Top
Image Alt

مثال ترجيح الحديث لموافقته لعمل أهل المدينة

  /  مثال ترجيح الحديث لموافقته لعمل أهل المدينة

مثال ترجيح الحديث لموافقته لعمل أهل المدينة

إذا تعارض حديثان، وكان أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة، فإنه يرجح على معارضه، وبهذا قال جمهور الفقهاء خلافًا للحنابلة؛ لأن المدينة المنورة هي دار الحديث، ومستقر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وشاهد أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله.

وهذا لم يتيسر لغيرهم من أهل البلاد الأخرى، وأما الحنابلة فيقرر ابن عقيل الحنبلي مذهبهم، بقوله في (الواضح في أصول الفقه)، ما لفظه: “لا يرجح أحدهما بعمل أهل المدينة”، (الواضح في أصول الفقه)، الجزء الخامس الصحيفة الواحدة بعد المائة.

وهذا معناه: أن السادة الحنابلة إذا تعارض عندهم حديثان، وكان أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة بخلاف الثاني، فإن موافقة الحديث لعمل أهل المدينة لا يرجحه على معارضه، هذا هو الخلاف بين مذهب الحنابلة، وبين مذهب جمهور الفقهاء كما سبق شرحه.

وأضرب مثالًا لترجيح حديث على آخر، لموافقة الأول لعمل أهل المدينة: وهذا على مذهب جمهور الفقهاء خلافًا للسادة للحنابلة، وبالمثال كما يقولون يتضح المقال:

روى الإمامان البخاري والإمام مسلم في (صحيحيهما)، واللفظ للإمام مسلم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه، ولكن اليمين على المدعى عليه))، رواه البخاري في (صحيحه) كتاب التفسير سورة آل عمران.

باب{إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77]، الحديث الثاني والخمسون وخمسمائة بعد أربعة آلاف، وفيه قصة، الجزء الثامن الصحيفة الحادية والستون، ومسلم في (صحيحه) في أول كتاب الأقضية، الباب الأول اليمين على المدعى عليه، الحديث الأول الجزء الثالث الصحيفة الثالثة والثلاثون وثلاثمائة وألف.

دل هذا الحديث الشريف على أن المدعى عليه يحلف؛ ليبرأ مما ادعاه عليه المدعي، وأما المدعي فلا تقبل دعواه إلا بشاهدين؛ لأننا لو لم نطالبه بهذه البينة أعني شاهدين، لحصلت الفوضى في المجتمع الإسلامي، فيدعي من شاء ما شاء على من شاء، انظر (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) للإمام يحي بن شرف النووي -رحمه الله تعالى- الجزء الثاني عشر الصحيفة الثالثة.

فإذا لم يأت المدعي بشاهدين، وأراد أن يحلف اليمين على صدق دعواه، فمفهوم الحديث لا منطوقه، أن ذلك لا يجوز في حق المدعي، إنما اليمين من حق المدعى عليه خاصة.

وجاء حديث آخر يعارض مفهوم الحديث الأول، وهو ما رواه مسلم في (صحيحه)، في كتاب الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد، الحديث الثالث من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قضى بيمين وشاهد)).

الجزء الثالث، الصحيفة السابعة والثلاثون وثلاثمائة وألف، فمنطوق هذا الحديث يجيز للمدعي إذا لم يجد إلا شاهدًا واحدًا على دعواه، أن يحلف القاضي المدعي مع شاهده، فينزل اليمين منزلة الشاهد الثاني، ويحكم له على خصمه.

ورجح جمهور العلماء الحديث الثاني وهو القضاء بالشاهد واليمين؛ لأنه عمل أهل المدينة المنورة، الذي يعضد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قضى بيمين وشاهد))، وقد رواه أكثر من عشرين صحابيًّا.

أضف إلى ذلك وجهًا آخر من وجوه الترجيح، وهو إذا تعارض مفهوم حديث مع منطوق حديث آخر قدم المنطوق؛ لأنه أقوى من مفهوم المخالفة، وههنا دل مفهم حديث: ((ولكن اليمين على المدعى عليه))، على عدم جواز اليمين لغير المدعى عليه، ودل منطوق حديث: ((قضى بيمين وشاهد))، على جواز اليمين للمدعي، فيقدم الحديث الثاني؛ لأنه منطوق، والمنطوق يقدم على المفهوم، ويؤيده ويعضده ويقويه أنه الذي عليه العمل عند أهل المدينة المنورة.

قال الإمام مالك في باب القضاء باليمين مع الشاهد، من كتاب الأقضية في (موطئه) الشهير، ما نصه: “مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد”، وعندما يقول الإمام مالك -رحمه الله-: مضت السنة، فيعني العمل المتوارث من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمانه ووقته.

يقول -رحمه الله: “مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، يحلف صاحب الحق مع شاهده ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف أحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه”.

قال مالك: “وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ولا يقع ذلك في شيء من الحدود، ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة ولا في فرية”. انتهى كلام الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- في كتاب (الموطأ) الجزء الثاني الصحيفة الثانية والعشرون وسبعمائة.

error: النص محمي !!