Top
Image Alt

ما يبطل الصوم، وما يكره للصائم، وما يستحب للصائم

  /  ما يبطل الصوم، وما يكره للصائم، وما يستحب للصائم

ما يبطل الصوم، وما يكره للصائم، وما يستحب للصائم

. باب ما جاء في الحجامة:

الحديث الأول:

عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه أحمد والترمذي ولأحمد وأبي داود وابن ماجه من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس مثله، ولأحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله، ولأحمد من حديث عائشة وحديث أسامة بن زيد مثله. وقولنا مثله -أي بمثل الحديث الذي ذكرناه وبنفس نصه- فكل الأحاديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).

الحديث الثاني:

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم: احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)) رواه أحمد والبخاري وفي لفظ: ((احتجم وهو محرم صائم)) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه.

الحديث الثالث:

عن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الحجامة للصائم)) وكان أنس يحتجم وهو صائم. رواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة.

هذه الأحاديث في بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) وفي بعضها الترخيص في الحجامة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم: ((احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)) وأن أنس احتجم وهو صائم.

والحجامة والحجم بمعنى. وأصل الحجم المص، والمراد هنا شق الجلد واستخراج الدم بالمص، وهي تختلف عن الفصد. فالفصد هو قطع العرق وقطع وريد ليسيل منه الدم، وإنما تكون الحجامة بسبب داء يعتري الإنسان فيتداوى بالحجامة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْطُ البحري)) قال ابن العربي: القسط نوعان هندي وهو أسود، وبحري هو أبيض، والهندي أشدهما حرارة.

قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان وفي البلاد الحارة أولى من الفصد، وآمن غائلًا، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد؛ ولأن العرب غالبًا ما كانت تعرف إلا الحجامة، والتحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج.

فالحجامة في الأزمان الحارة والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس؛ ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان، ولمن لا يقوى على الفصد.

قال الخطابي: قال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء دون الكفارة، وقال عطاء: يلزم المحتجم في رمضان القضاء والكفارة واحتج لهؤلاء بحديث ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة وإسناد أبي داود على شرط مسلم.

وعن شداد بن أوس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.

وعن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، رواه الحاكم في (المستدرك) وقال: هو صحيح.

ثم روى عن علي بن المديني أنه قال: هو صحيح، وروى الحاكم أبو عبد الله في (المستدرك) عن أحمد بن حنبل قال: أصح ما روي في هذا الباب حديث ثوبان، وعن علي بن المديني قال: لا أعلم فيها أصح من حديث رافع بن خديج. قال الحاكم: فقد حكم أحمد لأحد الحديثين بالصحة، وابن المديني للآخر بالصحة، وحكم إسحاق بن راهويه لحديث شداد بن أوس بالصحة، ثم روى الحاكم بإسناده عن إسحاق أنه قال في حديث شداد: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة.

وأما حديث: “أفطر الحاجم والمحجومفأجاب أصحابنا عنه بأجوبة:

أحدها: جواب الشافعي ذكره في (الأم) وفيه اختلاف، وتابعه عليه الخطابي والبيهقي وسائر أصحابنا، وهو أنه منسوخ بحديث ابن عباس وغيره مما ذكرنا، ودليل النسخ أن الشافعي والبيهقي روياها بإسنادهما الصحيح عن شديد بن أوس قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زمان الفتح فرأى رجلًا يحتجم لثماني عشر خلت من رمضان فقال وهو آخذ بيدي: أفطر الحاجم والمحجوم)).

وقد ثبت في (صحيح البخاري) في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((احتجم وهو محرم صائم)) قال الشافعي وابن عباس إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم محرمًا في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ولم يصحبه محرمًا قبل ذلك، وكان الفتح سنة ثمان بلا شك فحديث ابن عباس بعد حديث شداد بسنتين وزيادة. قال: فحديث ابن عباس ناسخ.

قال البيهقي: ويدل على النسخ أيضًا قوله في حديث أنس السابق في قصة جعفر: ((ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة)) وهو حديث صحيح كما سبق، قال: وحديث أبي سعيد الخدري السابق أيضًا فيه لفظ الترخيص، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي.

الجواب الثاني: أجاب به الشافعي أيضًا أن حديث ابن عباس، أصح ويعضده أيضًا القياس فوجب تقديمه.

الجواب الثالث: جواب الشافعي أيضًا والخطابي أن المراد بـ: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أنهما كانا يغتبان في صومهما، وروى البيهقي ذلك في بعض طرق حديث ثوبان، قال الشافعي: وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم في حال الخطبة لا جمعة -أي ليس لك أجرها- وإلا فهي صحيحة مجزئة عنك.

والجواب الرابع: ذكره الخطابي أن معناه: تعرض للفطر. أما المحجوم فلضعفه بخروج الدم فربما لحقته مشقة فعجز عن الصوم فأفطر بسببها أما الحاجم: فقد يصل جوفه شيء من الدم أو غيره إذا ضم شفتيه ليمص الدم، كما يقال للمتعرض للهلاك هلك فلان وإن كان باقيًا سليمًا. وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين)) -أي تعرض للذبح بغير سكين.

والجواب الخامس: ذكره الخطابي أيضًا أنه مر بهما قريبًا من المغرب، فقال: أفطر أي حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل: إذا دخل في وقت المساء أو قاربه.

والجواب السادس: أنه تغليظ ودعاء عليهما لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما.

2. ما جاء في القيء والاكتحال:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وما استقاء عمدًا فليقض)) رواه الخمسة إلا النسائي، والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان والدارقطني والحاكم، وله ألفاظ. قال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث هشام عن أبي هريرة تفرد به عيسى بن يونس.

وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده وقال أبو داود وبعض الحفاظ: لا نراه محفوظًا، قال ابن حجر: وأنكره أحمد وقال في روايته: ليس من ذا شيء -يعني أنه غير محفوظ كما قال الخطابي. وصححه الحاكم على شرطهما -أي على شرط البخاري ومسلم- قال الشوكاني: وفي الباب عن ابن عمر موقوفًا عند مالك في (الموطأ) والشافعي بلفظ: ((من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء)) قوله: “من ذرعه” قال ابن حجر في (التلخيص): هو بفتح الذال المعجمة، أي غلبه. وقوله: “من استقاء عمدًا” أي: استدعى القيء وطلب خروجه تعمدًا.

والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء. وقد ذهب إلى هذا: علي، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وزيد بن علي، والشافعي، والإمام يحيى. حكى ذلك عنهم في (البحر) وحكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام.

وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: أنه لا يفسد الصوم، سواء كان غالبًا أو مستخرجًا، ما لم يرجع منه شيء باختيار، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي ذكر فيه أن الصائم لا يفطر من ثلاثة أشياء: القيء والحجامة والاحتلام. وأجيب بأن في هذا الحديث مقال؛ فلا ينتهض للاستدلال, ولو سلمنا صلاحيته لذلك فهو محمول كما قال البيهقي على من ذرعه القيء. وهذا لابد منه؛ لأن ظاهر حديث أبي سعيد أن القيء لا يفطر مطلقًا.

3. باب من أكل أو شرب ناسيًا:

الحديث الأول:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه)) رواه الجماعة إلا النسائي، وفي لفظ: ((إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساق الله إليه ولا قضاء عليه)) رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. وفي لفظ: ((من أفطر يومًا من رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة)).

قال الدارقطني: تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري، وهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه؛ لأن الله عز وجل لا يؤاخذ الإنسان على النسيان، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي أكل أو شرب ناسيًا، إنما هو رزق ساقه الله إليه فلا يتحرج ويتم صومه؛ لأن الله عز وجل هو الذي أطعمه وسقاه ولا قضاء عليه في هذه الحالة.

أما قوله: قال الدارقطني: تفرد به ابن مرزوق، وهو ثقة عن الأنصاري. وقوله: رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح، لفظ الدارقطني الأول أخرجه من رواية محمد بن عيسى بن الضباع عن ابن علية عن ابن هشام عن ابن سيرين عنه وقال بعد قوله: إسناده صحيح أن رواته كلهم ثقات. واللفظ الثاني وهو قوله: تفرد به ابن مرزوق، وهو ثقة عن الأنصاري أخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن الحاكم.

قال الحافظ في (بلوغ المرام): وهو صحيح. وقد تعقب قول الدارقطني أنه تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري بأن ابن خزيمة أيضًا أخرجه عن إبراهيم بن محمد الباهلي عن الأنصاري، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي الحاكم الرازي عن الأنصاري أيضًا. فالأنصاري هو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة.

قال ابن حجر في (الفتح): والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط، لا بتعيين رمضان. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((من أكل في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه)). قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفًا لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع في الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة.

ويعتضد أيضًا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالف لهم كما قال ابن المنذر وابن حزم وغيرهما، منهم: علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: {وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225].

قوله: “فليتم صومه” في رواية الترمذي من طريق قتادة عن ابن سيرين فلا يفطر. قوله: ((فإنما أطعمه الله وسقاه)) في رواية الترمذي، “فإنما هو رزق رزقه الله” وللدارقطني من طريق ابن علية عن هشام: ((فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه)) قال ابن العربي: تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث. وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليها لأن الفطر ضد الصوم، والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة.

قال النووي: إذا أكل أو شرب أو تقيء أو جامع أو فعل غير ذلك من منافيات الصوم ناسيًا؛ لم يفطر عندنا سواء قل ذلك أم كثر. قال هذا هو المذهب والمنصوص. وبه قطع الشيرازي والجمهور من العراقيين وغيرهم. وذكر الخراسانيون في أكل الناسي إذا كثر وجهين ككلام الناس في الصلاة إذا كثر. والمذهب: أنه لا يفطر هنا وجهًا واحدًا لعموم الأحاديث السابقة؛ ولأنه قد يستمر به النسيان حتى يأكل كثيرًا، ويندر ذلك في الكلام في الصلاة، وذكر الخراسانيون في جماع الناسي طريقين. الصحيح ما قدمناه عن الجمهور أنه لا يفطر للأحاديث.

والثاني: على قولين كجماع المحرم ناسيًا. الصحيح لا يفطر، والثاني أنه يفطر بذلك قال النووي: وهذا الذي ذكرناه في مذهبنا أنه لا يفطر بشيء من المنافيات ناسيًا للصوم قال به الحسن البصري ومجاهد وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وغيرهم.

وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب قضاؤه في الجماع ناسيًا دون الأكل وقال ربيعة ومالك: يفسد صوم الناسي في جميع ذلك وعليه القضاء دون الكفارة. وقال أحمد: يجب بالجماع ناسيًا القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل.

4 . باب من أصبح جنبًا وهو صائم

 عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي)) أخرجاه. هذا الحديث يدل على أنه من أصبح جنبًا فصومه صحيح، ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره وإليه ذهب الجمهور. وجزم النووي بأنه استقر الإجماع على ذلك.

وقال ابن دقيق العيد: إنه صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع، وقد ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما يخالف ذلك، فأخرج الشيخان عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من أصبح جنبًا فلا صوم له)).

وروى البخاري أيضًا بسنده عن الحارث بن هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم)) وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة، ومروان يومئذ على المدينة. قال أبو بكر: فكره ذلك عبد الرحمن، ثم قدر لنا أن نجتمع بالحليفة وكانت لأبي هريرة هنالك أرض، فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرًا، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم.

ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز، ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي وفيه نظر، فإن الذي نقله البيهقي وغيره عن نص الشافعي سلوك الترجيح، وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان وقيل: هو محمول على من أدركه مجامعًا فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك.

ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه، أن أبا هريرة كان يقول: “من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم”. وحكي ابن التين عن بعضهم أنه سقط “لا” من حديث الفضل، وكان في الأصل من أصبح جنبًا في رمضان فلا يفطر، فلما سقط “لا” صار فليفطر، هذا بعيد بل باطل؛ لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث، وأنها يطرقها أمثال هذه الاحتمالات. وكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور.

قال ابن حجر: يدخل في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلًا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها. قال النووي في (شرح مسلم): مذهب العلماء كافة صحة صومها، إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أو لا؟ وكأنه أشار بذلك إلى ما حكاه في (شرح المهذب) عن الأوزاعي، لكن حكاه ابن عبد البر، عن الحسن بن صالح أيضًا، وحكي ابن دقيق العيد أن في المسألة في مذهب مالك قولين. وحكاه القرطبي عن محمد بن مسلمة من أصحابهم، وصف قوله بالشذوذ.

وحكى ابن عبد البر عن عبد المالك بن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر؛ فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضها غير طاهرة. قال: وليس كالذي يصبح جنبًا؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه.

5. باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع:

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، قال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه! وقال: اذهب فأطعمه أهلك)) رواه الجماعة.

وفي لفظ ابن ماجه قال: ((أعتق رقبة، قال: لا أجدها، قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أطيق، قال: أطعم ستين مسكينًا)) وذكره وفيه دلالة قوية على الترتيب، ولابن ماجه وأبي داود في رواية: ((وصم يومًا مكانه)) وفي لفظ للدارقطني فيه: ((فقال: هلكت وأهلكت، فقال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي)) وذكره.

وظاهر هذا أنها كانت مكرهة- يعني أنه أكره زوجته على ذلك- فكأنه يقول: أهلكت نفسي وأهلكت زوجتي، وهذا الحديث يدل على مدى سماحة الإسلام، ومدي عظمة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

فهذا الذي جاءه خائفًا وجلًا يخشى العقوبة، ويقول: هلكت يا رسول الله، يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم برفق ولين، وكأنه يهدأ من روعه، ومن خوفه، اجلس يا فلان، ما الذي أهلكك؟ فيقول الرجل: يا رسول الله، وقعت على امرأتي في نهار رمضان، والرجل لا يفهم الحكم، وإنما كان يسأل ويخاف من العقوبة، فيطمئنه النبي صلى الله عليه وسلم أن في هذا الصنيع وفي هذا الفعل الذي فعلته كفارة، ولكن الكفارة شاقة على هذا الرجل؛ يرتب له النبي صلى الله عليه وسلم الأمور أولًا فأول، فيقول له: هل تجد ما تعتق رقبة -أي عندك مال تستطيع به أن تشتري رقبة فتعتقها في سبيل الله وابتغاء مرضات الله، وكفارة عن هذا الصنيع؟ فيقول الرجل: لا يا رسول الله، ليست عنده المقدرة، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؛ أن تصوم ستين يومًا متتابعة؟ فيقول الرجل -ويعلم من حاله أنه لا يستطيع ذلك، فيقول-: لا يا رسول الله؛ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ فيقول الرجل: لا يا رسول الله.

وعند ذلك أُتى للنبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خذ هذا وتصدق به على ستين مسكينًا أو تصدق به على قدر ستين مسكينًا، فيقول الرجل: وهل هناك من أفقر مني يا رسول الله؟ والله ما يوجد في المدينة بيت أفقر من بيتي يا رسول الله؛ فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى تظهر نواجذه. والسبب في ذلك -يعني في ضحك النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من حال الرجل, فالرجل جاءه خائفًا وجلًا من هذا الفعل، فلما علم سماحة الإسلام طمع في ذلك، وطمع في أن يأخذ الفدية إلى أهله وبيته، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأرشده أن يأخذ هذا فيتصدق به على أهل بيته،صلى الله عليك وسلم يا رسول الله! ما أجمل هذا وما أروعه!. هذا هو ديننا وهذه هي شريعتنا، وتلك هي أحكامنا.

6. باب آداب الإفطار والسحور:

الحديث الأول:

عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم)).

الحديث الثاني:

عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) متفق عليهما.

الحديث الثالث:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عز وجل إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا)) رواه أحمد والترمذي. وحديث أبي هريرة هذا قال الترمذي: حديث حسن غريب.

قال الشوكاني: وفي الباب عن عائشة عند الترمذي وصححه أنها سئلت عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؛ فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ فقيل لها: عبد الله بن مسعود قالت: هكذا صنع رسول الله، صلى الله عليه وسلم. والآخر أبو موسى.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه حديث آخر عند أبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) وعن سهل بن سعد حديث آخر عند ابن حبان والحاكم بلفظ: ((لا تزال أمة على سنتي ما لم تنتظر بفطرة النجوم)) قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة.

وأخرج عبد الرزاق وغيره بإسناد، قال الحافظ: صحيح، عن عمرو بن ميمون قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا.

وقوله: ((إذا أقبل الليل)) زاد البخاري في رواية: ((من ها هنا)) وأشار بإصبعيه قبل المشرق، والمراد وجود الظلمة. وقوله: ((وأدبر النهار)) زاد البخاري في رواية ((من ها هنا)) يعني من جهة المغرب.

قوله: ((وغابت الشمس)) في رواية للبخاري: ((وغربت الشمس)) وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق، ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس. وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بغروب الشمس.

قوله: ((فقد أفطر الصائم)) أي قد دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد إذا أقام بنجد، وأتهم إذا أقام بتهامة. ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطرًا في الحكم؛ لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي. وقال ابن خزيمة: هو لفظ خبر، ومعناه الأمر -أي فليفطر- ويرجح الأول ما وقع في رواية عند البخاري: ((فقد حل الإفطار)).

قوله: ((ما عجلوا الفطر)) زاد أبو ذر في حديثه: ((وأخروا السحور)) أخرجه أحمد. و”ما” ظرفية -أي مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة ووقوفًا عند حدها قال المهلب: والحكمة في ذلك أن ذلك ألا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة، انتهى.

وأيضًا في تأخيره تشبه باليهود؛ فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم، وقد كان الشارع الحكيم يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا اليهود والنصارى قصوا الشارب وأعفوا اللحى)) واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل. وقد صرح الحديث القدسي وهو الثالث: بأن معجل الإفطار أحب عباد الله إلى الله فلا يرغب عن الاتصاف بهذه الصفة إلا من كان حظه من الدين قليلًا كما تفعله الرافضة.

ولا يجب تعجيل الإفطار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بالمواصلة إلى السحر كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه والشيعة من المسلمين يؤخرون الإفطار إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخبر بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعلٍ خلاف السنة.

error: النص محمي !!