي، فكان لا بد للشعراء أن يروقوهم حتى ينالوا استحسانهم، ويرى ذلك الخلفاء منهم فيجزلوا لهم في العطاء، فكأنّ علماء اللغة -علماء النحو ورواة اللغة- أصبحوا في قصور الخلفاء العباسيين يُنظر إليهم على أنهم هم الذين يجيزون الشعراء، أو لا يجيزونهم، فالذي يستسيغه هؤلاء ويحكمون بجودته يكون مقبولًا عند الخلفاء، والذي لا يستسيغونه أو لا يحكمون بجودته يمكن أن يكون غير رائج عند الخلفاء، وبذلك أصبح اللغويون سَدَنَة الشعر في هذا العصر وحراسه، فمن نوَّهوا به طار اسمه، ومن لوحوا في وجهه خمل وغدا نسيًّا منسيًّا”.

ويسوق الدكتور شوقي ضيف مثلًا على هذا النفوذ الكبير لعلماء النحو ورواة اللغة في الحياة الشعرية في العصر العباسي، فيقول: “من ذلك ما يروى عن مروان بن أبي حفصة، من أنه لما نظم قصيدته:

تركتك زائرة فحي خيالها

*…. …. …. …. …. ….

وهي إحدى روائعه، هذه القصيدة في المهدي الخليفة العباسي، قبل أن يذهب بها إلى الخليفة ذهب إلى حلقة يونس النحوي، فقال له: قد قلت شعرًا أعرضه عليك، فإن كان جيدًا أظهرته، وإن كان رديئًا سترته، وأنشده القصيدة فأعجب بها يونس، وقال له: إنها بريئة من العيوب. حينئذٍ مضى فأنشدها المهدي، فزحف من صدر مصلاه حتى سار على البساط إعجابًا بما سمع، ثم قال لمروان: كم هي؟ يسأله عن عدد أبياتها، قال: مائة بيت. فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف درهم أعطيت لشاعر في أيام بني العباس.

علماء اللغة إذًا أصبحوا يمثلون قضاة في الشعر، ومن هنا قال الخليل بن أحمد للشاعر ابن مناذر: “إنما أنتم معشر الشعراء تبع لي وأنا كراكب السفينة، إن قررتكم ورضيت قولكم نفقتم، وإلا كسدتم”، ومعنى نفقتم: راجت بضاعتكم، واشتهر شعركم وأصبح مقبولًا؛ إذا أنا مدحته ورضيت قولكم هذا، وأما إذا لم أرضَ قولكم، ولم أمدح شعركم؛ فإن شعركم هذا لا تكتب له الشهرة، ولا يحظى بالذيوع، ومعنى قوله “إن قررتكم ورضيت قولكم نفقتم” أي: إذا مدحت شعركم ورضيت عنه؛ راج هذا الشعر، وكان له القبول والشهرة. ومعنى قوله: “وإلا كسدتم” أي: إذا لم أمدح شعركم ولم أرض عنه؛ فإن هذا الشعر لن يحظى بالقبول، ولن تكتب له الشهرة.

ومضى هؤلاء النقاد من علماء اللغة ورواتها متمسكين بالنموذج الشعري القديم، حتى إنهم أسقطوا بعض الشعراء العباسيين، كما نجد في قول أبي عمرو بن العلاء مثلًا: “خُتم الشعر بذي الرمة، والرجز برؤبة”، ولما سُئل عن المحدَثين قال: “إنهم كَلٌّ على غيرهم؛ إن قالوا حسنًا فقد سُبقوا إليه، وإن قالوا قبيحًا فمن عندهم”.

وكان الأصمعي يختم الشعر بابن ميادة وابن هرمة، وأدرى بهما من شعراء نجد والحجاز الذين أدركوا الدولة العباسية، وأنشده إسحاق الموصلي بيتين من شعره دون أن يُسمي قائلهما، فلما أظهر إعجابه بهما، قال له إسحاق: “إنهما لي” أي: من نظم إسحاق، فبادره قائلًا: “أفسدت الشعر، إن التوليد فيهما لبين”.

ويروي الرواة أن ابن مناذر كان يقول لأبي عبيدة: “اتقِ الله واحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد، ولا تقل: ذاك جاهلي وهذا عباسي، وذاك قديم وهذا محدث، فتحكم بين العصرين، ولكن احكم بين الشعرين، ودع العصبية”، كأن الشعراء أحسُّوا بأن علماء النحو واللغة يتعصبون للقديم ضد الحديث، وأنهم حتى لو وجدوا في الشعر المحدث شيئًا يستحق التنويه به كانوا يغضّون من قيمته، ووردت روايات تدل على ذلك، ونحن قلنا: إن الغاية النبيلة التي توخاها علماء اللغة والنحو، هي المحافظة على القرآن الكريم ولغته وجمع ما يُحافظ على الشواهد، ويستدل به على المعاني، كل هذا جيد، ولكن كل عمل بشري لا بد أن يكون فيه أحيانًا ميل للهوى، وبعض التعصب لما تعوَّده المرء، فيمكن أن يكون هؤلاء العلماء كان عندهم شيء من التعصب للقديم، كما يظهر من هذه الأخبار والروايات.

وكان ابن الأعرابي -وهو أحد هؤلاء العلماء- يقول: “إنما أشعار هؤلاء المحدثين -مثل أبي نواس وغيره- مثل ريحان يُشم يومًا ويذوى، فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبًا”.

ونحن لا نريد أن نصادر على أذواق هؤلاء العلماء؛ لأن المصادرة على الذوق لن تجدي شيئًا، فيمكن أن يكون هذا هو الذوق الذي رُبّيت عليه أحاسيسهم ومشاعرهم، ومن أجل هذا كانوا يعجبون بالنموذج القديم في الشعر العربي.

على أن إهدار هؤلاء اللغويين لشعر العباسيين؛ بسبب حداثته فقط، أو أنه متأخر عن زمن الجاهلية وما بعده بقليل -كما يذهب الدارسون والنقاد في العصر الحديث إلى أن هذا المسلك من علماء اللغة والنحو في مواجهة الشعر المحدث- لم يكن سديدًا كله، أو دائمًا، والدارسون والنقاد يقفون مع علماء اللغة والنحو في مآخذهم على الشعراء المحدثين، ويحاولون أن يعتذروا عن هؤلاء الشعراء، ويُبيِّنوا أن في بعض هذا النقد الذي مارسه علماء اللغة والنحو بعضًا من التحامل.

لكن هذا الترصد من علماء اللغة ورواتها للشعراء المحدثين عاد بالخير الكثير، والنفع الجزيل على الشعر العربي، وعلى هؤلاء الشعراء المحدثين أنفسهم؛ فقد اهتموا بحفظ اللغة، واهتموا كذلك بشعرهم، وحاولوا أن يكونوا بمنأى عن نقد هؤلاء العلماء واللغويين، فنجد مثلًا أبا نواس يحرص حرصًا شديدًا على أن ينهل من معين اللغة العربية الصافي، فيتوجه إلى البادية، ويقيم بها حولًا كاملًا يحفظ هذه اللغة، ويأخذها من أفواه البدو، ويحفظ نماذجها القديمة حتى إنهم يقولون: إنه كان يحفظ دواوين الشعراء الجاهليين والإسلاميين، ويحفظ دواوين ستين امرأة؛ فضلًا عن الرجال، وإنه حفظ سبعمائة أرجوزة غير ما كان يحفظه من القصائد للجاهليين، والمخضرمين، والأمويين؛ ولذلك قال الجاحظ عنه: “ما رأيت أحدًا كان أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجة مع حلاوة ومجانبة الاستكراه”، ويقول أبو عمرو الشيباني العالم اللغوي عن أبي نواس: “لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث، لاحتججنا بشعره؛ لأنه محكم القول”.

فإذا كان أبو نواس يحرص هذا الحرص الشديد على اللغة العربية، فذلك رجع بالخير والنفع على الشعر العربي، وعلى شعر أبي نواس، وفعل ذلك أيضًا بشار بن برد، وهو أيضًا من أصل غير عربي، من أصل فارسي، وهو زعيم المحدثين، ويُعلل بشار لإتقانه العربية بنشأته في بني عقيل، وتبدِّيه أعوامًا طويلة -أي: سكناه في البادية- يقول: “ولدت ههنا في البصرة، ونشأت في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عقيل، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت على نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت -أي: دخلت في البادية- إلى أن أدركت -أي: بلغت- الحلم، فمن أين يأتيني الخطأ؟”.

وبسبب هذا الغنى اللغوي الذي اكتسبه هؤلاء الشعراء، تمكنوا من أن يكونوا من أصحاب القامات الكبيرة في الشعر العربي، في هذا العصر الغني -العصر العباسي- ومن خير الأمثلة التي تدل على تمكن هؤلاء الشعراء من اللغة، وتبحرهم فيها: أن بشارًا استمع إلى عقبة بن رؤبة -رؤبة الراجز، وعقبة أيضًا كان راجزًا- ينشد عقبة بن سلم والي البصرة أرجوزة يمدحه بها، فلما فرغ منها قال له: “هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ”، فغضب بشار وقال له: “ألي يُقال مثل هذا الكلام؟! أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك”، ومضى إلى منزله فألف أرجوزة بديعة، وغدا فأنشدها عقبة بن سلم، وعنده عقبة بن رؤبة، وهي التي يستهلها بقوله:

يا طلل الحي بذات الصمد

*  بالله خبر، كيف كنت بعدي؟

فطرب عقبة بن سلم، وكافأه مكافأة كبيرة، وانكسر عقبة بن رؤبة انكسارًا شديدًا.

على هذا النحو يمكن أن نفهم أثر علماء اللغة والنحو في الشعر في العصر العباسي، وهو أثر إيجابي تمثل في تحفيز الشعراء ودفعهم إلى المحافظة على لغتهم، والاستكثار من محفوظهم الشعري وعنايتهم به، ومع ذلك كان هؤلاء العلماء مهيئين للثقافة اللغوية، ومعَدين لها بحيث تكون تحت أيدي هؤلاء الشعراء، الذين يريدون أن يستفيدوا منها، وأصبح موجودًا لدى هؤلاء الشعراء نوعان من الثقافة: ثقافة قديمة، ولغة، وشعر قديم، وثقافة حديثة بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأمم، وبسبب أن هؤلاء الشعراء المحدَثين جمعوا الثقافة اللغوية والعربية الأصيلة التي هيأها علماء النحو واللغة لهم، جمعوا ذلك إلى ما كانوا يتعلمونه ويعرفونه من ثقافاتهم الأصيلة، ولغتهم القديمة، نجد هذا في أبي نواس وفي بشار وفي غيرهما.

فالأسلوب الذي غلب إذًا هو أسلوب قائم على عتاد من القديم، وعُدّة من الذوق الحضري الجديد، أسلوب يحافظ على مادة اللغة ومقوماتها التصريفية والنحوية، ويلائم بينها وبين حياة العباسيين المتحضرة؛ بحيث تُنفى عنه ألفاظ العامة المبتذلة، كما تنفى عنه ألفاظ البدو الحُوشِيَّة، وكان من الشعراء نفر يُسرفون على أنفسهم في النهج على أساليب الرجاز المحشوة بأوابد الألفاظ، لكنهم كانوا يعدون نابين على ذوق العصر، فالذوق الغالب إذًا هو هذا الذوق المعتدل الذي استفاد من القديم، وأضاف إليه الحديث.

دفع هذا الزاد الثقافي إذًا الشعر العباسي إلى استحداث أسلوب مولد جديد، أسلوب يعتمد على الألفاظ الواسطة بين لغة البدو الزاخرة بالكلمات الوحشية، ولغة العامة الزاخرة بالكلمات المبتذلة، أسلوب وسط بين الغرابة والابتذال، تختار الكلمات فيه وكأنما هي جواهر تختار في عقود؛ إذ تحول الشعراء إلى ما يُشبه الصاغة، وكل منهم يحاول أن يثبت مهارته في صياغته وسبكه بما ينتخب من الكلمات التي يحسن وقعها في السمع، والتي تصنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف -عليه رحمة الله.

لكن هذا الموقف الذي كان موجودًا من علماء النحو ورواة اللغة تجاه الشعراء المحدثين، لم يَحُلْ بين هؤلاء الشعراء المحدثين وبين التجويد والإتقان، وأن يُثبِّتوا أقدامهم، وأن يكونوا من الشعراء الكبار مثل جرير، والفرزدق، وذي الرمة، وغيرهم، ومع ذلك وجدنا من النقاد من يقف في وجه هؤلاء الشعراء، ويُعرب عن عدم تحمُّسه لرواية شعرهم، نجد ذلك في قول أبي عمرو بن العلاء.

ويبدو أن المسألة أصبحت بعد ذلك مواجهة بين القديم والحديث، أو بين القدماء والمحدثين، ولأن الخصومة بين القدماء والمحدثين لم تُمثل ظاهرة واضحة في العصر العباسي إلا بعد ظهور أبي تمام، ومذهب أبي تمام، والموازنة بين طريقة أبي تمام وطريقة البحتري؛ عندئذ اشتدَّ الجدل بين أنصار الشعر القديم وأنصار الشعر المحدث.

كان أبو تمام يمثل الشعراء المحدثين، والبحتري يمثل طريقة العرب القديمة في الشعر، ومع أن أبا نواس سبقت ثورته على الشكل القديم طريقة أبي تمام، وتمرَّد على بناء القصيدة العربية وبدئها بالوقوف على الأطلال، وسخر من هذا التقليد، وذهب إلى بدء قصائده بالحديث عن الخمر متمشيًا في ذلك مع ذوق عصره؛ لكن الخصومة لم تكن حادّة حول أبي نواس، فلم تنشأ خصومة حادة بين أنصار القديم وأنصار الحديث، ويكون أبو نواس محورها.

وفي كتابه (النقد المنهجي عند العرب) يذكر الدكتور محمد مندور هذا الأمر؛ لماذا لم تنشأ خصومة حول مذهب أبي نواس؟ ويخلص الدكتور مندور إلى أن دعوة أبي نواس لم تكن من الناحية الفنية ضرورة حتمية، وأن أبا نواس لم يأتِ بجديد، وأنه لم يفعل غير أن حاز الشعر القديم ولم يستطع أن يأتي بطريقة جديدة؛ لأنه حافظ على الهياكل القديمة -على حد تعبير الدكتور مندور- للقصيدة مستبدلًا ديباجة بأخرى، وأن دعوته إلى الحديث في موضوعات الخمر لم تستطع أن تحرك نفوس الجميع، أي: جميع المجتمع، أو جميع الشعراء، ويضاف إلى ذلك أن دعوة أبي نواس كانت مشوبة بروح الشعوبية والغضّ من شأن العرب وتقاليدهم، وأن معظم الأغراض التي طرقها كان العرب قد سبقوا إليها، وأن ما لم يسبقوا إليه كان شيئًا تافهًا كالغزل بالمذكر، كما أنه هو -أبو نواس- لم يساير مذهبه إلى النهاية، بل كان يعود في مدائحه إلى مذاهب القدماء ترضيةً لممدوحيه، وضمانًا لنوالهم، فكأن الدعوة التي قام بها أبو نواس لم تستطع أن تغير شيئًا، ولا أن تقيم خصومة بين ذوق قديم وذوق حديث.

error: النص محمي !!