Top
Image Alt

ما يوافق فيه النعت منعوته

  /  ما يوافق فيه النعت منعوته

ما يوافق فيه النعت منعوته

لكي نُظهر ما يوافق فيه النعت منعوته، علينا أن نقسم النعت باعتبار معناه، فينقسم باعتبار معناه إلى قسمين: حقيقي، وسببي.

النعت الحقيقي:

هو ما يدلُّ على معنًى في نفس منعوته الأصلي، أو فيما هو بمنزلته، وحكمه المعنوي. والمراد بـ”نفس المنعوت” ما ليس سببًا له، وعلامة النعت الحقيقي هذا: أن يشتمل على ضمير مستتر يعود على ذلك المنعوت.

ونوضِّح هذا بقول بعض الشعراء في وصف نوع من حكم الملوك بأنه:

نكد خالد، وبؤس مقيم

*وشقاء يجدُّ منه شقاء

 

فكلمة “خالد” نعت حقيقي منعوته الأصلي “نكد”، وهذا النعت يؤدِّي معناه في نفس منعوته الأصلي مباشرة، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه. و”مقيم” أيضًا نعت حقيقي، ومنعوته الأصلي “بؤس”، وهذا النعت يؤدِّي معناه في نفس منعوته الأصلي مباشرة، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه. وكذلك حين تقول: استمعت إلى خطيب فصيح اللسان، عذب البيان، قويِّ الحجة، أو تقول: استمعت إلى خطيبٍ فصيحٍ لسانًا عذبٍ بيانًا قويٍّ حجةً؛ فكلمة “فصيح” نعت حقيقي، والمنعوت هو “خطيب”، وليس منعوتًا أصليًّا، ولكنه بمنزلة الأصلي، وفي حكمه؛ لأن الجملة كانت في أساسها الأول: استمعت إلى خطيبٍ فصيحٍ لسانه، فالفصيح هو اللسان، لا الخطيب، لكن جرى على الجملة تغيير اقتضى أن يترك الضمير البارز مكانه، وينتقل إلى النعت، ويستتر فيه، ويصير مسندًا إليه على سبيل المجاز، فاعلًا.

ويُعرب الاسم الظاهر بعد النعت مضافًا إليه مجرورًا، ويصحُّ أن يُعرب تمييزًا إن كان نكرة، أو منصوبًا على التشبيه بالمفعول به إن كان نكرة أو معرفة. وصارت كلمة “فصيح” -وهي النعت- مشتملة على ضمير مستتر محوَّل أو منقول إليها من مكان آخر، وبسبب انتقال هذا الضمير إلى مكانه الجديد صار النعت يدل على معنًى في المنعوت، بعد أن كان يدل على معنًى في شيء آخر له صلة بالمنعوت.

فالمنعوت في الحالة الجديدة صار منعوتًا بعد تحويلٍ وإسناد جديدين، حين تمَّ اتَّجه المعنى إليه، مع أنه ليس المقصود في الحقيقة بالنعت، لكنَّ الصلة بين هذا النعت والاسم الظاهر بعده قويَّة، ومن أجلها كان النعت بمنزلة الاسم الظاهر، وفي حكمه المعنوي. ومثل هذا يقال في قوله “عذبِ البيانِ، قويِّ الحجةِ”.

حكم النعت الحقيقي من حيث مطابقته للمنعوت: فإنه يُطابق منعوته وجوبًا في النوع -التذكير والتأنيث- وفي التعريف والتنكير، وفي العدد -الإفراد والتثنية والجمع-، كما يطابقه في حركات الإعراب الثلاث، فتقول: هذا خطيب فصيح، وتقول: هذان خطيبان فصيحان، وتقول: هؤلاء خطباء فُصحاء، وتقول: هذه خطيبة فصيحة، وتقول: هاتان خطيبتان فصيحتان، وتقول: هؤلاء خطيبات فصيحات… وهكذا.

وبناءً على هذا الأغلب لا بد أن يُطابق النعت الحقيقي منعوته في أربعة أمور تجتمع فيه من العشرة السالفة: التذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، والإفراد والتثنية والجمع، ثم حركات الإعراب الثلاثة: الفتح والكسر والضم، هذه عشرة. النعت الحقيقي يُطابق منعوته في أربعة من هذه العشرة: واحد من حركات الإعراب الثلاث، وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من الإفراد والتثنية والجمع؛ وبناء على هذا أيضًا لا بد أن يكون رافعًا ضمير الموصوف أصالة، أو تحويلًا بالطريقة التي شرحناها في قولنا مثلًا: استمعنا إلى خطيب فصيح البيان، عذب البيان قويّ الحجة.

وقد قال ابن مالك موضحًا هذا الأمر:

فليُعطف التعريف والتنكيرم

*لما تلا كامْرُرْ بقوم كرما

وواضح أنه في قوله: “امرر بقوم كُرما” نعت النكرة بالنكرة، وأما إن قلت: امرر بالقوم الكرماء؛ فقد نعت المعرفة بالمعرفة.

ولا يصحَّ نعت النكرة بالمعرفة؛ لأن في النكرة إبهامًا، وفي المعرفة إيضاحًا، فتدافعا، كما يقول المرادي في شرحه لـ(ألفية ابن مالك).

واستثنى بعض العلماء من المعارف المعرف بلام الجنس، فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة، واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر، وهو رجل سلوي:

ولقد أمر على اللئيم يسبُّني

*فأعفُّ ثم أقول لا يعنيني

فرأوا أن قوله: “يسبُّني” صفةً لا حالًا؛ لأن المعنى: ولقد أمرُّ على لئيم من اللئام، فالواو في البيت للقسم، واللام للتأكيد، و”قد” للتحقيق، و”اللئيم”: الدنيء الأصل، الشحيح النفس. ولما كانت الألف واللام في “اللئيم” للجنس، قربت مسافته من التنكير؛ فجاز نعته حينئذٍ بالنكرة، وإن أعربته على أنه حال؛ يصحُّ لك، وخرج الشاهد من باب النعت.

ومن الشواهد التي ساقوها أيضًا قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37] فقوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ }في محلِّ رفع صفة لـ{ اللَّيْلُ }، وقد جاء { اللَّيْلُ } مقرونًا بالألف واللام للجنس، وشرحه كشرح ما ذكرت في البيت.

النعت السببي:

وهو الذي يدلُّ على معنًى في شيء بعده، له صلة، وارتباط للمنعوت، فتقول مثلًا: هذا بيت متسعٌ أرجاؤه، نظيفة غرفُه، بديعة فرشُه. وقوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} [النحل: 69] لاحظ قوله تعالى: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}.

علامة النعت السببي: أن يُذكر بعده اسم ظاهر غالبًا -والاسم الظاهر هو السببي- مرفوع به، مشتمل على ضمير يعود على المنعوت مباشرة، ويربط بينه وبين هذا الاسم الظاهر، الذي ينصبُّ عليه معنى النعت، كما في الأمثلة السالفة الذكر “متَّسع” في قولنا: هذا بيت متسع أرجاؤه. ونظيفة في قولنا: هذا بيت نظيفة غرفة. وبديعة في قوله: هذا بيت بديعة فرشه. و{مُّخْتَلِفٌ}في قوله تعالى: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}.

حكم هذا النعت السببي من حيث مطابقة النعت لمنعوتة:  يُطابق منعوته في أمرين معًا: حركة الإعراب، وما ينوب عنها بطبيعة الحال، الأمر الثاني: التعريف والتنكير، ويُطابق سببيَّه في أمر واحد، هو التذكير والتأنيث، وحكم النعت في هذا التذكير والتأنيث حكم الفعل الذي يصحُّ أن يحلَّ محله، ويكون في معناه، فإذا أمكن أن يوضع مكان النعت فعل بمعناه مسند للسببي، وصحَّ في هذا الفعل التأنيث والتذكير، أو وجب أحدهما؛ كان حكم النعت كذلك.

أما من جهة العدد -إفراد النعت السببي وتثنيته وجمعه- فيجب إفراده إن كان السببي غير جمع، بأن كان مفردًا، أو مثنًّى؛ إذ لا تتصل بالنعت السببي علامة تثنية، فحكمه في هذا أيضًا كحكم الفعل الذي يصلح لأن يحل محلَّه. ففي مثل: يعجبني الحقل الناضر زرعه. يجب في كلمة “الناضر” الرفع؛ تبعًا للمنعوت، وهو “الحقل”، كما يجب فيها التعريف تبعًا له أيضًا. ولو كان المثال: يعجبني حقل؛ لوجب أن يقال في النعت: ناضر زرعه، بالرفع وبالتنكير؛ تبعًا للمنعوت.

ولك أن تذكر أمثلة أخرى مثل: هذا رجل عاقلة أخته، وهذه فتاة محسنة أختها؛ يجب الإفراد والتأنيث فيهما مراعاة للسببي، مع وجوب مطابقة النعت للمنعوت في الأمرين الآخرين، اللذيْن فيهما المطابقة الحتمية -كما ذكرت؛ فيجب الإفراد والتأنيث فيهما، مراعاة للسبب، بالرغم من أن كلمة عاقلة هي نعت للرجل المذكر، إذ لو حلَّ مكان النعت فعل؛ لوجب تأنيثه فتقول: هذا رجل عقلت أخته، وتقول أيضًا: هذه فتاة أحسنت أختها.

ويجب التذكير والإفراد في مثل: هذا رجل محسن أخوه، وهذه فتاة محسن أخوها، بالرغم من أن كلمة “محسن” الثانية هي نعت لـ”لفتاة”؛ لأنه لو حلَّ الفعل محل النعت لوجب تذكيره، فتقول: هذا رجل أحسن أخوه، وتقول: هذه فتاة أحسن أخوها.

أما في مثل قولك: هذا حقل ناضر زروعه، فيصح ناضر أو ناضرة، على التذكير والتأنيث؛ لأنه لو حلَّ مكان النعت فعل؛ لقلنا: هذا حقل نضرت زروعه، أو نضر زروعه، بوجود علامة التأنيث، أو بعدمها، ونقول عند إفراد السببي وتثنيته: هذا زميل مجاهد أبوه، وتقول: هذان زميلان مجاهد أبواهما، وتقول: هذه زميلة مجاهد أبوها، وتقول: هاتان زميلتان مجاهد أبواهما؛ فلا يتَّصل بالنعت علامة تثنية، إذ الفعل الصالح بأن يحلَّ محله لا يصحُّ أن يتصل به -في الأغلب- علامة تثنية.

وهكذا يكون إحلال الفعل محل النعت السببي، وإسناده للسببي مرشدًا إلى الطريقة التي تراعى في النعت من جهة تذكيره وتأنيثه، وإفراده؛ تبعًا للسببي المذكر أو المؤنث، المفرد أو المثنى.

– أما إن كان السببي مجموعًا جمع تكسير؛ جاز في النعت أمران: إما إفراده، وإما مطابقته للسببي نحو: هؤلاء زملاء كرامٌ آباؤهم، أو هؤلاء زملاء كريم آباؤهم. فإن كان مجموعًا جمع مذكر سالمًا، أو جمع تأنيث سالمًا؛ فالأفصح إفراد النعت وعدم جمعه نحو: هؤلاء زملاء كريم والِدُوهم، هؤلاء زميلات كريمة والداتهنَّ.

أما تعريف النعت أو تنكيره، وحركة إعرابه وما ينوب عنها، فيتبع في هذا كلِّه المنعوت من غير تردُّد.

تلخيص ما يُطابق فيه النعت منعوته وما لا يُطابق:

إن النعت الحقيقي يتبع منعوته في أربعة أشياء: في حركة الإعراب، في الإفراد وفروعه، في التعريف والتنكير، في التذكير والتأنيث، أي في أربعة من مجموع عشرة.

أما النعت السببي فحكمه: أن يتبع المنعوت في أمرين محتومين: هما حركات الإعراب، والتعريف والتنكير، أما التذكير والتأنيث فيتبع فيهما السببي وجوبًا في بعض حالات، وجوازًا في غيرها. وأما التثنية فلا يثنَّى، وأما الجمع فيجوز جمعه وإفراده في كل الحالات؛ تبعًا للسببي ومطابقة له، إلا أن الإفراد أفصح وأقوى حين يكون السببي جمع مؤنث سالمًا، أو جمع مذكر سالمًا.

إن حكم النعت بنوعيه من جهة المطابقة وعدمها هو المطابقة الحتمية في أمرين:

أحدهما: حركات الإعراب وما ينوب عنها.

والآخر: التعريف والتنكير.

أما التذكير والتأنيث فحكمه فيهما حكم الفعل الذي يصلح أن يحلَّ محلَّه. وأما الإفراد وفروعه، فالنعت الحقيقي يُطابق منعوته فيها جميعًا، وأما السببيُّ فيطابق حتمًا في الإفراد، ولا يصحُّ أن يطابق في التثنية، ويجوز في جمع التكسير المطابقة وعدمها، وأما في غيره فالأحسن الإفراد. وهذا ما يريده ابن مالك:

وليعطَ في التعريف والتنكير ما

*لما تلا كامرر بقومٍ كُرَما

وهو لدى التعريف والتذكير أو

*سواهما كالفعل فَاقْفُ ما قَفَوْا

error: النص محمي !!