Top
Image Alt

ما يطرأ على المغصوب من الغلة

  /  ما يطرأ على المغصوب من الغلة

ما يطرأ على المغصوب من الغلة

الغلة هذه زيادة مالية, لكن معنى الغلة هنا قال فيها الفقهاء: الغلة ثلاثة أقسام:

القسم الأول: غلة متولدة عن الشيء المغصوب على نوعه، وتكون على خلقته وهو الولد, أي: يغتصب مثلًا غنمًا فتلد.

القسم الثاني من الغلة: غلة متولدة عن الشيء المغصوب، ولكن ليست على صورته وخلقته، مثل الثمار، فالشجرة تثمر والثمرة ليست مثل الشجرة، ولبن الماشية، فاللبن مختلف عن الماشية التي حدث منها وصوفها وهكذا.

الثالث: غلة غير متولدة, وسموها المنافع، والمنافع كأجرة الدابة التي تكرى وهكذا.

الغلة المتولدة على خلقة الشيء وعلى صورته، كالدابة تلد دابة، وهذا القسم لا خلاف بين الفقهاء في أن الغاصب يرده، فيرد الولد مع أمه المغصوبة بلا خلاف بين الفقهاء.

القسم الثاني -الغلة المتولدة أو الناتجة على غير خلقة الأصل- كأن يغتصب شجرًا، فيثمر الشجر، ويغتصب ماشية فيحلب لبنها، ويغتصب غنمًا فيجز صوفها، ونحو ذلك.

وأبو حنيفة ومحمد ذهبا في هذا القسم إلى أن الغلة المتولدة من الشيء المغصوب, وكانت على غير خلقة الأصل, أي: شيئًا ليس من جنسه خلاف الصورة الأولى فالدابة تلد، فهذه أبو حنيفة يقول: هذه الغلة كالثمر واللبن والصوف لا تطيب للغاصب, أي: غير مباحة؛ لأنها نشأت عن أمر غير مباح، والأمر غير المباح هنا هو الغصب، وسبيلها هو التصدق بها؛ أي: الغاصب يتصدق بها لأنها لا تطيب له.

وقال أبو يوسف وزفر: تطيب للغاصب إذا دفع ضمانها؛ لأن المغصوب صار ملكًا له بالضمان, فالشيء الذي غصبه كأنه عند أبي يوسف وزفر صار مملوكًا له؛ لأنه ضامن، والضمان معروف عندهم، والمضمونات تملك لأن الغرم بالغنم، أو الغنم بالغرم، فالمضمونات ما دامت تملك بالضمان صارت مستندة إلى وقت الغصب، وعليه تطيب للغاصب عندهم.

فالحنفية تكلموا من حيث إنها تطيب للغاصب أو لا تطيب، لكن المالكية عندهم قولان:

أحدهما: أن للغاصب ذلك المتولد؛ أي: يأخذ الشجر الذي اغتصب مع ثمره، والماشية التي اغتصبت مع لبنها إن كان باقيًا، وإن فات يدفع ثمنه أو قيمته، والصوف يأخذه صاحبه، فللغاصب أن يأخذ ذلك المتولد، هذا عند المالكية بالنسبة للمتولد إذا كان ليس على صورة المغتصب أو الشيء المغصوب.

الثاني عند المالكية: يلزم الغاصب أن يرد هذا الشيء مع الشيء المغصوب, إن كان موجودًا بعينه -كما ذكرنا بالنسبة للبن- أو قيمته إن ادعى الغاصب تلفه، ولم يعرف ذلك إلا من قوله. فكأننا نقول هنا: إن المالك للشيء المغصوب كأنه يريد أن يأخذ ماله وما نتج عنه، فإذا ادعى الغاصب أنه تلف، ولم يعرف ذلك إلا من قوله، فيجب عليه أن يرده وقيمة ما تلف، أو يرده ويرد ما تولد منه من ثمر ولبن إذا كان باقيًا. فإذا تلف يكون المالك مخيرًا بين أن يضمن الغاصب قيمة الشيء المغصوب، ولا شيء له في الغلة، وبين أن يأخذ الغلة ولا شيء له من القيمة, فهذا أمر متروك عند المالكية للمغصوب منه إذا تلف.

فالمغصوب منه، وهو المالك مخير بين أن يضمن الغاصب قيمة الشيء المغصوب, ولا شيء له فيما تولد منها من ثمرة، وبين أن يأخذ الغلة ولا شيء له من القيمة عنها, إذا أراد أخذها مضمومة إلى الشيء الذي تولدت منه.

القسم الثالث من الغلة, وهو ما سمي بالمنافع -وهو ما كان غير متولد- منافع الشيء المغصوب، كأن يغتصب شخصٌ دارًا فيسكنها، أو يغتصب دابة فيركبها بنفسه، أي: انتفع بها، أو يغتصب ثوبًا فيلبسه ويستعمله، أو يغتصب أرضا زراعية فيزرعها.

هذا القسم اختلف الفقهاء في حكمه؛ فالحنفية قالوا: الغاصب لا يضمن ما غصبه من ركوب الدابة ونحوها، سواء استوفاها بنفسه، بمعنى: أنه ركب الدابة أو استعملها أو لبس الثوب المغصوب، فلا يضمن هذه المنافع؛ لأن القاعدة عند الحنفية أن المنافع ليست بمال، وربما نكون قد أشرنا إلى ذلك فيما سبق من الكلام في المعاملات, ورأي الحنفية في المنفعة.

وقالوا: إن المنفعة الحادثة على يد الغاصب -هذا التبرير الثاني- لم تكن موجودة في يد المالك، فهو سكن العقار أو ركب الدابة، وفي وقت الغصب هذه المنفعة تحت يد الغاصب، فلم يتحقق منها معنى الغصب؛ لأنها حدثت بعد نزع الملكية أو غصب المال من الغاصب، وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع.

كأن الحنفية يقولون: الغاصب لا يضمن المنفعة؛ لأن المنافع ليست بمال، فلا تضمن إلا في ثلاثة مواضع، وأوجبوا فيها ما سموه بأجر المثل، كأنهم إذا غصبوا منفعة شيء مغصوب، كأنهم قالوا في هذه المسائل الثلاث: يدفع أجر المثل، وهذا ما عليه الفتوى عندهم، وهو أن يكون المغصوب وقفًا, أي: إذا غصب عقارًا موقوفًا يجب عليه أن يدفع أجر ما غصبه إذا كان وقفًا؛ لأن للفقراء الموقوف عليهم حقًّا فيها, أو كان المال مالًا ليتيم، وهذا واضح، أو مالًا معدًّا للاستثمار أو الاستغلال؛ لأن المنفعة ليست بمال متقوم عندهم.

لكن هذه الثلاثة؛ لأن للغير حقًّا فيها في الوقف، أو لأن اليتيم يتضرر بهذا، أو أن المال أعد للاستغلال فتوقف استغلاله، فقالوا: إلا هذه، فيجب فيها الأجر عملًا بحديث: ((الخراج بالضمان)), وحينئذ للقاضي أن يحكم إما برد المغصوب لصاحبه ما دام قائمًا, أو رد مثله أو قيمته إذا هلك.

وغير الحنفية -الجمهور- قالوا: منافع المغصوب مضمونة؛ لأن المنافع عندهم أموال وأموال متقوّمة، ولأن الغرض الأظهر في نظر جميع العلماء وغيرهم أن الغرض من جميع الأموال هو أخذ منفعتها، فليس الغرض من المالِ المالَ في نفسه، وإنما المنفعة المتولدة منه أو المطلوبة منه.

إلا أن المالكية قالوا: تضمن منافع الأموال من الدور والأراضي بالاستعمال فقط، لكن إذا اغتصبها وتركها ضاع عندهم على المالك أو المغصوب منه حقه في المنفعة أو أجرها بالفوات هذا. فلو غصب شخص عند المالكية دارًا، وتركها لم يؤجرها ولم ينتفع بها؛ لا شيء له في مقابل هذا، لكن إذا استعملها فعليه ضمان المنفعة، فيعطي لمالكها مقابل هذا الانتفاع.

فعندهم الضمان بالتفويت دون الفوات, وبالتفويت أي: إذا فوت المنفعة بالاستعمال، وإنما الفوات يعني الترك فلا ضمان فيه عند المالكية.

أما الشافعية والحنابلة فقالوا: تضمن المنافع التي يستأجر المال من أجلها بالغصب أو التعدي، سواء استوفاها بنفسه أي: الغاصب أم تركها حتى ذهبت، فلو شخص اغتصب دارًا من آخر ثم سكنها؛ فعليه قيمة أجرة هذه المنفعة طوال مدة الغصب, بالإضافة إلى أن العين المغصوبة تُردّ لمالكها.

وكذلك إذا اغتصب دارًا وأغلقها, ففوّت على صاحبها منفعتها، فعند الشافعية والحنابلة المنافع المغصوبة تضمن بالتفويت والفوات, ما دامت في يد عادية أي: مغتصبة، وضامنة لما فوتته أو استفادت به.

متى تنتهي عهدة الغاصب؟ أو متى يقول الغاصب: ليس علي شيء، وتبرأ ذمته؟

قالوا: تبرأ ذمة الغاصب، وتنتهي عهدته من الشيء المغصوب بواحد من أمور أربعة:

أولًا: إذا رد العين المغصوبة إلى صاحبها ما دامت باقية بذاتها، ولم تشغل بشيء آخر، أو لم يحدث عليها نقصان أو شيء من الذي قلناه قبل ذلك, فتبرأ ذمته بالرد.

ثانيًا: تنتهي عهدته إذا حدث لها شيء، وأدى الضمان هو أو نائبه إلى المالك؛ لأن الضمان مطلوب منه, فما دام قد أدى الضمان مع العين المغصوبة برئت ذمته وانتهت عهدته.

ثالثًا: كذلك تنتهي عهدته، وتبرأ ذمته إذا حدث له إبراء من الضمان، مثل أن يقول له المغصوب منه: أبرأتك من الضمان، أو أسقط عنك الضمان، أو مثل ذلك، سواء كان صراحة أو ضمنًا يحدث من المالك للشيء المغصوب، فما دام قد أبرأه انتهت عهدة الغاصب وبرئت ذمته.

رابعًا: تنتهي عهدة الغاصب، وتبرأ ذمته من الضمان إذا أطعم الغاصب الشيء المغصوب منه, فإذا كان المغصوب طعامًا؛ كأن شخصًا غصب طعامًا من آخر، ثم أعطاه لمالكه أو أطعمه لدابته، وكان المغصوب منه يعلم أنه يأكل طعامه، فهنا تبرأ ذمة الغاصب لأن المال هنا، وهو الطعام رجع إلى صاحبه؛ لأنه تسلمه أو أخذه بطريق آخر، فهنا تبرأ ذمته.

error: النص محمي !!