Top
Image Alt

مجالات العقل في تقدير المصالح، وعلاقة المقاصد بالمصالح

  /  مجالات العقل في تقدير المصالح، وعلاقة المقاصد بالمصالح

مجالات العقل في تقدير المصالح، وعلاقة المقاصد بالمصالح

1. تقدير المصالح المتغيرة والمتعارضة: التقدير العقلي للمصالح والمفاسد المتغيرة: المقصود بها: ما هو معلوم ومسلَّم من أن كثيرًا من المصالح تتغير بتغير الأزمان وتغير الأحوال، وهذا التغير من شأنه أن يؤثر تأثيرًا ما على الأحكام الشرعية التي نيطت -أي: علقت- بتلك المصالح، وههنا لا بد للمجتهد من اليقظة والبصيرة والنظر العميق؛ حتى يميِّزَ ما هي المصالح والمفاسد التي تغيَّرت أوضاعها وآثارها تغيرًا حقيقيَّا، وهل ذلك التغير يستدعي مراجعة أحكامها، ويقتضي تعديلها؟ وإلى أي حدّ ينبغي أن يصل ذلك التعديل؟ ولا شك أن هذا مرتقى صعب، ولكن لا مفرَّ منه للعلماء وإلا ضاعت مقاصد الشريعة. ومن أبرز ما يحتاج إلى النظر والتقدير المتجدد جانبان من جوانب الحياة، أحدهما في حفظ المصالح، وهو جانب المعاملات المبنية على الأعراف، والثاني في درء المفاسد، وهو باب التعاذير. ولقد كتب في هذا الموضوع عدد من العلماء قديمًا وحديثًا، ومنهم على سبيل المثال، الإمام القرافي، والإمام ابن قيم الجوزية، في عدد من كتبه، كما أن عددًا من المؤلفات الحديثة قد تعرَّضت لهذا الموضوع وعالجت كثيرًا من جوانبه، وفي مقدمتها البحوث المتعلقة بالمصلحة، مثل (تعليل الأحكام) للدكتور محمد مصطفى شلبي، و(نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي) للدكتور حسين حامد حسان، كما أن الدكتور يوسف القرضاوي قد تناول الموضوع في عدد من مؤلفاته ومقالاته. التقدير العقلي للمصالح والمفاسد المتعارضة: فالمقصود بها الترجيح بين المصالح والمفاسد عند تعارضها أمام المكلف، أو أمام المجتهد والمفتي أو غيرهم، وغير خافٍ على أحد ما بين المصالح والمفاسد من اختلاط وتشابك لا حدَّ لهما، فما من مصلحة أو مفسدة إلا وتزاحمها وتتعارض معها مصالح ومفاسد كثيرة، ولا شكَّ أن كثيرًا من الحالات يكون الأمر فيها واضحًا والترجيح فيها سهلًا يسيرًا، إما بمقتضى النصوص، وإما بمقتضى التقدير العقلي، وقد وضع العلماء عددًا من القواعد التي تساعد على الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة: ‌أ. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ‌ب. تفوت أدنى المصلحتين لحفظ أعلاهما. ‌ج. المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة. ‌د. الضرر الأشد يزال بالضر الأخف. ‌ه. الضرر لا يزال بمثله. ‌و. يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ‌ز. الضرورات تبيح المحظورات. ‌ح. الضرورات تقدر بقدرها. إلى غير ذلك من القواعد. وبالتأمل في هذه المجالات ومدى حاجتها إلى إعمال العقل وإيقاد الفكر، يتضح لنا جليًّا أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يفسح للعقل البشري وللاجتهادات البشرية مجالات رحبة للعمل، والنضج، والترقي. ومن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية تزكية الإنسان، فهو مقصد ثابت نصًّا واستقراء، فقد علَّل القرآن الكريم البعثة النبوية بتزكية الناس، وبهذا اللفظ نفسه أربع مرات هي في قوله تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكّيكُمْ} [البقرة: 151]، وأيضًا في قوله عز وجل: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ} [البقرة: 129]، وفي قوله عز وجل: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ} [الجمعة: 2]، وأرى -والله أعلم- أن من تزكية الإنسان تزكية عقله، بتنميته وترشيده وتشغيله، وهذا ما فعله الشرع، حيث عمل على تحريك العقول وإطلاقها من قيودها، ورفع عنها ما كان يعطلها من أوهام وخرافات، وطعمها بقيمه وأحكامه، ثم ترك لها المجال واسعًا لتعمل وتتزكى. 2. علاقة المقاصد بالمصالح: أولًا: المصالح ضرورية لتحقيق مقاصد الشريعة: إذا كانت مسألة التعليل هي الركن الأول للمقاصد الشرعية عند ابن تيمية -رحمه الله- فإن المصالح هي الركن الثاني عنده، فهي عماد المقاصد، وما سواهما إنما هو مكمل ومتمم للمقاصد، ثم إن مقاصد الشريعة والمصالح والمفاسد صنوان وتوأمان لا ينفصمان؛ إذ جلب المصالح حفظ للمقاصد من جانب الوجود، ودرء المفاسد حفظ للمقاصد من جانب العدم، وقد أكثر ابن تيمية -رحمه الله- من ذكر أهمية المصالح وضرورتها لتحقيق المقاصد الشرعية، وأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وقد ربط العلماء بين المصالح والمقاصد بشكل وثيق، وأن مقاصد الشارع تتمثل إجمالًا في جلب المصالح ودرء المفاسد في الدارين، فجلب المصالح يمثل حفظ ورعاية مقاصد الشريعة من جانب الوجود، فالمصالح ضرورية حتى تتحصل مقاصد الشريعة. ثانيًا: رعاية المقاصد شرط في اعتبار المصالح: فالمصلحة لا تكون مصلحة حقيقية إلا إذا تحقَّقت معها مقاصد الشريعة، فقد يظهر للمرء أن هذا الأمر فيه الخير والمنفعة والمصلحة، لكنه لا يحقق مقاصد الشارع، فهذه المصلحة وهمية، فلا بد أن تكون المقاصد ورعايتها والجري على سُننها وعدم مناقضتها، عنصرًا رئيسيًّا وشرطًا مهمًا في اعتبار المصالح، فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحتها، وإن كان الغرض مباحًا؛ فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحة، والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع، فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًّا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، فلا بد من الرجوع إلى الشرع، ووزن الأعمال بميزانه. ثالثًا: إهمال المصالح هدر للمقاصد وجلب للمشقة: إن جلب المصالح الحقيقية الموزونة بميزان الشرع، والمحققة لمقاصد الشارع، لتعطي دفعًا قويًّا لحب هذه الشريعة وإبراز فضائلها وسر خلودها، بل وترغيب الناس فيها والالتزام بقوانينها وشرائعها، وفي المقابل فإن إهمال المصالح الحقيقية الموزونة بميزان الشرع هدر لمقاصد الشريعة وتهديم لأخلاقياتها، ونقض لمراد الشارع، وتنفير لعباد الله، وإظهار قصور الشريعة وسذاجتها، وعدم الالتزام بتعاليمها، فهي بهذه الصفات تجلب المشقة، والحرج، فتظهر وكأنها غير ملائمة لتلبية مصالح الناس وحاجاتهم، فكيف بإهمال المصالح والشريعة كلها، وكل مقاصدها هو تحقيق المصالح للناس في الدارين. ومما هو معلوم من الدين بالضرورة أن شريعة الإسلام جاءت شريعة عامة داعية جميع البشر إلى اتباعها؛ لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها -لا محالة- سائر الأقطار وفي سائر أزمنة العالم، والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة؛ حيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي، يقول الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ} [سبأ: 28]، ويقول: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]، وفي الحديث الصحيح: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي… فعد منها، وكان الرسول يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))، فالشريعة الإسلامية عامة. واختار الله تعالى للإرسال بهذه الشريعة رسولًا من الأمة العربية، إذ هو واحد من البشر، كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤْمِنُوَاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىَ إِلاّ أَن قَالُوَاْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رّسُولاً}(94) {قُل لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السّمَآءِ مَلَكاً رّسُولاً} [الإسراء: 94: 95]، وقال تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} بيد أنا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان عربيًّا كان بحكم الضرورة يتكلم بلسان العرب؛ فلزم أن يكون المتلقون منه الشريعة عربًا، فالعرب هم حملة الشريعة الإسلامية إلى سائر المخاطبين بها، وهم من جملتهم، واختارهم الله لهذه الأمانة؛ لأنهم يومئذ امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم وتلك هي: جودة الأذهان، وقوة الحفظ، وبساطة الحضارة، والتشريع والبعد عن الاختلاط بالأمم. ومن أعظم ما يقتضيه عموم الشريعة أن تكون أحكامها سواء لسائر الأمم المتبعين لها بقدر الاستطاعة؛ لأن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عون على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة.  

error: النص محمي !!