Top
Image Alt

ما يخرج بقيد العدالة

  /  ما يخرج بقيد العدالة

ما يخرج بقيد العدالة

مما يُخرج عن العدالة ويؤدي إلى الجرح: “الكفر”

“الكفر” ذكره ابن حبان في النوع الأول من أنواع الجرح في الضعفاء، فذكر الزنادقة الذين كانوا يعتقدون الزندقة، ويعتقدون الكفر، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لقد كانوا كفارًا في الباطن مسلمين في الظاهر، كانوا يدخلون المدن ويتشبهون بأهل العلم، ويضعون الحديث على العلماء، ويروون عنهم؛ ليوقعوا الشك والريب في قلوبهم؛ فيضلون ويضلون، يسمع منهم من يسمع ويؤدي إلى من يؤدي، ويتداول الناس ما يروون فيما بينهم. لكن العلماء لم يقصروا في تتبع رواياتهم واكتشاف بواطنهم، مما ظهر في بواطنهم من التلاعب، وما قصدوا بها من هدم الحقائق الإسلامية، وإيقاع الناس في الشبهات.

قال إبراهيم النخعي: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم؛ فإنهما كذّابان. قال ابن نمير: مغيرة بن سعيد هذا كان ساحرًا مشعوذًا، وأما بيان بن سمعان فكان زنديقًا، قتلهما خالد بن عبد الله القسري وأحرقهما بالنار. وعد الحاكم من هؤلاء محمد بن سعيد المصلوب، وقال عنه: روى عن حميد عن أنس: “أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله”. قال الحاكم: فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة، والدعوة إلى التنبؤ -أي ادعاء النبوة- لقد أضاف جملة واحدة للحديث المعروف، أراد بها إفساد أصل من أصول العقيدة، وهو ختم النبوة برسولنا صلى الله عليه  وسلم فكشف عن زندقته، وكفره الذي يخفيه، وقد دخل عليه الثوري وسمع منه، ثم خرج، فقيل له: ماذا رأيت؟ فقال: كذّاب. ولما استمر على ذلك انتهى به الأمر إلى أن صلبه أبو جعفر المنصور لزندقته.

الكذب والمراد به في الرواية:

ووقع الكذب من قوم توهموا أن وضع الحديث على الشيوخ الثقات في الحث على الخير، وذكر الفضائل، والزجر عن المعاصي، والعقوبات عليها، توهموا أن مثل ذلك مما يؤجرون عليه، ومن هؤلاء: أبو عصمة نوح بن أبي مريم، وميسرة بن عبد ربه، وأحمد الجويباري، ومحمد بن القاسم الطايكاني، ومأمون بن عبد الله الهروي … وغيرهم.

قال يحيى القطان: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منهم فيمن ينسب إلى خير؛ لأنه يتوهم الخير للإسلام والمسلمين في كذبه؛ لجهله وعدم معرفته بالأمور الدينية. وقيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله  عنهما في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: أرغب في الخير.

لقد رأى أبو عصمة أن الناس قد اشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضع لهم في فضائل القرآن سورة سورة ما ظن أنه يدفعهم إلى قراءة القرآن، واحتسب إلى الله بالكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو ما يدل على جهله المطبق.

ومن الكذابين من وضع الحديث يتقرب به إلى الملوك في عصره، كغياث بن إبراهيم، روى حديث: ((لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل)) فزاد “أو جناح” ليرضي المهدي؛ لأنه كان يحب أن يسابق بين الحمام في الطيران.

ومنهم من وضع حديثًا لمصلحة خاصة به، كالانتقام ممن ضرب ابنه في التعليم، فهذا سعد بن طريف قيل له: إن المعلم ضرب ابنك. فقال: لأخزينه. ثم وضع حديثًا عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين”.

ومنهم من حمله الشره والاستكثار من الرواية على أن يروي عن قوم ماتوا قبل أن يولد.

وممن كان يسرق الحديث من المتهمين بالكذب قوم رأوا شيوخًا سمعوا منهم، ثم ذكروا عنهم بعد موتهم أحاديث لم يسمعوها منهم، فحفظوها برواية غيرهم عنهم، فلما احتاج الناس إليهم حدثوا بها عن الشيوخ الذين رأوهم، وسرقوها ممن سمعوها منه. قال إسحاق بن عيسى بن الطباع: ذاكرت محمد بن جابر ذات يوم بحديث شريك عن أبي إسحاق، فرأيته قد ألحقه بين السطرين كتابًا طريًّا -أي: زاده، وادعى روايته في كتابه القديم بكتابة حديثة كشفت كذبه.

ومنهم من عمد إلى أحاديث عن الصحابة فرفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم كأبي حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “الشفق الحمرة” وهو في الموطأ عن ابن عمر من قوله، فرفع كلامه ونسبه إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم.

ومنهم من عمد إلى أحاديث عن التابعين أرسلوها عن النبي صلى الله عليه  وسلم فوصلها:

فقد روى إبراهيم بن محمد المقدسي، عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “ليس شيء خيرًا من ألف مثله إلا الإنسان” فرجع العلماء إلى كتاب الثوري فوجدوا فيه عن الأعمش عن إبراهيم، عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم مرسلًا وقد تعمد وصله؛ ليظهر صحيحًا؛ وليعامل معاملة الصحيح.

ومنهم من غلب عليه الصلاح والعبادة، فاستخف بالرواية، ولم يتفرغ بضبط الحديث والإتقان فيه؛ فظهر جرحه، وتبين خطؤه. قال خلف بن سالم: من استخفّ بالحديث استخف به -أي الحديث. وذكروا من ذلك أن ثابت بن موسى الزاهد دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم وتوقف عن ذكر المتن، ونظر إلى ثابت بن موسى فقال: “من كثرت صلواته بالليل حسن وجهه بالنهار” وكان في ذلك يتكلم عن ثابت، ويمدحه لورعه وزهده وتقواه، فتوهم ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعًا عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولم يشاركه في ذلك أحد ممن كان يسمع من شريك؛ لأنهم ميزوا بين قوله وبين روايته، فحدث ثابت عن شريك به مرفوعًا، مع أن هذا الكلام ليس له أصل من كلام الرسول صلى الله عليه  وسلم وإنما هو كلام شريك، قاله حينما توقف عن الرواية واتجه إلى ثابت بالحديث، وقد سرقه جماعة من ثابت فرووه عن شريك، فثابت أخطأ بغير قصد، والذين سرقوه تعمدوا الكذب، وجزموا بسماعه من شريك؛ فلم يأثم ثابت بذلك، وإن ظهر تقصيره وضعفه في مجال التثبت والضبط، وتحمل السراق تهمة الكذب على الرسول صلى الله عليه  وسلم.

ومع أنهم لصلاحهم لم يتعمدوا الكذب -كما قال مسلم في مقدمة صحيحه- لكنهم رووا الكذب بغير قصد منهم؛ فتوقف العلماء في قبول روايتهم وردوها؛ لأنها لا أصل لها عن الرسول صلى الله عليه  وسلم وجرّحوهم بذلك في مجال الرواية لا في مجال التدين.

ومن هؤلاء قوم ليس الحديث من صناعتهم، لا يحفظون حديثهم، ولكنهم يتصدون لرواية الحديث، فيقرأ عليهم طالب العلم أحاديث ليست لهم، فيقولون: إنها أحاديثهم. ويقرون بذلك.

ومنهم من أدخل عليه بعض الناس أحاديث في كتبه فلم يميز، فلما صححوا له لم يقبل التصحيح؛ عنادًا أو مكابرة.

وقد كشف أئمة الحديث كل هذه الجوانب من الكذب، وحددوا من قام بها ومن صدرت عنه، وجردوا السنة من روايات الكذابين والمتهمين بالكذب، وأخرجوا من كذب أو اتهم بالكذب من دائرة القبول والاعتماد؛ ومن أجل ذلك لا مجال لمن يقول: إن هذه الأحاديث المكذوبة أثرت في السنة أو اختلطت بالأحاديث الصحيحة؛ فقد كان الزنادقة ومن تبعهم يضعون، وكان المحققون من العلماء يتابعون؛ فصفوا السنة من الدخيل، وحجبوا الموضوعات والكذابين بعيدًا عن الكتب الأصلية التي اعتمدوها في الحديث، وكان ذلك مظهرًا من مظاهر عناية الله سبحانه وتعالى بالسنة، فكما حفظ القرآن حفظ السنة للمسلمين.

المراد بالفسق، وألوانه:

أما الفسق: فإنه لم يظهر في السنة كثيرًا؛ لأن أهل الحديث لم يقبلوا روايات الفساق، وتجنبوا الأخذ عمن ظهر فسقه أو اشتهر فجوره:

قال ابن حبان: ومن المجروحين: المعلن بالفسق والسفه وإن كان صدوقًا في روايته -أي ضابطًا- لأن الفاسق لا يكون عدلًا، والعدل لا يكون مجروحًا، ومن خرج عن حد العدالة لا يعتمد على صدقه وإن صدق في شيء بعينه في حال من الأحوال، إلا أن يظهر عليه ضد الجرح؛ حتى يكون أكثر أحواله طاعة لله عز وجل فحينئذ يحتج بخبره، فأما قبل ذلك فلا.

وممن ذكره ابن حبان من الفساق صالح بن محمد الترمذي، يروي عن محمد بن مروان السُّدي، كان رجل سوء، مرجئًا، جهميًّا، داعيًا إلى البدع، يبيع الخمر ويبيح شربه، وقد رشا لهم -أي دفع رشوة- حتى ولوه قضاء ترمذ، فكان سيفًا على أهل الحديث، حتى إنه أخذ رجلًا من الصالحين من أهل الحديث فجعل الحبل في عنقه، وأمر أن يطاف به في الناس فينادى عليه، وقد أغضب ذلك المحدثين؛ فكان الحميدي يقنت عليه بمكة، وكان إسحاق الحنظلي يبكي إذا ذكر ما يفعله لجرأته على الحق.

المراد بالبدعة وحكم الرواية عن صاحب البدعة:

وأما البدعة فلها جانبان: جانب الاعتقاد، وجانب العمل. ويعبر عنها قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) ويعبر عنها أيضًا قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)) وفي رواية: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).

وقد وقف المحدثون في مجال الرواية موقفًا حاسمًا من البدعة وأهلها، فمنهم من طرد عن مجلسه كل مبتدع ورد روايته.

قال ابن سيرين: كان في الزمن الأول الناس لا يسألون عن الإسناد، حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد؛ ليحدث حديث أهل السنة، ويترك حديث أهل البدعة. وفي رواية عنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد -أي إذا لم يكن هناك ما يدعو إلا التثبت- فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم؛ فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. أي إن الغالب في الرواة كان السلامة، إلا إذا وجد ما يدعو إلى الشك، فلما ظهرت البدع صار الغالب التهمة إلا إذا ظهر ما يدعو إلى القبول. وقال ابن سيرين أيضًا: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم.

قال الذهبي: البدعة على ضربين: صغرى، كالتشيع بلا غلو، كمن تكلم في حق من حارب عليًّا، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد هؤلاء لذهب جملة من الأثر.

إن النسبة إلى أهل البدعة نسبة سطحية في هذه البدعة الصغرى، ولم تتمكن البدعة من القلوب بحيث تؤثر في مجال الرواية.

ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر وعثمان، والدعوة إلى ذلك، قال الذهبي: فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة -أي: لشدة بدعتهم، وظهور بغضهم للحق ولأهل الحق- ثم أضاف إلى ذلك: وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم. إن من يغلو في البدعة أو يتعصب لها، يتقيد بما فيها من الخروج على الأصول، ويتعصب لذلك، ويكذب، ويتحرى الكذب، ويرد ما يخالفه بغير حق، وفي ذلك ضلال كبير.

قال السيوطي عن كلام الذهبي في البدعة الكبرى، وأن أصحابها لا يصدقون ولا يؤمن كذبهم: وهذا هو الصواب الذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه. قال: لأن سباب المسلم فسوق، والصحابة والسلف من باب أولى. وكان عليه أن يضيف إلى ذلك ما لاحظه الذهبي من الناحية التطبيقية، من عدم التزامهم الصدق فيما يروون والسلامة فيما يحكون.

وقد سئل مالك عن الرافضة فقال للسائل: لا تكلمهم، ولا ترد عليهم. وقال الشافعي: لم أر أشهد بالزور من الرافضة. وقال شريك: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة.

وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء أو المبتدعة الذين لا يعرف منهم استحلال الكذب، واستحلال الشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة. قال الشافعي -رحمه الله: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. فجعل المدار على قبول رواية المبتدع على عدم استحلال الكذب؛ لأن اعتقاد حرمة الكذب تمنع من الإقدام عليه؛ فيحصل الصدق.

وزاد بعضهم شرطًا آخر، وهو ألا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ويزينها؛ حيث لا يؤمن أن يغلبه الهوى في روايته. ورأى البعض قبول رواية المبتدع عمومًا إذا كان المروي يشتمل على ما ترد به بدعته؛ لبعده حينئذ عن التهمة. وخص بعضهم قبول روايته بما إذا لم يروها غيره، فإذا وافقه غيره في الرواية لم يلتفت إلى روايته؛ إخمادًا لبدعته، وإطفاءً لناره. وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك إلا عنده، مع صدقه، وتحرزه عن الكذب، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته؛ فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته.

error: النص محمي !!