Top
Image Alt

ما يُكره من: التعمق والتنازع والغلو في الدِّين

  /  ما يُكره من: التعمق والتنازع والغلو في الدِّين

ما يُكره من: التعمق والتنازع والغلو في الدِّين

 “باب: ما يُكره من  التّعمّق، والتّنازع، والغلوِّ في الدِّين، والبِدَع”:

أ- حديث أبي هريرة رضي الله  عنه:

قال الإمام البخاري: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا هشام قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((لا تُواصلوا))، قالوا: إنك تُواصل، قال: ((إنّي لست مِثْلَكم، إنِّي أبِيتُ يُطعِمُني ربِّي ويَسْقيني))، فلم ينتهوا عن الوصال، قال: ((فواصَل بِهِمُ النبي صلى الله عليه  وسلم يوميْن أو ليلتيْن. ثم رأوا الهلال، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: لو تأخّر الهلالُ لزدْتُكم!)) كالمُنْكِي لهم. وقد وقع في حديث أنس الماضي في “كتاب التّمنِّي”: ((ولو مُدَّ لي في الشّهر لواصلتُ وصالًا يَدَعُ المتعمِّقون تَعَمُّقَهم))، وإلى هذه الرواية أشار البخاري في الترجمة، لكنه جرى على عادته في إيراد ما لا يُناسب الترجمة ظاهرًا؛ إذ أورد في بعض طُرقه ما يعطي ذلك.

وقد أشرنا إلى هذا الحديث في كلام ابن بطال حين قال: “لمّا نهاهم صلى الله عليه  وسلم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، فقال: ((إنِّي أُطعَم وأُسْقَى))، فلولا أنّ لهم الاقتداء به لقال: وما في مواصلتي ما يبيح لكم الوصال، لكنه عدل عن ذلك وبيّن لهم وجْه اختصاصه صلى الله عليه  وسلم بالمواصلة؛ فكان الفعلُ -كما قال ابن بطال- أبلغَ من القول.

ب.  حديث عائشة رضي الله  عنها: ((صنَع النبي صلى الله عليه  وسلم شيئًا ترخّص فيه…)):

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عمر بن حفص قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الأعمش قال: حدثنا مسلم عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله  عنها: ((صنَع النبي صلى الله عليه  وسلم شيئًا ترخّص فيه، وتَنزّه عنه قوم، فبلَغ ذلك النبيَ صلى الله عليه  وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بالُ أقوامٍ يَتنزّهون عن الشيء أصْنعُه؟، فوالله إنّي أعلمُهم بالله، وأشدُّهم له خشية)).

قوله: ((رخّص فيه، وتَنزّه عنه قومٌ))، المراد هنا: أنّ الخير في الاتِّباع، سواء كان ذلك في العزيمة أو في الرّخصة، وأنّ استعمال الرّخصة بقصد الاتّباع في المحلّ الذي وردت أوْلى من استعمال العزيمة؛ بل ربّما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحًا، كما في إتمام الصلاة في السّفر، وربّما كان مذمومًا، إذا كان رغْبة عن السُّنّة، كتَرْك المسْح على الخُفّيْن.

وأومأ ابن بطال إلى: أنّ الذي تنزّهوا عنه: القُبلة للصائم. وقال غيره: لعلّه الفِطر في السّفر. ونقل ابن التِّين عن الداودي: أنّ التّنزّه عمّا ترخّص فيه النبي صلى الله عليه  وسلم من أعظم الذنوب؛ لأنه يرى نفْسَه أتْقى لله من رسوله؛ وهذا إلحاد.

قال ابن حجر: قلت: لا شك في إلحاد مَن اعتقد ذلك.

وأشار بقوله ((أعْلَمُهم))، إلى القوة العِلْمية، وبقوله: ((أشَدُّهُم له خَشية))، إلى القوّة العمَلية، أي: أنا أعلمهم بالفرض، وأولاهم بالعمل به، والله أعلم.

ج. حديث سهل بن سعد:

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء عُويْمر العجلاني إلى عاصم بن عديّ فقال: أرأيت رجلًا وجَد مع امرأته رجلًا فيقْتله؛ أتقتلونه به؟ سَلْ لي -يا عاصم- رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم. فسأله. ((فكَرِه النبي صلى الله عليه  وسلم المَسائلَ وعابَها)). فرجع عاصم فأخبره: أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم كَرِه المسائل. فقال عويمر: والله لآتينّ النبي صلى الله عليه  وسلم، فجاء، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن، خَلْف عاصم، ((فقال له: قد أنزل الله فيكم قرآنًا، فدعا بهما، فتقدّما فتلاعنا، ثم قال عويْمر: كذبتُ عليها يا رسول الله، إن أمسكتُها. ففارقها، ولم يأمره النبي صلى الله عليه  وسلم  بفراقها))، فجَرَت السُّنّة في المتلاعنَيْن، وقال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((انظروها؛  فإن جاءت به أحمر قصيرًا مثل وحرة، فلا أراه إلاّ قد كذب، وإن جاءت به أسحم أعْين ذا أليتيْن، فلا أحسب إلاّ قد صدق عليها))، فجاءت به على الأمر المكروه.

وقوله: “خلْفَ عاصم”، “وقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن خلْف عاصم”، أي: بعدما سأل النبيَّ صلى الله عليه  وسلم عاصمٌ في شأن هذا الأمر.

ومناسبة هذا الحديث لباب: “التّعمّق والتّنازع”: أنّ الرسول صلى الله عليه  وسلم كَرِه هذه المسألة؛ لأنها لم تقع، يعني: أنها كانت مفترَضة ولم ينزل فيها وحي؛ فكَرِه النبي صلى الله عليه  وسلم، وهكذا هذا الموضع من المسائل التي كان يكرهها النبي صلى الله عليه  وسلم. 

د. حديث مالك ابن أوس في قصّة العباس وعليّ:

قال الإمام البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني مالك بن أوس النصري، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكَر لي ذكرًا من ذلك، فدخلت على مالك فسألتُه، فقال: “انطلقتُ حتى أدخل على عمر، أتاه حاجبه يَرفع فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، يستأذنون؟، قال: نعم، فدخلوا فسلّموا وجلسوا، فقال: هل لك في عليّ وعباس؟، فأذن لهما، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقْضِ بيني وبين الظالم، استبّا، فقال الرهط عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقْضِ بينهما وأرِحْ أحدَهما من الآخَر، فقال: اتّئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض؛ هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا نُورَثُ؛ ما ترَكْنا صَدَقة))، يريد رسول الله صلى الله عليه  وسلم نفْسه؟، قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال ذلك؟، قالا: نعم، قال عمر: فإني مُحدِّثكم عن هذا الأمر: إنّ الله كان خصّ رسوله صلى الله عليه  وسلم في هذا المال بشيء لم يُعْطِه أحدًا غيره؛ فإنّ الله يقول: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}  [الحشر: 6] الآية، فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم، ثم والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، وقد أعطاكموها وبثّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال.

وكان النبي صلى الله عليه  وسلم يُنفق على أهله نفقة سَنَتِهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجْعله مجعل مال الله، فعمل النبي صلى الله عليه  وسلم بذلك حياته، أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ فقالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما الله، هل تعلمن ذلك؟، قالا: نعم، ثم توفّى الله نبيَّه صلى الله عليه  وسلم فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأنتما حينئذ، وأقبل على علي وعباس فقال: تزعمان أنّ أبا بكر فيها كذا، والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد، تابع للحق، ثم توفّى الله أبا بكر، فقلت: أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبي بكر، فقبضْتُها سنتيْن أعمل فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني، وكلِمتُكُما على كلمة واحدة، وأمْرُكُما جميع، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه تعملان فيها بما عمِل به رسول اللهصلى الله عليه  وسلم، وبما عمِل فيها أبو بكر، وبما عمِلتُ فيها منذ وليتُها، وإلاّ فلا تكلِّماني فيها، فقلتما: ادفَعْها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، أنشدكم بالله، هل دفعتُها إليهما بذلك؟، قال الرهط: نعم، فأقبل على عليّ وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما؟، قالا: نعم، قال: أفتلتمسان منّي قضاء غير ذلك؟، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتُما عنها، فادفعاها إليّ، فأنا أكفيكماها”.

هذا الحديث، المقصود منه هنا -كما بيّن ابن حجر-: بيان كراهيّة التنازع، ويدلّ عليه: قولُ عثمان ومن معه: “يا أمير المؤمنين، اقْضِ بينهما، وأرِحْ أحدَهما مِن الآخَر!”.

وقوله: “اتّئِدُوا” بتشديد المثناة، أي: تمهّلوا، وقوله: “أَنْشُدكم بالله”، وهو جائز. وقوله: “ما احتازها” أي: استحوذ عليها. قوله “استبّا، أي: نسَب كلّ واحد منهما الآخَر إلى أنه ظلَمه، وقد صرّح بذلك في هذه الرواية بقوله: “اقْضِ بيني وبين الظالم!”، قال: ولم يُردْ أنه يظلم الناس، وإنّما أراد ما تأوّله من خصوص هذه القصّة، ولم يُرِدْ أنّ عليًا سبّ العباس بغير ذلك؛ لأنه صنْو أبيه، ولا أنّ العباس سبّ عليًّا بغير ذلك؛ لأنّه يعرف فضْله وسابِقَته.

error: النص محمي !!