Top
Image Alt

ما يقوم مقام الفاصلة من أدوات (الفاء – قد السين – سوف)

  /  ما يقوم مقام الفاصلة من أدوات (الفاء – قد السين – سوف)

ما يقوم مقام الفاصلة من أدوات (الفاء – قد السين – سوف)

من اللافت للنظر- على كل حال- أن اللغة العربية- ذاتها- قد منحت أهليها وسائل خاصة بها تقوم مقام بعض علامات الترقيم، وتؤدي وظائفها، ويحضرنا من هذه الوسائل- الأمر يحتاج إلى دراسة مستقلة- وسيلتان مهمتان هما: الفاء الواقعة في جواب الشرط في حالات معينة، واللام الواقعة في جواب “لو” وكلتا الوسيلتين تفيد أمرين: إمكانية وقوع سكتة سابقة عليهما، كما تفيد في الوقت نفسه ربط تاليها بما يسبقها من كلام ربطًا وثيقًا؛ إذ لا يتم الكلام المنطوق من حيث المبنى والمعنى إلا بهذا الربط، ومعنى هذا: أن كلا من الفاء، واللام أداتا ترقيم بنظام خاص باللغة العربية.

ومعلوم أن الفاصلة في نظام الترقيم الحديث تعني إمكانية السكتة كما تعني ربط الكلام اللاحق بسابقه؛ فهي فاصلة واصلة، كذلك الحال في الفاء، واللام في الحالات التي تقتضي وجودهما، وفيما يأتي مزيد بيان بالتمثيل.

أولًا الفاء: نص النحاة على وجوب اقتران الفاء بجواب الشرط في حالات معينة طبقًا لواقع العربية، وعلى القمة منها النص القرآني، هذه الحالات أشار إليها بعضهم بقوله:

اسمية طلبية، وبجامد

* وبما، ولن، وبقد، وبالتنفيس

وتفسيره: أنه يجب اقتران الجواب بالفاء في حالات ست، هي: إذا وقع الجواب جملة اسمية، أو طلبية، أو جاء مبدوءًا بفعل جامد، أو مقترنًا بحرفي النفي “ما، ولن” أو بالحرف “قد” أو بالسين وسوف، المعبر عنهما كناية بالتنفيس، وهذه أمثلة من القرآن الكريم تؤيد ما يقولون:

1. الجملة الاسمية: قال الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير} [الأنعام: 17].

2. الجملة الطلبية: قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31].

3. المقترنة بفعل جامد: قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271].

4. المقترنة بما ولن النافيتين: قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وقوله- عز شأنه-: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ} [آل عمران: 115].

5. ثم المقترنة بقد، قال تعالى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116].

6. المقترنة بالتنفيس، أي: بالسين، وسوف كقوله تعالى: {وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا} [النساء: 172] وقوله- عز شأنه-: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].

فسر النحاة وجوب اقتران الفعل بهذا الصنف من الجمل؛ بأنها لا تصلح شرطًا، وهذا التفسير وجيه ومقبول، وربما يشهد لهم أنه لا يتعين وجود الفاء في الجمل المنفية بلا، كما في قوله تعالى: {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا} [الجن: 13] بذكر الفاء، وقوله- جل شأنه-: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل: 18] بدون الفاء.

ومعنى هذا- وفقًا لتفسيرهم-: أن الفاء اقترنت بلا في الحالة الأولى؛ لأن المنفي بها لا يصلح أن يقع شرطًا في حين أنها لم تذكر في الحالة الثانية؛ لأن المنفي بها يصلح أن يكون شرطًا، وهذا الكلام صحيح وله ما يسوغه، ومع ذلك ما زلنا نقرر أن الفاء في حالة وجودها في كل الأمثلة السابقة بلا استثناء تمثل رمزًا ماديًّا يؤكد ضرورة ربط التالي لها بما يسبقها؛ لأن الطرفين متكاملان من حيث المبنى والمعنى، ولا يستغني أحدهما عن الآخر، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن الجزء السابق عليها قد تتلوه سكتة خفيفة في الأداء النطقي؛ فجاءت الفاء تنبيهًا على أن هذه السكتة بين طرفين ليست دليلًا على نهاية المنطوق، وبخاصة أن هذه السكتة تقع مصحوبة بتنغيم صاعد، وهو دليل آخر على عدم تمام الكلام.

فالفاء في هذه الأمثلة كلها تقوم مقام الفاصلة- كما أشار إلى ذلك الدكتور كمال بشر- في نظام الكتابة الحالي، وكلتاهما فاصلة واصلة- على حد تعبيره- فاصلة نطقًا، واصلة بناءً وتركيبًا، أما عدم وجود الفاء في بعض الجمل المنفية بلا؛ فلا يلغي دورها في الجمل التي اقترنت بها، إنها تأكيد مادي مباشر للإفصاح عن ربط طرفي الجملة الشرطية بعضهما ببعض.

وربما كان هذا التفسير- الذي ذكره الدكتور كمال بشر لبيان السر في وجود الفاء في الحالات السابقة- ربما كان هذا التفسير أولى قبولًا، وأكثر وضوحًا في وجوب دخول هذه الفاء على ما يتلو تالي “أما” الشرطية التفصيلية؛ لقد أوجبوا اقتران هذه الفاء دون تحديد لنوعية ما يتلوها من جمل، وإلى هذا يشير ابن مالك بقوله:

أما كمهما يك من شيء وفا

* لتلو تلوها وجوبًا ألفّا

وهذا الاقتران بالفاء شائع مأخوذ به في الكلام الفصيح قديمًا وحديثًا فمنه في القديم: قول عمر بن الخطاب: “أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة” وقول الفصحاء منا في الحديث: “السيد فلان أما بعد؛ فأرجوا كذا”. فلا شك أن الفاء هنا جاءت للتنبيه على وجوب ربط لاحقها بتاليها على الرغم من إمكانية وقوع سكتة تشبه أن تكون وقفة بين الطرفين، ولك أن تحاول ذلك نطقًا صحيحًا إن شئت.

أما اللام: فقد لوحظ اقتران جواب الشرط بالأداتين “لو، ولولا” الشرطيتين بلام تسمى لام جواب الشرط، وهذا الاقتران جائز، لا واجب- كما نص على ذلك النحاة، وكما تشير إليه شواهد العربية- وإن كنا نلحظ أن الاقتران أغلب وأكثر وقوعًا، وبخاصة إذا كان الجواب مثبتًا.

error: النص محمي !!