Top
Image Alt

ما يختص به كل من “الواو” و”الفاء”

  /  ما يختص به كل من “الواو” و”الفاء”

ما يختص به كل من “الواو” و”الفاء”

من حروف العطف: الواو، والفاء، وأم؛ يختص كل واحد منها بجواز حذفه مع معطوفه بشرط أمن اللبس، وهذه الثلاثة هي: الواو، والفاء، وأم المتصلة.

فمثال حذف الواو مع معطوفها لدليل: قولك مثلًا: “أنقذت الغريق ولم يكن بين الموت إلا لحظات”، أي: لم يكن بين الموت وبينه، فحذفت الواو مع معطوفها، ومثال ذلك قول الشاعر:

إني مقسِّم ما ملكت

*فجاعل قِسمًا لآخرة ودنيا تنفع

يريد: وقسمًا لدنيا؛ حيث حذف الواو ومعطوفها.

ومن الشواهد أيضًا: قول النابغة الذبياني يرثي أبا حجر النعمان بن الحارث الغساني:

فما كان بين الخير لو جاء سالمًا

*أبو حَجرٍ إلا ليالٍ قلائل

 

ويضبط “أبو حَجر”، يضبط أيضًا “أبو حُجر”، وأبو حجر: كنية رجل اسمه النعمان بن الحارث، والتقدير: بين الخير وبيني، فما كان بين الخير وبيني لو جاء سالمًا… إلى آخر البيت، والبيت إعرابه مفصلًا كالآتي:

“ما كان بين الخير”: ما: حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب، كان: فعل ماض ناقص، بين: ظرف متعلق بمحذوف خبر “كان” تقدم على اسمه، وبين: مضاف، والخير: مضاف إليه، وفي الكلام معطوف حُذف مع حرف العطف أيضًا، وأصل الكلام: فما كان بين الخير وبيني كما ذكرت لك.

“لو جاء سالمًا”: لو: حرف شرط غير جازم، جاء: فعل ماض، وسالمًا: حال من الفاعل تقدم عليه، وأبو حجرٍ: أبو: فاعل “جاء” مرفوع بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة، وأبو: مضاف، وحجر: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، وجواب “لو” محذوف يدل عليه الكلام، وجملة “لو” وشرطها وجوابها لا محل لها من الإعراب معترضة بين خبر “كان” واسمها.

قوله: “لا ليال قلائل”: إلا: أداة حصر، حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، ليال: اسم “كان” مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، قلائل: صفة لليال، وصفة المرفوع مرفوع وعلامة رفعها الضمة الظاهرة.

وقد بان الشاهد في البيت حيث حُذفت الواو مع المعطوف بها، وتقدير الحذف: فما كان بين الخير وبيني، ودليل هذا الحذف قوله: “بين الخير”، من قبل أن كلمة “بين” يجب أن يكون ما تضاف إليه متعددًا.

ومما يصلح لحذف الواو مع معطوفها أيضًا قول بعض العرب: “راكب الناقة طليحان”؛ أي: أصابهما التعب والإعياء، فإن راكب الناقة: مبتدأ، وطليحان: خبره، ولو بقي الكلام بغير تقدير لوقع الإخبار بالمثنى عن المفرد، وهو لا يجوز، فلزم أن يقدر معطوف بحرف عطف محذوف، وصار الكلام هكذا: راكب الناقة والناقة طليحان، ومن ثم حُذف حرف العطف مع معطوفه.

ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل: قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 160] معنى {اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أي: طلبوا منه الماء للسقي، ومعنى “انبجست”: تفجرت، والأصل: وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن أضرب بعصاك الحجر، فضرب فانبجست، وقد حُذفت الفاء مع معطوفها وهو “ضرب”.

ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم} [الشعراء: 63].

ومن الشواهد القرآنية أيضًا قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} أي: فضرب فانفجرت، وتسمى هذه الفاء المذكورة في الكلام، والتي تعطف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت -أي: بينت وكشفت- عن المحذوف، ودلت عليه وما نشأ عنه، ولأنها أحيانًا تفصح عن جواب شرط مقدر؛ ففي الآية الأولى دلت الفاء على المحذوف وعلى أن الضرب كان سببًا في الانبجاس، أو يقال: إن كان موسى قد أطاع الأمر وضرب الحجر فماذا تم بعد ذلك؟ فالجواب: انبجست منه اثنتا عشرة عينًا.

ويذكر العلماء أيضًا حرفًا ثالثًا يضاف إلى الواو والفاء في اختصاصه أيضًا بخصيصة مشاركة للواو والفاء، وهو “أم” المتصلة:

فمثال حذف أم المتصلة ومعها معطوفها بدليل: قول الشاعر:

وقال صحابي قد غبنت وخلتني

*غبنت فما أدري أشكلكم شكلي

الشكل: هو الطريق، والأصل: أشكلكمُ شكلي أم غيره، ومثال آخر لحذف “أم” المتصلة ومعطوفها بدليل قول الشاعر:

دعاني إليها القلب إني لأمره

*سميع فما أدري أرشد طِلابها

والتقدير: أرشد طِلابها أم غيٌّ، وهذا الحذف -أعني: حذف أم ومعطوفها- نادرٌ قليلٌ؛ لذلك يقتصر العلماء على الواو والفاء، فيذكروا ما تختص به كل واحدة منهما من جواز في كل منهما مع المعطوف، ولا يذكرون هذا الأمر مع “أو” نظرًا لقلته.

ومن الشواهد التي يسوقها العلماء على حذف “أو” ومعطوفها: قول أمية الهذلي:

فهل لك أو من والد لك قبلنا

*يوشِّج أولاد العشار ويفضل

يوشج: من التوشيج، بمعنى الإحكام، ويُروى يوشِّح بالحاء، وهو من التوشيح بمعنى: التزيين.

وقوله: “أولاد العشار” أي: الحديثات العهد بالنتاج، والعشار من الإبل: التي قد أتى عليها عشرة أشهر، وقيل: العشار اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها وبعضها ينتظر نتاجها، وقوله: “يفضل”: من الإفضال وهو الإحسان والإجمال، والمعنى: إن الشاعر يمنّ على مخاطبه بأنه هو أو قبيلته حاطه ورعاه وكان به رفيقًا أحوج ما يكون إلى الرعاية والرفق، وقد شبهه بأولاد العشار لضعفها وعدم استطاعتها شيئًا، وأنه كأولاد العشار كان كالًّا على الشاعر أو على قبيلته، ولم يكن له من تولى رعايته وحمايته قبل رعيتهم له أحدٌ من آباء أو من إخوة.

وأما إعراب البيت فيتضح كما يلي:

قوله: “فهل لك”، الفاء: بحسب ما قبلها، وهل: حرف استفهام، ولك: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: هل أخ لك كائن أو موجود؟

قوله: “أو من والد”، أو: حرف عطف، ومن: زائدة، ووالد: معطوف على أخ، والتقدير: فهل لك أخ أو والد؟

وإعراب الشطر الآخر: “ويوشج أولاد العشار ويفضل”، يوشج: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر، وأولاد: مفعول، والعشار: مضاف إلى أولاد، والواو: حرف عطف، يفضل معطوف على يوشج، والشاهد فيه قوله: أو من والد؛ حيث حُذف “أو” مع معطوفها، والتقدير: فهل لك من أخ أو من والد؟ و”من” زائدة في الموضعين.

وتنفرد الواو بجواز عطفها عاملًا قد حُذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور.

أمثلة لهذه المعمولات الثلاث:

فمثال المعمول المرفوع: قوله تعالى لآدم: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] فكلمة “زوج”: فاعل بفعل محذوف، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور معطوفة على الجملة الأمرية المكوَّنة من فعل الأمر “اسكن” وفاعله، والتقدير: اسكن أنت، وليسكن زوجك، والسبب في هذا أننا لو أعربنا كلمة “زوج” معطوفة بالواو على الفاعل المستتر لفعل الأمر لكان العامل في المعطوف “زوج” هو العامل في المعطوف عليه؛ أي: في الفاعل المستتر، فيكون الفعل “اسكن” عاملًا في فاعله، وفي كلمة “زوج”، فهو الذي رفع كلمة “زوج”، وهي بمنزلة الفاعل بسبب عطفها على الفاعل، ويترتب على هذا أن يكون فاعل الأمر اسمًا ظاهرًا مع أن فعل الأمر لا يرفع الظاهر.

ومثال المعمول المنصوب: قوله تعالى في أنصار الدين: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] ومعنى {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ}: أعدوها للسكنى، وهذا المعنى مناسب للدار، لكنه غير مناسب للإيمان؛ إذ لا يقال على سبيل الحقيقة: هيئوا الإيمان للسكنى، ومن ثم أعربت كلمة الإيمان مفعولًا لفعل محذوف تقديره: ألفوا، وهذه الجملة الفعلية المحذوفة معطوفة بالواو على الجملة الفعلية التي قبلها.

ومن الشواهد الشعرية على هذا أيضًا: قول الشاعر:

إذا ما الغانيات برزن يومًا

*وزججن الحواجب والعيونا

أي: وكحلن العيون؛ لأن التزجيج وهو ترقيق الحاجب بأخذ بعض الشعر منه كي يصير منحنيًا كالقوس لا يصلح للعيون.

ومن الشواهد الشعرية أيضًا: قول آخر:

علفتها تبنًا وماء باردًا

*حتى شتت همالة عيناها

 

ويروى “بدت عيناها” مكان “شتت عيناها”، وهما بمعنى واحد، وقوله: “همالة” صيغة مبالغة من هملت العين: إذا همرت بالدموع.

ومعنى البيت: علفت هذه الدابة تبنًا وأشبعتها وسقيتها ماءً باردًا حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع، وتلك عادة الدواب إذا شبعت، والشاهد تعرفه من خلال إعراب البيت كله.

قوله: “علفتها”: فعل وفاعل ومفعول أول، وتبنًا: مفعول ثانٍ.

وقوله: “وماء باردًا” الواو: للعطف، وماء: مفعول لفعل محذوف تقديره: وسقيتها، باردًا: صفة لماء.

قوله: “حتى شتت”: حتى: حرف غاية، وشتت: فعل ماض، والتاء فيه للتأنيث، والفاعل قوله: “عينا” حين قال: “عيناها”، وهو مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى، وحذفت فيه النون للإضافة، وهاء مضاف إليه. وهمالة: حال من عيناها الواقع فاعلًا للفعل “شتت”، والشاهد فيه قوله: “وماءً باردًا”، حيث حذف العامل المعطوف وبقي معموله وهو “ماء”؛ أي: وسقيتها ماءً؛ لأنه لا يصح أن يعطف “ماء” على قوله: “تبنًا”؛ من عطف المفرد على المفرد، لانتفاء المشاركة لعدم صحة تسلط العامل عليه؛ لأن الماء لا يُعلف ولا يصح أن تكون الواو للمعية لانتفاء المصاحبة؛ لأن الماء لا يُصاحب التبن في العلف.

ومثال المعمول المجرور حينما يُحذف العامل ويبقى هذا المعمول وحرف العطف حينئذً الواو: قولهم: “ما كل سوداء تمرة أو فحمة، ولا بيضاء شحمة”، التقدير: ولا كل بيضاء، فقوله “بيضاء”: مجرورة بمضاف محذوف معطوف على قوله “كل”، والأصل: ولا كل بيضاء شحمة، والداعي للتقدير هنا هو الفرار من العطف على معمولي عاملين مختلفين، وإيضاح هذا أن كلمة “سوداء” مضاف إليه، فهي معمول عامله هو المضاف لفظة “كل”، وأن تمرة أو فحمة: خبر “ما” الحجازية، فهي معمول عامله “ما”، فالعاملان مختلفان وكذلك المعمولان، فلو عطفنا بيضاء على سوداء وعطفنا شحمة على تمرة أو فحمة لزم العطف بعاطف واحد هو الواو على معمولين مختلفين لعاملين مختلفين، وهذا لا يبيحه كثرة النحاة؛ إذ يجب أن يكون العامل في المتعاطفين واحدًا لا أكثر.

وقد عقب ابن هشام على الأمثلة التي ذكرها لعطف الواو عاملًا قد حُذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور؛ عقّب على الأمثلة التي ذكرها وهي أمثلة قرآنية: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] للمعمول المرفوع: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} للمعمول المنصوب، والأثر العربي الذي ذكره للمعمول المجرور وهو: “ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة”؛ عقب على ذلك مبينًا هذا بقوله: وإنما لم يُجعل العطف فيهن على الموجود في الكلام لئلا يلزم في الأول؛ يعني في الآية القرآنية: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} رفعُ فعل الأمر للاسم الظاهر، وفي الثاني يقصد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} كون الإيمان متبوأً، وإنما يتبوء المنزل، وفي الثالث يقصد ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة العطف على معمولي عاملين، ولا يجوز في الثاني -أي: في قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ}- أن يكون الإيمان مفعولًا معه؛ لعدم الفائدة في تقييد المهاجرين بمصاحبة الإيمان، إذ هو أمر معلوم، انتهى كلامه.

وفي مواضع الحذف السالفة يقول ابن مالك مقتصرًا على بعضها:

والفاء قد تحذف مع ما عطفت

*والواو إذ لا لبس وهي انفردت

بعطف عامل مزالٍ قد بقي

*معموله دفعًا لوهم اتقي

قوله “عامل مزال”: أي أزيل عن مكانه، والمراد: حُذف، وقد بُيّن في البيت الثاني أن الداعي لتقدير المحذوف دفع وهم لا يستقيم الأمر إلا بدفعه وإزالته، ولم يتحدث عن الحرف الثالث وهو “أم” نظرًا لقلة حذفه مع معطوفه.

error: النص محمي !!