Top
Image Alt

متى يلزم المأموم حكم صلاة الإمام؟ قضاء بعض الصلاة بسبب النسيان

  /  متى يلزم المأموم حكم صلاة الإمام؟ قضاء بعض الصلاة بسبب النسيان

متى يلزم المأموم حكم صلاة الإمام؟ قضاء بعض الصلاة بسبب النسيان

. متى يلزم المأموم حُكم صلاة الإمام؟

بقيت المسألة الثالثة من هذه المسائل الثلاث القواعد، وهي: متى يلزم المأمومَ حُكمُ صلاة الإمام؟

سؤال يعلِّق عليه ابن رشد بقوله: أمّا المسألة الثالثة من المسائل الأُول، وهي: متى يلزم المأمومَ حُكمُ صلاة الإمام في الاتّباع؟

فإن فيها مسائل يندرج. تحت هذه المسألة بهذا السؤال.

وبهذه الصورة ثلاث مسائل:

الأولى: متى يكون المأموم مُدركًا لصلاة الجمعة؟

الثانية: متى يكون المأموم مُدركًا معه لِحُكم سجود السهو، أعني: سهو الإمام.

الثالثة: متى يَلزم المسافرَ الداخلَ وراء إمام يُتمّ الإتمامُ، إذا أدرك من صلاة الإمام بعضها؟

وهذه المسائل الثلاث تندرج تحت المسألة الثالثة من المسائل القواعد.

المسألة الأولى:

نبدأ بالمسألة الأولى وهي: متى يدرك المأموم صلاة الجمعة؟ هل بإدراك ركعة؟ هل بإدراك بعض الركعة؟ هل لا بدّ من الركعتيْن؟ هل لا بد من استماع الخطبة قبل الصلاة؟ ونحو ذلك. متى يدرك المأموم صلاة الجمعة؟

يقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا في ذلك.

فمنهم من قال: لا تُدرَك الجمعة إلا بركعة.

ومنهم من قال: تدرَك الجمعة ببعض الركعة الثانية حتى التشهد، ولذلك يقول: إنّ قومًا قالوا: إذا أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة، ويقضي الركعة الثانية؛ وهذا مذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد: أنه لا تُدرك الجمعة إلَّا بإدراك ركعة مع الإمام؛ فإذا أدرك المأموم أقلّ من الركعة صلّى ظُهرًا أربع ركعات.

ولهذا يقولون في الألغاز: “نوَى ولمْ يُصلِّ”، أي: نوى الجمعة؛ لأنه اقتدى بإمام الجمعة، ولم يصلِّ الجمعة؛ لأنه لم يُدركْها، وإنّما يصلِّي الظهر أربعًا. ويقولون أيضًا: “صلّى ولم ينْوِ”، فهو في هذه الحالة يُصلِّي الظهر أربع ركعات، مع أنه لم يَنو الظهر.

وقوم قالوا -هذا وهو الرأي الثاني: إنّ المأموم يدرك الجمعة بأيِّ قَدْر يُدركه من الصلاة مع الإمام، ويقضي ركعتيْن فقط؛ وهذا مذهب أبي حنيفة -رحمه الله.

ما قاله ابن قدامة:

يقول في كتابه (المغني)، تحت مسألة قال فيها الخرقي: “ومن أدرك مع الإمام منها -أي: من الجمعة- ركعة بسجدتيْها، أضاف إليها أخرى، وكانت له جمعة”: يقول: أكثر أهل العلْم يرَوْن: أنّ من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام، فهو مدرك لها. يضيف إليها أخرى، ويجزيه. وهذا قول ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعلقمة، والأسود، وعروة، والزهري، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأن إدراك الركعة لا اختلاف عليه.

وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول: مَن لم يُدرك الخطبة، صلّى أربعًا؛ لأن الخطبة شرْط للجمعة، فلا تكون جمعة في حقّ مَن لم يوجد في حقِّه شرْطُها. هذه الجزئية لم يُشِرْ إليها ابن رشد -رحمه الله- في هذه المسألة، ولكنّ ابن قدامة أشار إليها، ونسب القول بضرورة إدراك الخطبة وإلَّا كان عليه أن يصلِّي أربع ركعات إلى: عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول؛ وكلهم مِن التابعين.

يرد عليهم ابن قدامة بقوله: ولنا ما روى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أدرك مِن الجمعة ركعةً، فقد أدرك الصلاة))، رواه الأثرم، ورواه ابن ماجه، ولفْظه: ((فلْيصلِّ إليها أخرى))، أي: يأتي بركعة ثانية. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة))، متفق عليه؛ ولأنه قول مَن سمّيْنا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم.

هذا عن إدراك الركعة.

ماذا عن إدراك ما هو أقل من الركعة؟ يضيف الخرقي قوله: “ومن أدرك معه -أي: مع الإمام- أقلّ مِن ذلك -أي: أقلّ من الركعة- بنى عليها ظهرًا، إذا كان قد دخل بنيّة الظهر”.

ويعلِّق ابن قدامة على هذه المسألة بقوله: أمّا من أدرك أقلّ من ركعة، فإنه لا يكون مُدرِكًا للجمعة، ويصلِّي ظهرًا أربعًا. وقول جميع من ذكَرْنا في المسألة قبل هذه، وقال الحَكم وحماد وأبو حنيفة: يكون مُدركًا للجمعة بأي قَدْر أدرك من الصلاة مع الإمام؛ لأن من لَزمه أن يَبني على صلاة الإمام إذا أدرك ركعة، لَزِمه إذا أدرك أقلّ منها، كالمسافر يدرك المقيم. ولأنه أدرك جزءًا من الصلاة، فكان مدركًا لها كالظهر.

يردّ ابن قدامة على هؤلاء بقوله: لنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أدرك ركعةً من الجمعة، فقد أدرك الصلاة))؛ فمفهومه: أنه إذا أدرك أقلّ مِن ذلك، لم يكن مدركًا لها. ولأنه قول مَن سمّيْنا من الصحابة والتابعين، ولا مخالف لهم في عصرهم، فيكون إجماعًا.

وقد روى بشر بن معاذ الزيات، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن أدرك يوم الجمعة ركعةً، فلْيُضف إليها أخرى. ومَن أدرك دُونها، صلَّاها أربعًا)). ولأنه لم يدرك ركعة، فلم تصحّ له الجمعة، كالإمام إذا انفضّوا قبل أن يسجد. وأما المسافر، فإدراكُه إدراك إلْزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، فافترقا. وكذلك يُتمّ المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر.

وأمّا الظهر فليس مِن شرْطها الجماعة، بخلاف مسألتنا.

متى يدرك المأموم حُكم سجود السهو؟

ماذا عن المسألة الثانية في هذا المجال، وهي: متى يدرك المأموم حُكم سجود السهو؟ يذْكر ابن رشد -رحمه الله- اختلافًا أيضًا في هذه القضية. والمعنى: إذا كان على الإمام سجود سهو، فهل يكون على المأموم أن يسجد مع الإمام في ذلك، أو ليس عليه؟

اختلف العلماء في هذه القضية:

فمنهم من قال: على المأموم أن يُتابع الإمام في كلِّ صغيرة وكبيرة؛ فإذا سجد الإمام لِسهو فعلى المأموم أن يسجد معه، ولو أدركه قبل سجود السهو بقليل.

أما الرأي الآخر فيقول: لا يسجد المأموم مع الإمام في السهو، إلَّا إذا كان قد أدرك مع الإمام ركعة فأكثر. فإن لم يكن قد أدرك ركعة أو أكثر، لم يَجب عليه سجود السهو.

يقول تحت هذا العنوان: أمّا مسألة اتّباع المأموم للإمام في السجود -أعني: في سجود السهو- فإن قومًا اعتبروا في ذلك الركعة -يعني: أن يدرك المسبوق مع الإمام ركعة. وقوم لم يعتبروا ذلك. فمَن لم يعتبر ذلك فلعموم قولهصلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعل الإمام لِيُؤْتَمّ به)). فعلى المأموم أن يُتابع الإمام في كل ما يفعله حتى يسلّم. وقد رواه الشيخان. ومَن اعتبر إدراك الركعة، فلمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: ((فقد أدرك الصلاة))، أي: أدرك حُكمها.

متابعة المأموم الإمامَ في سجود السهو:

تعالوا معي نتعرّف على ما ذكَره ابن رشد في قضيّة لزوم سجود السهو للإمام، وهل يلزم المأموم معه المسبوق أو لا يلزمه؟

يقول -رحمه الله- تحت المسألة التي قال فيها الخرقي: “وليس على المأموم سجود سهو، إلَّا أن يسهو إمامُه فيسجد معه”. تحت هذه المسألة، يقول ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني): جملة ذلك: أنّ المأموم إذا سها دون إمامه فلا سجود عليه، في قول عامّة أهل العلْم. وحُكي عن مكحول أنه قام عن قعود إمامه فسجد.

وفي الرّدِّ على مكحول: “أنّ معاوية بن الحكم تكلّم خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بسجود”، وروى الدارقطني في (سُننه) عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على من خلْف الإمام سهْو؛ فإن سها إمامُه، فعليْه وعلى مَن خلْفه))؛ ولأن المأموم تابع للإمام وحُكمه حُكمه إذا سها، وكذلك إذا لم يسْهُ، وإذا سها الإمام فعلى المأموم متابعتُه في السجود، سواء سها معه أو انفرد الإمام بالسّهو؛ وهذا هو محلّ الشاهد، أو المتعلّق بمسألتنا. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلْم على ذلك، أي: على أن المأموم يتابع الإمام في السجود، سواء أدرك معه ركعة أو لم يدرك، ما دام قد أدرك الجماعة.

وذكَر إسحاق أنه إجماع أهل العلْم، سواء كان السجود قبل السلام أو بعده، لِقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعل الإمام لِيؤتَمّ به؛ فإذا سجد فاسجُدوا))، ولحديث ابن عمر السابق. فإذا كان المأموم مسبوقًا فسها الإمام فيما لم يُدركه المأموم فيه، فعليه متابعته في السجود، سواء كان قبل السلام أو بعده.

روي هذا عن عطاء، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن سيرين وإسحاق: “يقضي -أي: ما فاته- ثم يسجد”. قال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، في السجود قبل السلام كقولنا، وبعده كقول ابن سيرين. وروي ذلك عن أحمد، ذكَره أبو بكر في (زاد المسافر)؛ لأنه فعل خارج من الصلاة، فلم يتبع الإمام فيه كصلاة أخرى. ولنا -أي: في متابعة الإمام والسجود معه، حتى ولو لم يدرك المأموم إلَّا جزءًا يسيرًا من الصلاة، كالتشهد أو بعضه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا سجدَ فاسجُدوا))، وقوله في حديث ابن عمر: ((فإن سها إمامُه، فعليه وعلى مَن خلْفه)). ولأنّ السجود من تمام الصلاة، فيتابعه فيه كالذي قبل السلام، وكغير المسبوق وفارق صلاة أخرى، فإنه غير مؤتمّ به فيها.

إذا ثبت هذا، فمتى قضى ففي إعادة السجود روايتان:

إحداهما: يعيده؛ لأنه قد لزمه حُكم السهو، وما فعَله من السجود مع الإمام كان مُتابعًا له، فلا يسقط به ما لزمه كالتشهد الأخير.

الثانية: لا يلزمه السجود؛ لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقّه وحصل به الجبران، فلم يحتج إلى سجود ثان كالمأموم إذا سها وحده.

وللشافعي قولان كالروايتيْن:

فإن نسي الإمام السجود، سجد المسبوق في آخِر صلاته، رواية واحدة؛ لأنه لم يوجد من الإمام ما يكمِّل به صلاة المأموم. وإذا سها المأموم فيما تفرّد فيه بالقضاء، سجد، رواية واحدة؛ لأنه قد صار منفردًا فلم يتحمل عنه الإمام. وهكذا لو سها فسلّم مع إمامه، قام فأتم صلاته، ثم سجد بعد السلام، كالمنفرد سواء.

تلك هي المسألة الثانية: متى يدرك المأمومَ حكمُ سجود السهو؟                                      

اقتداء المسافر بالمقيم:

أما المسألة الثالثة من مسائل هذه المسألة الأخيرة، من المسائل الثلاث القواعد، وهي: ماذا يلزم المسافر إذا اقتدى بمتمٍّ؟ هل يَلزمه الإتمام، أو لا يلزمه ذلك؟

يقول: إنّ الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة: فقال قوم: إنّ المسافر إذا أدرك من صلاة الإمام الحاضر أقلّ من ركعة، لم يتمّ؛ لأنه لم يدرك حُكم الصلاة، وإنّما أدرك الإمامة فقط. أمّا إذا أدرك ركعة مع الإمام المقيم، لَزِمه الإتمام. فهذا حُكم القضاء الذي يكون لبعض الصلاة من قِبل سبْق الإمام له. مع أننا علِمْنا من قبل: أن المأموم إذا كان مسافرًا وأتَمّ بمقيم، فإنّ عليه الإتمام مهما أدرك من الصلاة. ولكننا هنا رأينا ابن رشد -رحمه الله- يذكُر لنا هذا الاختلاف. هل على المسافر أن يتمّ سواء أدرك من الصلاة ركعة أو لم يدرك؟ أو ليس عليه الإتمام إلَّا إذا أدرك ركعة مع الإمام المقيم؟

ننظر عند ابن قدامة -رحمه الله- لعلّنا نجد تفصيلًا وبيانًا أكثر من ذلك في كتاب (المغني)، وتحت المسألة التي قال فيها الخرقي: “وإذا دخل مع مقيم وهو مسافر، أتَمَّ”. يقول ابن قدامة في شرح هذه المسألة: جملة ذلك: أنّ المسافر متى ائتمّ بمقيم لزمه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل.

قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن المسافر يدخل في تشهّد المقيم -أي: يُدركه في نهاية صلاته؟ قال: يصلِّي أربعًا -أي: صلاة تامة. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال إسحاق: جمهور العلماء على: أن المسافر إذا ائتمّ بمقيم أتمّ؛ لأنه -كما رأينا قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وهو أيضًا قول الإمام أحمد. هؤلاء هم جمهور العلماء، لم يذْكُرهم ابن رشد بهذا التفصيل.

وقال إسحاق: للمسافر القصر -يعني: حتى مع الائتمام بمقيم- لأنها صلاة يجوز فعْلها ركعتيْن فلم تزد بالائتمام كالفجر.

وقال طاوس، والشعبي، وتميم، في المسافر يُدرك من صلاة المقيم ركعتيْن: يُجزيان -يعني: إذا كان الإمام قد سبق المأموم بركعتيْن، وجاء المسافر فصلّى مع الإمام الركعتيْن الأخيرتيْن للإمام، تُجزئُه عن ركعتيْه المقصورتيْن. وقال الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، ومالك: إن أدرك ركعة أتمّ، وإن أدرك دونها قصّر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة))، ولأن مَن أدرك من الجمعة ركعة أتمّها جمعة، ومن أدرك أقلّ من ذلك لا يلزمه فرضها.

يردّ ابن قدامة على ما قاله مالك والزهري: بما روي عن ابن عباس، أنه قيل له: ما بال المسافر يصلِّي ركعتيْن في حال الانفراد، وأربعًا إذا ائتمّ بمُقيم؟ فقال: تلك السُّنّة، رواه أحمد في (المسند). وقوله: “السُّنّة” ينصرف إلى سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه فعْل مَن سمّيْنا من الصحابة، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالِفًا. قال نافع: كان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلَّاها أربعًا، وإذا صلّى وحده صلَّاها ركعتيْن، رواه مسلم.

ولأنّ هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتيْن، فلا يصلِّيها خلف من يصلِّي الأربع كالجمعة. وما ذكَره إسحاق لا يصحّ عندنا -ما ذكَره إسحاق من: أنّ من أدرك مقيمًا في ركعتيْن -ثالثة ورابعة له- وهو مسافر، يكفيانه ولا يُتم. يقول: فإنه لا تصحّ له صلاة الفجر خلف مَن يصلِّي الرباعية، أي: خلف من يصلي الرباعية، ولم يبق منها إلا ركعتان. وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه؛ فإنه لو أدرك ركعة من الجمعة رجَع إلى ركعتيْن، وهذا بخلافه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جُعل الإمامُ ليُؤتَمّ به؛ فلا تختلفوا عليه!))، ومفارقة إمامه اختلاف عليه، فلم يَجُز مع إمكان متابعته.

وإذا أحرم المسافرون خلْف مسافر، فأحدث المسافر واستخلف مسافرًا آخَر، فلهم القصر؛ لأنهم لم يأتمّوا بمقيم. وإن استخلف مقيمًا، لزِمهم الإتمام؛ لأنهم ائتمّوا بمقيم. وللإمام الذي أحدث أن يصلِّي صلاة المسافر؛ لأنه لم يأتمّ بقيم؛ وهذا إذا لم يعدْ إلى الجماعة بعد الطهارة من الحدث. ولو صلّى المسافرون خلْف مقيم فأحدث، واستخلف مسافرًا أو مقيمًا، لزِمهم الإتمام؛ لأنهم ائتمّوا بمقيم منذ البداية.

قال: استخلف مسافرًا لم يكن معهم في الصلاة، فله أن يصلِّي صلاة السفر؛ لأنه لم يأتم بمقيم. وإذا أحرم المسافر خلْف مقيم، أو يغلب على ظنه أنه مقيم، أو مَن يشك هل هو مقيم أو مسافر، لَزِمه الإتمام وإن قصّر إمامُه؛ لأن الأصل وجوب الصلاة تامّة، فليس له نيّة قصْرها مع الشك في وجوب إتمامها، ويلزمه إتمامُها اعتبارًا بالنِّيّة.

وإذا صلّى المسافر صلاة الخوف بمسافرين، ففرّقهم فرقتيْن، فأحدث قبل مفارقة الطائفة الأولى واستخلف مقيمًا، لزم الطائفتيْن الإتمام لوجود الائتمام بمقيم.

ثم في المسألة الثانية قال الخرقي: “إذا صلّى مسافر ومقيم خلْف مسافر، أتمّ المقيم إذا سلّم إمامُه”.

أجمع أهل العلْم على: أنّ المقيم إذا ائتمّ بالمسافر وسلم المسافر من ركعتيْن، أن على المقيم إتمام الصلاة. وقد روي عن عمران بن حصين، قال: “شهدت الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة”، وقد ذكرنا ذلك في صلاة السفر، فلا داعي لذكْره مرة ثانية.                                                                                  

2. قضاء بعض الصلاة بسبب النسيان:

نعود إلى ابن رشد -رحمه الله- لنتعرّف على قضية: قضاء بعض الصلاة بسبب النسيان، يعني: كان القضاء السابق بسبب السّبْق، سبق الإمام. كان الكلام عن صلاة المسبوق.

الآن نريد أن نتعرّف على القضاء بسبب النسيان، وأما حكم القضاء لبعض الصلاة الذي يكون للإمام والمنفرد من قِبل النسيان، فإنهم -أي: العلماء- اتّفقوا على: أنّ ما كان منها رُكنًا -يعني: نسيان ركن من أركان الصلاة- يوجب على مَن يتذكّر القضاء؛ لأن الأركان فرائض ولا تصحّ الصلاة بدونها، وليس يجزئ إلا الإتيان بها.

وفي باب النسيان مسائل اختلف العلماء فيها:

بعضهم: أوجب فيها القضاء.

وبعضهم: أوجب فيها الإعادة.

أمّا بيان ذلك ففيه يقول ابن رشد -رحمه الله: مثل مَن نسِي أربع سجدات من أربع ركعات، يعني: الإنسان يصلِّي، نسي في الركعة الأولى سجدة، ونسي في الركعة الثانية سجدة، وفي الركعة الثالثة سجدة، وفي الركعة الرابعة سجدة. ثم تذكّر أنه نسي هذه السجدات الأربع، ماذا يفعل؟

يقول ابن رشد:

إن قومًا قالوا: يُصلح الرابعة: بأن يسجد لها -هو الآن في الركعة الرابعة، أو في التشهد، يسجد سجدتيْن للرابعة حتى يُصلحها، أو يسجد سجدة؛ لأنه سبق أن سجد منها سجدة- وتصبح هذه الرابعة بهذا الإصلاح هي الركعة الأولى، ويَبطل ما قبْلها من الركعات؛ لأنها لِترك السجود كانت ناقصة وكانت باطلة. الآن لمّا تذكّر أصلح الركعة الرابعة، فصارت بالنسبة له الأولى، وعليه أن يأتي بالثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة. وهذا هو قول الإمام مالك.

فريق آخَر من العلماء قالوا: تبطل الصلاة بأسرها ويَلزمه الإعادة؛ لأنّ كلّ ركعة خلَت من السجود فكانت باطلة فلمّا تذكّر -والترتيب شرْط لصحة الصلاة- لا يجوز أن يُصلح الرابعة وينقلها إلى الأولى وهكذا… فتبطل الصلاة بأسرها ويلزمه الإعادة. وهي إحدى الروايتيْن عن أحمد بن حنبل.

وقوم قالوا: يأتي بأربع سجدات متوالية، وتكمل بها صلاتُه؛ لأنّ سجدة من كل ركعة يأتي بها الآن متوالية وتكمل بها صلاته؛ وبهذا القول اليسير قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي.

وقوم قالوا: يُصلح الرابعة ويعتدّ بسجدتيْن، أي: يُصبح في حقّه صلاة ركعتيْن صحيحتيْن؛ لأنه لمّا ترك أربعًا وكان قد أدّى أربعًا لأن كل ركعة فيها سجدتان، هو أتى بواحدة ونسي الثانية؛ فالآن هو في الركعة الرابعة يُصلحها ويتمّها، ويحسب من السجدات التي أدّاها يعتدّ بسجدتيْن، أي: ركعتيْن؛ فتكون صلاته حينئذ بإصلاح ركعة رابعة وركعتيْن، يبقى عليه ركعة رابعة. وهذا هو مذهب الشافعي -رحمه الله.

ما قاله ابن قدامة:

يقول -رحمه الله: الصورة الثانية: قام مِن السجدة الأولى ولم يجلس للفصل بين السجدتيْن. فهذا قد ترَك ركنيْن: جلسة الفصل، والسجدة الثانية. فلا يخلو من حالتيْن:

أحدهما: أن يذكُر قبل الشروع في القراءة، أنه نسي الجلسة والسجدة، فيلزمه الرجوع ليصحّح ما دام قريبًا من الأمر؛ وهذا قول مالك، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا. فإذا رجع فإنه يجلس جلسة الفصل، ثم يسجد السجدة الثانية. ثم يقوم إلى الركعة الثانية.

وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يحتاج إلى الجلوس؛ لأن الفصل قد حصل بالقيام والعودة إلى السجود؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الجلسة واجبة ولا ينوب عنها القيام، كما لو تعمّد ذلك.

فأمّا إن كان جلس للفصل، ثم قام ولم يسجد، فإنه يسجد، ولا يلزمه الجلوس. هذا الاحتمال الأول.

الثاني: فهو قد ترك ركنًا -إمّا سجدة أو ركوعًا- ساهيًا، ثم ذكَره بعد الشروع في قراءة الركعة التي تليها، بطلت الركعة التي ترَك الركن منها، وصارت التي شرَع في قراءتها مكانَها؛ نصّ على ذلك الإمام أحمد. وهذا كما قال مالك في كلام ابن رشد: أنه يصلح الرابعة، وتحسب له هي الأولى، ثم يتمّ. وهنا، ما دامت الثانية، يصلح الثانية وتصبح هي الأولى.

قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى ركعة، ثم قام ليصلِّي أخرى، فذَكر أنه إنما سجد للركعة الأولى سجدةً واحدة، فقال: إن كان أوّل ما قام قبل أن يُحدث عملَه للأخرى -يعني: قبل أن يبدأ في القراءة- فإنه ينحطّ -أي: يخضع ويهوي للسجود، ويسجد، ويعتدّ بها. وإن كان أحدث عمله للأخرى -يعني: بدأ في القراءة فعلًا. ألغى الأولى، وجعل هذه الأولى -أي: الركعة الأولى. قلت: يستفتح؟ أو يجزئ الاستفتاح الأوّل؟ قال: لا يستفتح، ويجزئه الأوّل. قلت: فنسي سجدتيْن من ركعتيْن -كما قال ابن رشد في مثاله هنا: نسي أربع سجدات من أربع ركعات. قال: لا يعتدّ بتيْنك الركعتيْن -تَيْنك يعني: تلك الركعتان الناقصتان لا يعتدّ بهما والاستفتاح ثابت. وهذا قول إسحاق.

قال الشافعي: إذا ذكَر الركن المتروك قبل السجود في الثانية، فإنه يعود إلى السجدة الأولى. وإن ذكَره بعد سجوده في الثانية، وقعتا عن الأولى -أي: السجدتان اللّتان سجدهما للثانية تحسبان للأولى؛ لأن الركعة الأولى قد صحّ فعْلها، وما فعَله في الثانية سهو لا يبطل الأولى. كما لو ذكَر قبل القراءة. وقد ذكَر أحمد هذا القول عن الشافعي، وقرّبه، وقال: هو أشبه -يعني: هو أرجح، يعني: من قول أصحاب أبي حنيفة. إلا أنه -أي: الإمام أحمد. اختار القول الذي حكاه عنه الأثرم.

وقال مالك: إن ترك سجدة فذكَرها قبل رفْع رأسه من ركوع الثانية، ألغى الأولى، ويصحِّح الركعة التي هو فيها، ويسجد لها السجود.

وقال الحسن، والنخعي، والأوزاعي: من نَسي سجدة ثم ذكَرها، سجدها في الصلاة متى ما ذكَرها، كما قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، فيمن نسي أربع سجدات يسجدها متوالية، وتكمل بها صلاته.

وقال الأوزاعي: يرجع إلى حيث كان من الصلاة وقت ذكْرها، فيمضي فيها. وقال أصحاب الرأي فيمن نسي أربعَ سجْدات من أربع ركعات ثم ذكَرها في التشهد: سجد في الحال أربع سجْدات، ثم يكمل تشهّده، وتمّت صلاته.

يقول ابن قدامة: لنا أن المزحومة في الجمعة، إذا زال الزحام والإمام راكع في الثانية، فإنه يتبعه ويسجد معه، ويكون السجود من الثانية دون الأولى؛ كذا ههنا -يعني: لا بد أن يكون السجود في مكانه وفي موضعه، وتكون هذه الركعة التي تمّ السجود فيها هي الركعة الأولى.

error: النص محمي !!