Top
Image Alt

متى نشأت الباطنية والغرض منها؟

  /  متى نشأت الباطنية والغرض منها؟

متى نشأت الباطنية والغرض منها؟

أ. متى نشأت الباطنية؟

اختلفت كلمة العلماء حول تحديد ظهور هذا المبدأ الهدام، فذهب بعض العلماء إلى التحديد بالزمن، فذكروا أن الباطنية ظهر مذهبهم في سنة خمس ومائتين من الهجرة النبوية، وقال آخرون: في سنة خمسين ومائتين، وبعض العلماء يقول: مائتين وكسر دون أن يحدد شيئًا، وذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت في زمن المأمون وانتشرت في عهد المعتصم، ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين بحران، وقد ذكر البغدادي -رحمه الله- أنهم دهرية زنادقة.

يقول “الديلمي” في بيانه لنشأتهم: “اعلم أن ابتداء وضع مذهب الباطنية -سلط الله عليهم طوفان نوح وريح عاد وحجارة لوط وصاعقة ثمود- كان في سنة خمسين ومائتين من الهجرة”، وقال عندما شرع في تفصيل مذهبهم: “اعلم أن مذهب الفرقة الغاوية الضالة الشقية المسماة بالباطنية -قطع الله دابرها وبت أواخرها وألحق أولها بآخرها- على ما نقله العلماء حدث بعد مائتي سنة وكسر من الهجرة”.

ويقول البغدادي -رحمه الله- في بدء ظهور الباطنية: “ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحران”. إلى أن يقول عبد القاهر البغدادي -رحمه الله: “الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم”.

بينما يذهب الشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي إلى أن نشأة الباطنية كان في سنة مائتين وست وسبعين، حينما قام زعيمهم ميمون القداح بإنشاء هذا المذهب الخبيث هو وزملاؤه الذين كانوا على شاكلته.

والذي يظهر -والله أعلم- أن سبب اختلاف العلماء في تحديد نشأة الباطنية يعود إلى عوامل عدة؛ من أهمها: غموض أمر الباطنية في أدوار كثيرة مر بها تاريخهم، فكل واحد من العلماء أرّخ حسب ما وصل إليه من أخبارهم.

وأيضًا السبب في اختلاف العلماء في تحديد مذهبهم أن مذهب الباطنية نفسه يقبل تلك الاختلافات، ومن قال: إن أفكارهم تعود إلى ما قبل الإسلام من أفكار الصابئة أو الدهرية، فقد أرجعها إلى أمر أيضًا كان موجودًا قبل الإسلام، وهؤلاء استمدوا هذه الدعوى الباطنية من هذه الأفكار التي كانت قبل الإسلام.

والحقيقة التي يجب أن ندركها: أنه مهما كانت الأسباب، فإن الدعوة الباطنية يحوطها كثير من الغموض خصوصًا في بدء أمرها، أي: في الدور الذي يسمونه دور الستر؛ إذ لا يتمكن أحد من معرفتهم والكتابة عنهم الكتابة الدقيقة، ومهما كان فإن عقائد الباطنية على العموم قد استمدت من عقائد قديمة، فهم عندما ظهروا -والله تبارك وتعالى أعلم- في القرن الثالث الهجري استمدوا معتقداتهم من العقائد الفاسدة قبل الإسلام.

وقد وضع هؤلاء الباطنيون أيديهم في أيدي كل عدو على المسلمين كما ذكرت، ولكن الذي أود أن أشير إليه هنا أن التخطيط لإقامة هذا المذهب في الإسلام -كما يترجح من أقوال العلماء- كان ما بين سنة مائتين وثلاثمائة من الهجرة النبوية الشريفة، أي: بعد انتشار الإسلام وعزّ أهله به وانتفاء نار المجوسية، وكسر صليب النصارى وكسر طاغوت الوثنية، ودحر اليهودية، وضرب الذلة والمسكنة عليهم، فلما فعل الإسلام ذلك وانتشر، أكل الحسد قلوبَ هؤلاء الناس، وبدءوا يخططون في الخفاء لطريق ينفّسون بها عن أحقادهم بالنيل من الإسلام وأهله، فاهتدوا إلى هذه الطرق -التي سأبين عنها وسأتحدث عنها فيما سأستقبل من دروس إن شاء الله؛ ليستيقن طالب العلم أن ما نعايشه في عصرنا هذا من مؤامرات ظاهرة وخفية على الإسلام وأهله إنما هو امتداد لتلك الحركات والأصول في ذلك الزمن، وإنما تخمد حينًا وتنشط أحيانًا أخرى، والهدف واحد على امتداد الزمن، فالهدف هو القضاء على الإسلام وأهله، والباطنية ما نشأت إلا لهذا الأمر.

ب. الغرض من نشأة الباطنية:

قام هذا المذهب الهدام من أول الأمر على النيل من الإسلام وأهله، وذلك إما بإخراج المسلم عن دينه بالكلية أو بإدخال الشكوك في قلبه، ولقد استفاض العلماء في بيان ذلك كله، واتضح أن قيام هذا المذهب كان لأسباب كثيرة ومقاصد خبيثة؛ من أهمها: إبطال الإسلام والقضاء عليه وعلى أهله، أو زعزعته من نفوس المسلمين أو تشكيكهم فيه، وإحلال المجوسية والإلحاد محله، هذا هو أول شيء أرادوه.

ومن أجل إقامة حكم عام في الأرض تسيطر عليه الآراء الباطنية وينفذ فيه حكمها، قام هذا المذهب ونشأ هذا المذهب، وكان وراءه قوم يبغضون الإسلام وأهله، واتخذ هؤلاء الناس عدة أقنعة تستروا بها لتحقيق ما يهدفون إليه من القضاء على الإسلام وأهله، أو على الأقل زعزعة العقيدة من نفوس المسلمين، وإحلال الديانات السابقة قبل الإسلام محلها، هؤلاء القوم تستروا بمسائل وأمور واتخذوا عدة وسائل كي يحققوا هذا الهدف أو الغرض الفاسد:

منها: اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي ما يقرره الإسلام ويأمر به. إن الباطنيين لهم مع النصوص موقف عجيب سنقف عليه -إن شاء الله- سأذكره فيما بعد من معتقدات هذه الطائفة، ولكني أود هنا أن أشير إلى أنهم اتخذوا من تأويل النصوص ذريعة يتسترون بها في قبول باطلهم، الذي يتناقض ويتنافى مع الإسلام بالكلية.

أيضًا من الأمور التي تستروا بها لتحقيق أهدافهم الباطلة: إظهار التشيع وإبرازه، وظهورهم أمام الناس على أنهم يحملون مذهب التشيع، ويحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أدرك هؤلاء الباطنيون أن هذا الاتجاه –أعني: ادعاء التشيع وحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هو المدخل إلى إظهار الباطنية، وإلى قبول مذهبهم لدى الناس، وقد تم تأسيس هذا المذهب فيما يذكر الغزالي -رحمه الله- ويبين في ذكره ذلك الغرض من نشأة الباطنية، يقول: “تم في اجتماع لقوم من أولاد المجوس والمزدكية وشرذمة من الوثنية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين”. وقد زاد الديلمي -رحمه الله- على كلام الغزالي هذا: “وبقايا الخرمية واليهود، جَمَعَ هؤلاء نادٍ واشتوروا في حيلة يدفعون بها الإسلام، وقالوا: إن محمدًا غلب علينا وأبطل ديننا”.

تأملوا حقد هؤلاء على المسلمين ولماذا اجتمعوا؟ وما هو غرضهم من هذا المذهب الباطل؟ غرضهم هو القضاء على الإسلام والمسلمين؛ بسبب الحقد الذي نالهم لما انتشر الإسلام وعم أرجاء المعمورة؛ لأنهم قالوا: إن محمدًا غلب علينا وأبطل ديننا، واتفق له من الأعوان ما لم نقدر على مقابلتهم، ولا مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من المملكة بالسيف والحرب؛ لقوة شوكتهم وكثرة جنودهم، وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل المناظرة لما فيهم من العلماء والفضلاء والمتكلمين والمحققين، فلم يبقَ إلا اللجوء إلى الحيل والدسائس، ثم اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها لتحقيق أهدافهم من خلال الأمور التالية:

الأمر الأول: التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف لهم.

الأمر الثاني: دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللب ويترك القشور.

وهذا الزعم الكاذب يريدون من ورائه سلب المعاني عن الألفاظ، والإتيان بمعانٍ باطنية تتفق مع ما يهدفون إليه من الكيد للإسلام.

الأمر الثالث: أنهم اختاروا أن يدخلوا على المسلمين عن طريق التشيع وعلى مذهب الرافضة، وإن كان هؤلاء الباطنيون يعتبرون الروافض أيضًا على ضلال، إلا أنهم رأوهم على حد كبير -كما ذكر الإمام الغزالي رحمه الله- أن الرافضة أرق الناس عقولًا، وأسخفهم رأيًا، وألينهم عريكةً؛ لقبول المُحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات، وأكثر الناس قَبولًا لِمَا يُلقى عليهم من الروايات الواهية الكاذبة، فتستّروا بالانتساب إليهم ظاهرًا للوصول إلى أصناف الناس، فكان ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، كما ذكر الغزالي -رحمه الله.

أو كما قال بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية يعني الطريق المؤدي إلى الباطنية، وهذا هو التفسير الواضح لما نلحظه من التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة.

الأمر الرابع: أنهم اتفقوا أن يبثوا دعاتهم وأن يلزموهم بخطة ماكرة، وهي أنه يجب على كل داعية أن يوافق هوى المدعو مهما كان مذهبه ودينه، وكان من أبرز دعاتهم ميمون بن ديصان القدّاح، وهو رئيسهم، وابنه عبيد الله وحمدان قرمط، وذكرويه بن مهرويه، وأبو سعيد الجنابي وولده أبو طاهر، وغيرهم ممن يطول حصرهم هنا، وقد تحمل هؤلاء جميعًا من المشقة والآلام والأسفار الكثيرة في نشر باطلهم من بلد إلى بلد آخر، مما يتوجب على أهل الحق، وهم يعرفون بأنهم يحصلون من دعوتهم إلى الله على خيري الدنيا والآخرة، ألا يكون هؤلاء الطغاة أكثر حماسًا وصبرًا منهم في نشر باطلهم؛ لأن الغرض من نشاط هذه الطائفة الباطنية ونشر باطلهم هو القضاء على الإسلام والمسلمين.

وإننا معشر الأبناء بحاجة إلى أن نقف سدًّا منيعًا أمام هؤلاء، وأن نقف لهم بالمرصاد حتى لا يروجوا لأفكارهم وحتى نقطع دابرهم؛ لأن غرضهم -كما ذكرت- هو القضاء على الإسلام، وقد اتخذوا من مذهب الرافضة والإمامية سلمًا يرتقون به إلى الناس، ويخاطبون من خلاله الناس. وأنا أقول ذلك -وأنا أتحدث عن غرضهم- حتى أحذّر الناس من كل منهج مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة.

إن كل منهج يخالف منهج أهل السنة والجماعة منهجٌ باطل، لا ينبغي أن نركن إليه ولا أن نستند عليه، ويجب علينا أن نعتقد أن هذه المذاهب والمناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة الغرض من نشأتها في الحقيقة: القضاء على الإسلام والمسلمين.

سبب رواج مذهب الباطنية:

مذهب الباطنية -كما ذكرت- من أخبث المذاهب وأقبحها، وهو الكفر المحض، ثم انتشر بعد ذلك وراج بين الناس، وهنا نود أن نعرف: ما هو السبب الذي روج لهذا المذهب الباطل مع ركاكة حجة أهله وفساد طريقتهم؟ وهذا أمر مهم؛ حتى إذا عرفنا السبب الذي من خلاله وصل هؤلاء الناس استطعنا أن نعالج الفئات التي تسرّب الفكر الباطني إليهم.

سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض هو أنهم لا يُظهرون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم، فيظهرون لهم الكفر الصريح الواضح في دعوتهم، وعندما يظهرون لهم يوصون هذا الذي أظهروه له بألا يتحدث عنه وألا يتكلم عن هذا المذهب الباطل، ويقولون له: إياك أن تسلك بالجميع مسلكًا واحدًا، يعني: الناس الذين تدعوهم، فليس كل من يحتمل قبول هذه المذاهب يحتمل الخَلْع والسَّلْخ، يعني يحتمل أن يختلع وأن يخرج وأن ينسلخ من دين الإسلام بالكلية.

ثم قال: يقولون له: ولا كل من يحتمل الخلع يحتمل السلخ، فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم، وهذا سببٌ من أسباب رواج فكر ومذهب الباطنية، أنهم يدخلون إلى الناس مدخلًا خفيًّا، ولا يُظهرون لهم ما عندهم من الباطل في أول الأمر.

فإن قيل: هذا أيضًا مع الكتمان ظاهر البطلان، يعني: حتى ولو كتموا ما هم عليه وكتموا دعوتهم، وما هم عليه من ضلال فهو ظاهر البطلان، فكيف ينخدع بمثله عاقل؟!

أقول -وبالله التوفيق: لا ينخدع عاقل بدعوةِ هؤلاء المجرمين، ولا ينخدع بها إلا المائلون عن اعتدال الحال واستقامة الرأي، والعقلاء لهم عوارض قد تُعمّي عليهم طرق الصواب، وتقضي عليهم بالانخداع بلامع السراب.

ولا بد أن أتحدث عن أصناف هؤلاء الذين ينخدعون بهذا المذهب الباطل، وقد حصرهم الإمام الغزالي -رحمه الله- في ثمانية أصناف:

الصنف الأول: طائفة ضعفت عقولهم وقلت بصائرهم، وسخفت في أمور الدين آراؤهم؛ لما جُبلوا عليه من البله والبلادة، ولعل هذا الصنف هم أكبر الناس عددًا، وكيف يستبعد قبولهم لذلك، ونحن نشاهد جماعة في بعض المدائن القريبة من البصرة يعبدون أناسًا يزعمون أنهم ورثوا الربوبية من آبائهم المعروفين بالشباسية، وقد اعتقدت طائفة في علي رضي الله عنه أنه إله السموات والأرض رب العالمين، وهم خلق كثير لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد.

فلا ينبغي أن يكثر التعجب من جهل الإنسان إذا استحوذ عليه الشيطان، واستولى عليه الخذلان، ولذلك أقول لطلاب العلم: علينا أن نعرّف الناس بالحق، وأن ننزل إلى طائفة هؤلاء العوام الذين ضعفت عقولهم وقلّت بصائرهم، وربما كان للرفض أيضًا مجال إليهم؛ لأن من السهولة بمكان أن ينتقل من يقول بقول الرافضة إلى أقوال الباطنية التي تحمل كفرًا صريحًا؛ لأن في أقوال الروافض ما يدعّم وأفكار الباطنية، فلا بد أن نتعرض أولًا لهؤلاء العامة من الناس، وأن نبين لهم الحق.

هذا الصنف الأول يجب أن نبين لهم الحق وهم في الحقيقة جهال والشيطان قد يستولي عليهم ويحسّن لهم هذا الباطل؛ لأنهم لا يعلمون.

الصنف الثاني: طائفة انقطعت الدولة عن أسلافهم بدولة الإسلام، وهؤلاء كأبناء الأكاسرة وأولاد المجوس المستطيلين، فهؤلاء موتورون قد استكن الحقد في صدورهم كالداء الدفين، فإذا حركته تخاييل المبطلين اشتعلت نيرانه في صدورهم، فأذعنوا لقبول كل محال تشوقًا إلى درك ثأرهم وتلافي أمورهم، فالكفرة والملاحدة والباطنيون عمومًا قبل الإسلام من الأكاسرة والمجوس الذين قضى الإسلام عليهم، فهؤلاء لم يدخلوا في الإسلام صراحة، وبالتالي لما وجدوا أمرًا كالباطنية أو مذهبًا كمذهب الباطنية يخرج ليقضي على الإسلام، سرعان ما وقفوا إلى جواره وروجوا له.

الصنف الثالث: طائفة لهم همم طامحة إلى العلياء، متطلعة إلى التسلط والاستيلاء، إلا أنهم ليس يساعدهم الزمان بل يقصر بهم عن الأتراب والأقران، فهؤلاء إذا وُعدوا بنيل أمانيهم وسول لهم الظفر بأعاديهم سارعوا إلى قبول ما يظنونه مفضيًا إلى مآربهم، وسالكًا إلى أوتارهم ومطالبهم، فلطالما قيل: حبك الشيء يعمي ويصم، ويشترك في هذا كل من دهاه من طبقة الإسلام أمر يلم به، وكان لا يتوصل إلى الانتصار ودرك الثأر إلا بالاستظهار بهؤلاء الأغبياء الأغمار، فتتوفر دواعيه على قبول ما يرى الأمنية فيه، فهذه الطائفة أو هذا الصنف من الناس أرادوا أن يتسلطوا فوجدوا في الباطنيين مجالًا لكي يصلوا إلى مآربهم.

الصنف الرابع: طائفة جبلوا على حب التميّز عن العامة والتخصص عنهم ترفعًا عن مشابهتهم، وتشرفًا بالتحيز إلى فئة خاصة تزعم أنها مطّلعة على الحقائق، وأن كافة الخلق في جهالتهم كالحمر المستنفرة والبهائم المسيبة، وهذا هو الداء العضال المستولي على الأذكياء فضلًا عن الجهال الأغبياء، وكل ذلك حب للنادر الغريب ونفرة عن الشائع المستفيض، وهذه سجية لبعض الخلق على ما شهدت به التجربة وتدل عليه المشاهدة، فهذا الصنف الرابع أرادوا أن يُعرفوا وأن يشار إليهم بالبنان، فروجوا لهذا المذهب الباطل.

الصنف الخامس: طائفة سلكوا طرق النظر ولم يستكملوا فيه رتبة الاستقلال، وإن كانوا قد ترقوا عن رتبة الجهال، فهم أبدا متشوقون إلى التكاسل والتغافل وإظهار التفطن لدرك أمور تتخيل العامة بعدها وينفرون عنها، لا سيما إذا نسب الشيء إلى مشهور بالفضل، فيغلب على الطبع التشوق إلى التشبه به، فكم من طوائف رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليدًا لأفلاطون وجماعة من الحكماء، قد اشتهروا مثلًا بالفضل في مسائل معينة، وداعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبيه بالحكماء والتحيز إلى غمارهم، والتحيز عمن يعتقد أنه في الذكاء والفضل دونهم، فهؤلاء يُستجرون إلى هذه البدعة بإضافتها إلى من يحسن اعتقاد المستجيب فيه، فيبادر إلى قبوله تشفعًا بالتشبه بالذي ذكر أنه من منتحليه.

الصنف السادس: طائفة اتفق نشوؤهم بين الشيعة والروافض، واعتقدوا الدين بسب الصحابة رضي الله عنهم ورأوا هذه الفرقة تساعدهم عليها، فمالت نفوسهم إلى المساعدة لهم والاستئناس بهم، وانجرت معهم إلى ما وراء ذلك من خصائص مذهبهم.

وأنا أرى أن هذا الصنف من الناس هم أكثر من راج عندهم مذهب الباطنية.

الصنف السابع: طائفة من ملحدة الفلاسفة والثنوية والمتحيرة في الدين، الذين اعتقدوا أن الشرائع نواميس مؤلفة وأن المعجزات مخاريق مزخرفة، فإذا رأوا هؤلاء يكرمون من ينتمي إليهم ويفيضون ذخائر الأموال عليهم، انتدبوا لمساعدتهم طلبًا لحطام الدنيا واستحقارًا لأمر العقبى، وهذه الطائفة هم الذين لفّقوا لهم الشبه وزينوا لهم بطريق التمويه الحجج، وسووها على شروط الجدل وحدود المنطق من حيث الظاهر، وغبّوا -يعني: ستروا- مكامن التلبيس والمغالطة فيها تحت ألفاظ مجملة وعبارات كلية مبهمة، قلما يهتدي الناظر الضعيف إلى فك تعقيدها، وكشف الغطاء عن مكمن تدليسها.

الصنف الثامن: طائفة استولت عليهم الشهوات فاستدرجتهم متابعة اللذات، واشتدَّ عليهم وعيد الشرع وثقلت عليهم تكاليفه، فليس يتهنأ عيشهم إذا وصفوا بالفسق والفجور، وتوعدوا بسوء العاقبة في الدار الآخرة، فإذا صادفوا من يفتح لهم الباب ويرفع عنهم الحجز والحجاب، ويحسن لهم ما هم مستحسنون له بالطبع، تسارعوا إلى التصديق بالرغبة والطول، وكل إنسان مصدق لما يوافق هواه ويلائم غرضه ومناه، فهؤلاء ومن يجري مجراهم هم الذين عدموا التوفيق فانخدعوا بهذه المخاريق، وزاغوا عن سواء الطريق وحدود التحقيق.

وعندما -إن شاء الله- أتحدث عن موقف هؤلاء الباطنيين من التكاليف الشرعية، سيظهر لطالب العلم صحة ما ذكرت هنا من أن هنا من استولت عليهم الشهوات كانوا من الناس الذين راج عندهم هذا المذهب الخبيث الباطل؛ لأن هؤلاء أسقطوا التكاليف الشرعيةَ عن جميع العباد بحجة التأويل والقول بالظاهر والباطن.

error: النص محمي !!