Top
Image Alt

ما يقتل من الدواب في الحرم والإحرام

  /  ما يقتل من الدواب في الحرم والإحرام

ما يقتل من الدواب في الحرم والإحرام

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)) متفق عليه. يعني: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.

الثاني: وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خمسٌ من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)) رواه الجماعة إلا الترمذي، المراد بالجماعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه والترمذي؛ فاستثنى هنا الترمذي.

وفي لفظ: ((خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة، والعقرب، والغراب، والحُديَّا، والكلب العقور)) رواه أحمد ومسلم والنسائي.

الثالث: وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل حية بمنى)).

الرابع: وعن ابن عمر رضي الله عنهما وسئل: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: ((حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية)) رواه مسلم.

الخامس: وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خمس كلهن فاسقة، يقتلهن المحرم، ويُقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحية، والكلب العقور، والغراب)) رواه أحمد.

ثانيًا: ترجمة مختصرة لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها:

هي السيدة عائشة، أم المؤمنين رضي الله عنها وهي عائشة بنت أبي بكر الصديق، أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلبه.

أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر شخصًا، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع في العام الثاني من الهجرة، ولا غرابة في ذلك؛ فالرجال والنساء يبلغون في أرض العرب وهم صغار، وفي البخاري: أن جبريل عليه السلام هو الذي خطبها له، وأتى بصورتها في قطعة من قماش، فوضعها في كفّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن كان هذا من الله فليُمضِه))، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بِكرًا غيرها.

وروت الكثير من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تعرف اللغة والشعر والطب والأنساب وأيام العرب؛ قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جميع النساء؛ لكان علم عائشة أفضل. وقال عروة بن الزبير ابن أختها: ما رأيت أحدًا أعلم بطب ولا بشعر ولا بفقه مثل عائشة رضي الله عنها.

وكان لها فهمًا خاصًّا، واستدراكات على بعض الصحابة، وهي استدراكات كثيرة، جمع معظمها الإمام الزركشي في كتاب سماه: (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة). كان الإمام مسروق -وهو من أئمة كبار التابعين- كان إذا حدث عن السيدة عائشة يقول: حدثتني الصدّيقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله تعالى، المبرأة من فوق سبع سموات.

قال قُبيصة بن ذؤيب: كانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض، وكانت تكنَّى بأم عبد الله؛ تكريمًا لها، لا لأن لها ولد سِقط من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال بعض الناس ذلك. وكنيت أيضًا بأم المؤمنين، وكذا كل نساء النبي صلى الله عليه وسلم كناهن القرآن بذلك، قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] أي: أمهاتهم في الاحترام والتقدير، وحرمة الزواج بهن، لا جواز الخلوة بهن.

بلغت مروياتها 2210 حديثًا، روت عن أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير، وكثير من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

وروى عنها الكثيرون من الصحابة والتابعين؛ فمن الصحابة الذين رووا عن السيدة عائشة: أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن خالد الجهني، وصفية بنت شيبة، وغيرهم…

ومن التابعين الذين رووا عنها: سعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، وعائشة بنت طلحة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين…توفيت رضي الله عنها سنة 58 هجرية، وصلى عليها سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه ودفنت بالبقيع رضي الله عنها.

ثالثًا: ترجمة مختصرة لابن مسعود:

“ابن مسعود”: اسمه: عبد الله بن مسعود بن غافل رضي الله عنه أسلم قديمًا؛ حتى قيل: إنه كان سادس ستة أو سابع سبعة، يعني: السادس، أو السابع من الصحابة الأوائل الذين دخلوا في الإسلام. قال عن نفسه: لقد رأيتني يومًا وأنا سدُس الإسلام، يعني: لم يكن إلا ستة على وجه الأرض مسلمين كان واحدًا منهم سيدُنا عبد الله بن مسعود.

كان كثير الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخروج؛ حتى قال سلمان الفارسي: كنا نعد ابن مسعود واحدًا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة دخوله وخروجه في بيته. وقال له صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن مسعود، دونك الحجاب)) أي: لا يمنعك من الدخول علينا إلا عندما ترى الحجاب مسدلًا، ما عدا ذلك فادخل يا ابن مسعود.

أخذ من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة من القرآن الكريم مباشرة، وكان رضي الله عنه له قراءة خاصة تعرف بقراءة ابن أم عبد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من سَره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل -أو غضًّا كما أنزل- فليقرأ بقراءة ابن أم عبد))، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أن أسلم الجن: الليلة التي نزل فيه قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} [الأحقاف: 29]، وقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1]، كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة.

وكان لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلًا، وكان يُعرف بـ: حامل النعل، وصاحب الوسادة، وصاحب السواك؛ فكان يحمل نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إكرامًا للحبيب صلى الله عليه وسلم يضعه تحت إبطه ويناوله إياه، وكان يحمل وسادة يضعها ليجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أي مكان يكون معه فيه، وكان يحمل سواك النبي صلى الله عليه وسلم فيعطيه إليه عندما يطلبه.

ابن مسعود أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأن شأنه عظيم يوم القيامة؛ إذ أخبر صلى الله عليه وسلم: “بأن رجله في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد”؛ لأنه كان دقيق الجسم؛ إذ صعد نخلة مرة ليأتي بثمار أو بتمر لأصحابه ليأكلوه؛ فضحك الصحابة من قدمه من دقة ساقه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((تضحكون منها؟! إنها أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد)).

توفي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في سنة 32 هجرية.

رابعًا: شرح الأحاديث:

الرواية الأولى عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق)) يعني: خمسة دواب فواسق، يعني: طغاة يؤذون، ومن هنا نأخذ: كل ما يؤذي يجوز قتله في الحل والحرم.

أول هذه الأشياء: ((الغراب)): والغراب هو دابة معروفة سوداء تشبهها ((الحدأة))، وكان لهما ضرر كثير في هذه الأيام؛ إذ كانوا يخطفون اللحم، ويخطفون الدجاج الصغير، وكذلك ((العقرب)) يقتل لأنه يلدغ ويؤذي، ((والفأرة)) أيضًا مؤذية حتى الآن، ((والكلب العقور)): الكلب الذي يعض ويؤذي، أما الكلب الذي ليس من شأنه ذلك فلا يُقتل.

ورواية ابن عمر: ((خمس من الدواب)) في رواية: ((كلهن فواسق)) يعني: فاجرين وخارجين عن الطاعة، ومنهم الأذى يقع على ابن آدم؛ ((فليس على المحرم في قتلهن جناح)) ليس إثم على من قتل شيئًا منهن؛ أما الذي يقتل شيئًا غير مؤذٍ فعليه جناح، هذا مفهوم الحديث: من قتل هذه الخمسة لا جناح عليه، ومن قتل غير الخمسة عليه جناح، والمراد بالجناح هنا: الإثم. وعدد ((الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)). ((الحية)) تُقتل أيضًا، ((والثعبان)) يُقتل.

إذًا: الغراب، والحية، والثعبان، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور؛ فمجموع ما يُقتل: سبع؛ ولذلك بعض الروايات تقول: ((سبعٌ يقتلن في الحل والحرم)) ففسر: بعدما عد الخمسة قال: ((والحية، والثعبان)).

وابن عمر سُئِل: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال ابن عمر: “حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم”:

من التي حدثته من نساء النبي صلى الله عليه وسلم؟

الرواية الأولى تقول: “عن عائشة”. هي إحدى النسوة التي حدثت ابن عمر في قوله: ((حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية))، ورواية عائشة تقول: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس…)).

إذًا عندما يقول ابن عمر: “حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم” إنه كان يأمر بقتل كذا وكذا فالمراد بها عائشة رضي الله عنها.

روى الإمام الصنعاني هذا الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس من الدواب كلهن فواسق، يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور)) قال: متفق عليه.

يقول الأمير الصنعاني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة)) بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة- ((والعقرب)) يقال عن الذكر والأنثى وقد يقال: عقربة، ((والفأرة)) بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها ألفًا؛ فيقال: الفارة، ((والكلب العقور)) متفق عليه، وفي رواية في البخاري زيادة: ذكر ((الحية)) فكانت ستًّا. وقد أخرجه بلفظ: ((ست)) أبو عوانة، وسرد الخمس مع الحية، ووقع عند ابن داود زيادة ((السّبع العادي))، يعني: الضاري، ((العقور)) الذي يضر، فكانت سبعًا، ووقع عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة: ((الذئب))، ((والنمر)) فكانت تسعًا؛ إلا أنه نُقل عن الذهلي أنه ذكرهما في تفسير ((الكلب العقور))؛ يعني كلمة “كلب عقور” تشمل الذئب وتشمل النمر وتشمل السبع، ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل رجاله ثقات، وأخرج أحمد مرفوعًا الأمر للمحرم بقتل الذئب، وفيه راوٍ ضعيف.

وقد دلت هذه الزيادات أن مفهوم العدد غير مراد من قوله: ((خمس)) و((الدوابّ)) بتشديد الباء: جمع دابة، وهو ما دبّ من الحيوان، وظاهره أنه يسمى الطائر دابة، وهو يطابق قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]؛ فالدابة تشمل ما يدب على الأرض وما يطير في السماء، لأنه ليست حياته كلها طيرًا في السماء؛ وإنما لا بد له أن يدب وأن يمشي على الأرض، وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} [العنكبوت: 60] وقيل: يخرج الطائر من لفظ الدابة؛ لقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]؛ ولا حجة؛ لأنه يحتمل أنه عطف الخاص على عام.

هذا؛ وقد اختص في العرف لفظ الدابة بذوات الأربع القوائم، وتسميتها فواسق؛ لأن الفسق لغة: الخروج، ومنه: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] أي: خرج، ويسمى العاصي فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه، ووُصفت الأشياء المذكورة بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوانات في تحريم قتل المحرم لها، وقيل: لخروجها عن غيرها من الحيوانات في حل أكله؛ إذ كلها تؤكل إلا هذه الخمس لقوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ}  [الأنعام: 145]؛ فسُمي ما لا يؤكل {فِسْقًا} قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء، والإفساد، وعدم الانتفاع؛ فهذه ثلاث علل استخرجها العلماء في حل قتل هذه الخمس.

ثم اختلف أهل الفتوى؛ فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم؛ ومن قال بالثاني ألحق كل ما لا يؤكل إلا ما نُهِي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث خص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد، قال المصنف في (فتح الباري): قلت: ولا يخفى أن هذه العلل لا دليل عليها؛ فيبعد الإلحاق لغير المنصوص بها، والأحوط عدم الإلحاق، وبه قالت الحنفية إلا أنهم ألحقوا الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها؛ قال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذٍ قويٍّ بالنظر إلى تصرف أهل القياس؛ فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق: وهو الخروج عن الحد. انتهى.

يقول الصنعاني: ولا يخفى أنه قد اختلف في تفسير فسقها على ثلاثة أقوال -كما عرفت- فلا يتم تعيين واحد منها علة بالإيماء؛ فلا يتم الإلحاق به؛ وإذا جاز قتلهن للمحرم جاز للحلال من باب أولى، وقد ورد بلفظ: ((يُقتلن في الحل والحرم)) عند مسلم، وفي لفظ: ((ليس على المحرم في قتلهن جناح))؛ فدل أنه يقتلها المحرم في الحرم وفي الحل بالأولى، وقوله: ((يُقتلن)) إخبار بحل قتلها، وقد ورد بلفظ الأمر، وبلفظ نفي الجناح، ونفي الحرج على قاتلهن؛ فدل على حمل الأمر على الإباحة.

وأُطلِق في هذه الرواية لفظ الغراب، وقُيِّد عند مسلم من حديث عائشة بـ((الأبقع)) -يعني: “الغراب الأبقع”- وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض؛ فذهب بعض أئمة الحديث إلى تقييد المطلق بهذا: وهي القاعدة في حمل المطلق على المقيد، والقطع في هذه الزيادة بالشذوذ وتدليس الراوي مدفوع بأنه صرح الراوي بالسماع؛ فلا تدليس وبأنها زيادة من عدل ثقة حافظ؛ فلا شذوذ.

قال المصنف: قد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، لا يُقتل، ويقال له: غراب الزرع، وقد احتجوا بجواز أكله؛ فبقي ما عداه من الغربان ملحقًا بـ((الأبقع))؛ والمراد بـ((الكلب)): هو المعروف، وتقييده بـ((العقور)) يدل أنه لا يُقتل غير العقور، ونقل عن أبي هريرة تفسير الكلب العقور بالأسد، وعن زيد بن أسلم تفسيره بالحية، وعن سفيان أنه الذئب خاصة، وقال مالك: كل ما عَقر الناس وأخافهم وعدى عليهم مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو: ((الكلب العقور)). ونقل عن سفيان -وهو قول الجمهور- واستُدل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ((اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك. فقتله الأسد))، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم.

وهذا الحديث شرحه الشيخ موسى شاهين لاشين شرحًا طيبًا، ولا بأس بأن نذكر شرحه لهذا الحديث؛ فلقد جمع الروايات في هذا، وجمع بينها، وحاول أن يشرح الألفاظ؛ فجاء بشيء طيب في هذه الروايات لهذا الحديث، وهو حديث قتل هذه الخمسة، في كتابه: (المنهل الحديث في شرح الحديث) أحاديث مختارة من (صحيح البخاري): عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خمسٌ من الدواب كلهن فاسق، يُقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)).

خامسًا: المعنى العام:

بعد أن حرم الله على المحرم قتل الصيد، رفع الحظر على لسان نبيه عن دواب تجلب الضر للإنسان: ((الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)) تلك الحيوانات التي تهدد المرء في صحته، وأقواته، وحياته؛ أُبيح للمحرم والمصلي أن يقتلها أثناء إحرامه وعبادته؛ فتبارك الله أحسن المشرِّعين خوف العبد بصغار مخلوقاته، ثم أعطاه حق الدفاع عن النفس حتى في أقدس الأماكن، وأباح له حتى في أدق الظروف محاربة الأعداء.

سادسًا: المباحث العربية:

((خمسٌ من الدواب كلهن فاسق)): ((خمسٌ)) مبتدأ سوّغ الابتداء به -وهو نكرة- تخصيصه بالصفة، وهو قوله ((من الدواب)).

و((كلهن)) مبتدأ ثاني والضمير فيه يعود على ((خمس))، و((فاسق)) خبر “كل” وإفراده لمراعاة لفظ “كل”.

أولًا: ((الغراب)) خبر مبتدأ محذوف، قيل: سُمي غرابًا لأنه نأى واغترب، لما أرسله نوح عليه السلام ليختبر أمر الطوفان؛ فرأى جيفة فوقع عليها ولم يرجع؛ فسمي غرابًا لأنه اغترب.

((والحدأة)) في بعض اللغات: ((حُديَّا)) ومن خواصها أنها تقف في الطيران -تقف وهي طائرة في الجو- ويقال: إنها لا تخطف إلا من جهة اليمين.

((والعقرب)) لفظ يقع على الذكر والأنثى، وقد يقال “عقربًا” أو “عقرباء” ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها تتبع الحس، وإنها لا تضر ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك.

((والفأرة)) واحدة الفئران، وهي أنواع فأرة المنزل، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط، قال العيني: وكلها في تحريم الأكل وجواز قتلها سواء.

سابعًا: فقه الحديث:

أطلق الحديث على هذه الخمس لفظ فواسق، والفسق في اللغة: الخروج، إما لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله أو حل أكله؛ كقوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} أو لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء، والإفساد، وعدم الانتفاع، ويؤيد الأخير ما ورد، قيل لأبي سعيد: لمَ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((والفأرة الفويسقة))؟! قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ لها، وقد أخذت الفتيل عن السراج لتحرق بها البيت، أما الإفساد في الغراب؛ ففوق نبشه الجيفة المدفونة ينقر ظهر الدواب، وينزع عين البعير، ويختلس أطعمة الناس، وأما في الحدأة؛ فكذلك تختلس اللحم والفراريج، وأما في العقرب؛ فإنها تلدغ وتقتل أو تؤلم، وأما في الفأرة؛ فإنها تسرق الأطعمة وتفسدها، وتقرض الثياب، وتأخذ الفتيل فتضرم النار، وتنشر الأمراض، وأما في الكلب العقور؛ فإنه يجرح الناس، ويقطع الطرقات.

والتقييد في الحديث بخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك؛ لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر؛ فقد ورد في بعض الأحاديث: أربع، وفي بعضها: ست، وفي بعضها أكثر؛ فيلحق بها ما في حكمها، وقالوا: إن الحكم بالقتل مترتب على ما جُعِل وصفًا لها من حيث المعنى: وهو الفسق؛ فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، إلا أنهم اختلفوا في فسقها: من قال: لكونها مؤذية؛ ألحق بها كل مؤذٍ، وهذا قضية مذهب الإمام مالك؛ كأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم: كالحية، والزنبور، والبرغوث، والبق، والبعوض. وبالفأرة على كل ما يشاركها بالأذى بالنقب والقرض: كابن عرس، والغراب، والحدأة، على ما يشاركهما في الاختطاف كالصقر، والنسر. وبالكلب العقور نبه على ما يشاركه في العدو أو العقر؛ كالأسد، والفهد.

وعلى هذا؛ فاقتصار الحديث عليها لكثرة ملابستها للناس؛ بحيث يعم أذاها، ومن قال: لكونها لا تؤكل؛ ألحق بها ما لا يؤكل إلا ما نُهي عن قتله.

وقد قسّم الشافعي وأصحابُه الحيوان -بالنسبة إلى المحرم- ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسمٌ يستحب قتله؛ كالخَمس وما في معناه مما يؤذي.

القسم الثاني: قسم يجوز قتله؛ كسائر ما لا يؤكل لحمه.

القسم الثالث: قسمٌ لا يجوز قتله، وفيه الجزاء إذا قتله المحرم: وهو ما أبيح أكله، أو نُهِي عن قتله.

أما أبو حنيفة وأصحابه؛ فقد اقتصروا على الخمس؛ إلا أنهم ألحقوا بها: الحية لثبوت الخبر بها؛ والذئب لمشاركته الكلب في الكلبية، ولوروده في بعض الروايات؛ وألحقوا بذلك ما ابتدأ بالعدوان

والأذى من غيرها؛ أما غير الجمهور فقد اعتمد مفهوم العدد، وجمع بين الروايات المختلفة فيه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال العدد الأقل، ثم بين بعد ذلك غيره، وقالوا: إن المراد أعيان ما سُمِّي، سواء أكان أربعًا، أم خمسًا، أم ستًّا، أم أكثر، ولا يقاس عليها غيرها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على قتل خمس وبيَّن الخمس ما هن؛ فدل هذا على أن حكم

 غير هذه الخمس غير حكم الخمس، وإلا لما يكن للتنصيص فائدة، وإذا قال صلى الله عليه وسلم خمسٌ؛ فليس لأحد أن يجعلهن ستًّا ولا سبعًا.

وقد قيد الحديث الكلب بـ((العقور))، أما غير العقور؛ فإن كان مما أمر باقتنائه؛ ككلب الصيد، وكلب الحراسة، ومثلهم الكلاب البوليسية الموجودة الآن؛ فلا خلاف في منع قتلها، وإن كان غير ذلك كالذي يُربى للزينة وقد اختلف العلماء فيه، وقع للشافعي في (الأم) جواز قتله؛ لأنه غير محترم، وقال النووي في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وكذا قال الرافعي، والظاهر من قوله في الحديث: ((يُقتَلن في الحرم))، ومن مجموع الروايات: أن المراد: إباحة القتل لا وجوبه ولا استحبابه؛ فقد روي: ((خمس قتلهن حلال)) وروي: ((خمس من قتلهن وهو حرام؛ فلا جناح عليه))، وروي: ((لا حرج على من قتلهن)).

ويجيب الشافعية على هذه الروايات بأنها لا تعارض تقسيمهم؛ إذ المستحب حلال ولا حرج فيه، وإذا كان حكمها جواز القتل أو استحبابه في الحرم؛ فحكمه في الحل كذلك من باب أولى، وقد وقع حكمها في الحل صريحًا في رواية لمسلم: ((يقتلن في الحل والحرم)).

ثامنًا: ما يؤخذ من الحديث:

  • جواز قتل هذه الخمس في الحل والحرم.
  • عدم جواز تربيتها.
  • عدم جواز أكلها. والله أعلم.

بعد رواية الإمام الشوكاني لهذه الروايات الخمسة التي كنا نتحدث فيها في قتل الخمس في الحل والحرم، قال -رحمه الله تعالى- معقبًا على هذه الروايات:

حديث ابن عباس أورده في (التلخيص) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا البزار والطبراني في (الكبير) و(الأوسط)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ثقة؛ ولكنه مدلس، والتدليس: هو محاولة إخفاء عيبٍ في الرواية.

قوله: ((خمس)) ذكر الخمس يفيد بمفهومه نفي هذا الحكم عن غيرها؛ ولكنه ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره؛ فيمكن أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس تشترك معها في ذلك الحكم؛ فقد ورد زيادة: ((الحية)) وهي سادسة؛ كما في حديث ابن عمر، وحديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس المذكور في الباب. وزاد أبو داود من حديث أبي سعيد: ((السبع العادي)) وزاد ابن خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة: ((الذئب، والنمر)) فصارت تسعًا.

قال الحافظ بن حجر في (الفتح): لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي: أن ذكر الذئب، والنمر، من تفسير الراوي للكلب العقور، قال: ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود، من طريق سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى. والحديث المرسل: هو الذي يسقط منه الصحابي.

error: النص محمي !!