Top
Image Alt

مجالات علم اللغة الجغرافي، وأهميته

  /  مجالات علم اللغة الجغرافي، وأهميته

مجالات علم اللغة الجغرافي، وأهميته

إن استخدام المنهج الجغرافي في دراسات علم اللغة، يقف بنا على أبواب ومجالات وموضوعات، وقضايا هذا العلم اللغوي الجغرافي، إنه يُحدد اللغات الرئيسة في العالم، وأعني بهذه اللغات، اللغات المستعملة اليوم على الأقل، ويُحدد البيئة الجغرافية لكل لغة، دون التقيد بالحدود السياسية، كما يحدد نوعية المتكلمين بكل لغة على حدى، كما يبين عدد المتكلمين باللغة الواحدة عن طريق الإحصاءات السكانية الدقيقة، كما يُبين القيمة السياسية والاقتصادية، والثقافية للمتكلمين، كما يُوصف المعالم الجغرافية العامة لكل بيئة لغوية، ويوصف أيضًا الفواصل الجغرافية بين البيئات اللغوية المتجاورة والمتباعدة.

إنه يأخذ على عاتقه إنجاز الإحصاءات العديدة والمتنوعة، بناء على العوامل المرتبطة بالبيئة اللغوية، مثل: القراءة والكتابة، والتعلم والأمية، وطبقات المجتمع، والثقافة والدين، والخلفية التاريخية، وغيرها، إنه يربط بين الخصائص العامة للغة، وبين السمات الجغرافية للبيئة التي يعيش الناطقون فيها، فالناطقون الذين يعيشون في المناطق الجبلية والصحراوية تختلف لغتهم اختلافًا يقلُّ أو يكثر عن الناطقين الذين يعيشون على شواطئ البحار والأنهار، والذين يعيشون في الشمال يختلفون عن الذين يعيشون في الجنوب، والذين يعيشون في الجنوب وفي المناطق الحارة، يختلفون أيضا عن الذين يعيشون في المناطق الباردة أو المعتدلة.

إن علم اللغة الجغرافي حين يدرس هذه القضية، فإنه يكشف لنا عن أهم العوامل المؤثرة في حياة اللغة، والمسئولة عن كل ما يُصيب اللغة من تغيير أو تطوير عبر القرون والأزمان، ولا تنسَ أن اللغة العربية، كانت ضمن مجموعة من اللغات، يعيش أصحابها في بيئة واحدة، هي الجزيرة العربية في أرجح الآراء، ويتكلمون لغة واحدة هي اللغة السامية الأم.

ولما توزَّع هؤلاء الساميون شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وحدثت الهجرات السامية، اختلفت هذه اللغات اختلافًا، تفرعت بسببه هذه اللغة الأم إلى لهجات، ثم تحولت هذه اللهجات مع الزمن إلى لغات.

فانشعبت الآكدية والبابلية، والآشورية، والكنعانية، والفينيقية، والعبرية، والآرامية، والسريانية، والكلدانية، والحبشية، والعربية من اللغة السامية الأم، وعلى أساس هذا العامل الجغرافي انقسمت العربية أيضًا قديمًا إلى شمالية وجنوبية.

كما نشأت عنها لهجات عربية قديمة، كلهجة تميم والحجاز وقيس وطي وهذيل وغيرها، ونشأت عنها كذلك اللهجات العربية الحديثة، ولولا أن العربية تستمد بقاءها واستمرارها من القرآن الكريم؛ لبلغ بها التطور كل مبلغ.

إن استخدام المنهج الجغرافي في دراسة اللغة العربية يُعدُّ من أنجح الوسائل في الرجوع باللهجات العربية إلى الفصحى، وإلى القضاء على الثنائية اللغوية في الوطن العربي.

إن علم اللغة الجغرافي كما يهتم بتوزيع اللغات البشرية المستخدمة اليوم على خريطة العالم، ويكشف النقاب عن كل لغة، من حيث بيئتها، والناطقون بها، وعدد المتكلمين بها، ومستواهم الاجتماعي والثقافي، والاقتصادي والسياسي، فإنه يضع أيضًا في اعتباره تطور اللغة وتفرعها إلى لهجات، وعلاقة كل لهجة بغيرها من لهجات اللغة الواحدة.

ولغتنا العربية في حاجة ماسة إلى تطبيق علم اللغة الجغرافي بأسسه، ومبادئه ومعطياته على دراساتنا اللغوية، للكشف عن أبعاد العلاقة بين العربية والفصحى، وبيئاتها الجغرافية المتنوعة، وعن حجم هذه العلاقة وآثارها ونتائجها، إلى غير ذلك، إنه يستعين في الكشف عن التوزيع الجغرافي.

وعن علاقة اللغة بالبيئة والمتكلمين بها، ومستواهم، يستخدم من أجل ذلك الإحصاءات السكانية المتنوعة، كما يستخدم الأطالس اللغوية، حتى يتمكن من تحديد المواقع الجغرافية للغة.

وهذا الأمر يجعلنا نقف أمام ما يسمى بظاهرة الجوار اللغوي، وما ينتج عنها من ظواهر لغوية، كالاقتراض، والتعريب، والدخيل، ثم ما يحدث بسببه غالبًا من صراع لغوي، لا يقل في قوته وحدته أحيانًا، عن الصراعين السياسي والحربي.

 إن العلاقة قوية بين البيئة الجغرافية واللغة، والخصائص الجغرافية ترتبط وتتلازم مع الخصائص اللغوية، وتاريخ اللغات البشرية ينطق بهذا على مختلف العصور والأزمان، فالمهمة الملقاة على عاتق علم اللغة الجغرافي، والدور الذي يتوفَّر على أدائه هذا العلم في الميدان اللغوي، أمر مهم، وذو شعب متعددة.

فإذا كانت مهمة علمي اللغة الجغرافي والتاريخي ترتبط بماضي اللغات وتاريخها؛ فإن مهمة علم اللغة الجغرافي ترتبط بحاضر اللغات وواقعها، وهذه القضية لم يتوفر عليها أي فرع من فروع العلم الأخرى، عدا علم اللغة الجغرافي.

لذا فإن أول وظيفة يقوم بها علم اللغة الجغرافي، هي دراسة لغات العالم اليوم، ومن الوظائف العلمية لعلم اللغة الجغرافي أيضًا إعداد جيل من العلماء والباحثين في ميدان علم اللغة الجغرافي، المزودين بالخبرة والدربة، والذين يتوفرون على رعاية هذا التخصص اللغوي، وعلى مراقبة التطورات السريعة التي تحدث في هذا الميدان.

من هنا تكمن أهمية هذا العلم، كما تكمن أهميته بالنظر إلى وظائفه الأخرى، مثل: إعداد الدراسات الإحصائية، تلك الإحصاءات التي تُبين عدد السكان الذين يتكلمون اللغة المعينة أو اللهجة المعينة، وهذا يفيد في بيان مدى التقدم أو التأخر، الذي يصيب اللغة بالنسبة لأصحابها.

كما يقوم بإحصاءات الأمية والتعلم، فمعرفة نسبة القراءة والكتابة أمر مهم في حياة اللغة وحياة أصحابها، إنها تكشف عن الوسيلة التي يمكن بها الوصول مع أصحاب اللغة إلى تحقيق أهداف أو غايات معينة، هذه الإحصاءات تساعد في كل ذلك، ومن ثم في الحملات التي توجهها الدول اليوم لمحو الأمية.

كما تفيد الإحصاءات في معرفة ثقافة السكان، إن الإنتاج الثقافي يتمثل في الكتب المطبوعة، والمؤلفات المكتوبة والصحف، والمجلات وغيرها، والإحصاءات التي تقام على ما يوزع من هذه المطبوعات يوضح الصورة اللغوية أمام عالم اللغة الجغرافي، وتمده هذه الإحصاءات بمعلومات عنه.

وبإزاء هذا فإن إقبال الناس، على المادة المسموعة والمرئية، في المذياع والتلفاز والأفلام الناطقة بصورة أكبر من إقبالهم على المادة المكتوبة والمقروءة، يفيد أيضًا في توضيح الصورة اللغوية أمام عالم اللغة الجغرافي، والإحصاءات السكانية مفيدة من أجل تحديد العوامل المتعددة، التي ترتبط باللغة وتؤثر فيها، مثل العامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وغيره.

والإحصاءات اللغوية المتصلة بتوزيع الخصائص اللغوية، للغة المدروسة أو اللهجة المدروسة على الخريطة اللغوية، والمتصلة بتوصيف كل لغة من اللغات أمر مهم، فهذه الإحصاءات اللغوية تتصل بتحديد المناطق، سواء كانت أحادية اللغة أو ثنائية أو متعددة، فتحديد من يتكلمون في داخل البيئة الواحدة لغة واحدة، ومن يتكلمون لغتين ومن يتكلمون ثلاث لغات، مسئولية عالم اللغة الجغرافي.

وهكذا يقوم علم اللغة الجغرافي، بهذه المهام والوظائف الهائلة، من الإحصاءات السكانية واللغوية، ومن هنا تكمن أهمية هذه العلم، حينما يقوم بهذه المهمة؛ لأن هذه الإحصاءات تمهد الطريق لقيام دراسات تربوية وتعليمية، ولغوية، وثقافية، وسياسية، ودينية، واجتماعية وغيره.

ومن وظائف علم اللغة الجغرافي، أنه يقوم بهدف تحسين الوضع اللغوي، وقد يدفع هذا التحسين إلى إحلال لغة محل أخرى، وهذا يتطلب القيام بأعباء لغوية عديدة، كالإحصاءات التي ذكرناها آنفا، وهي التي ترشح استعمال لغات في مناطق مختلفة من العالم على أنها لغات بديلة للغة الأصلية، فاللغة الإنجليزية مثلًا تصلح لأن تكون لغة بديلة في جميع البلدان، التي كانت في وقت ما خاضعة للنفوذ الإنجليزي، وكذلك الأمر بالنسبة للغة الفرنسية، فإنها تصلح أن تكون لغة مساعدة أو بديلة في المناطق الواسعة، التي تغطي غرب وشمال أفريقيا، وجنوب وشرق أسيا، وكذا الحال بالنسبة للغة الهولندية في إندونيسيا.

هذه الوظيفة يمكن لعلم اللغة الجغرافي أن يقوم بها بالنسبة للغتنا العربية، فتصبح لغة بديلة أو مساعدة، في جميع البلدان التي فتحها الإسلام، وقطعت شوطًا كبيرًا من حياتها ومن عمرها في الإسلام، وكانت في يوم ما جزءًا من الدولة الإسلامية، وذلك مثل أسبانيا والبرتغال، وما يسمى بالأندلس المفقود، ومناطق كثيرة مما يخضع الآن لروسيا، كل هذا يصلح لأن تطبق فيه اللغة العربية لغة بديلة أو مساعدة.

ومثل ذلك أيضًا جميع البلدان المسلمة، سواء أكانت تمثل استقلالًا سياسيًّا وإداريًّا، كباكستان وأفغانستان وأندونيسيا، أو تمثل جزءا مسلمًا داخل دولة غير مسلمة، كالمسلمين في ألمانيا وفي روسيا وفي أمريكا وغيرهم.

فهؤلاء المسلمون الذين يتكلمون لغة وطنية أو أهلية غير اللغة العربية، من الممكن أن يتم إحلال اللغة العربية، لغة دينهم الحنيف، محل لغتهم الأهلية، أو تكون لغة مساعدة لهم، وذلك من أجل مصالحهم ومنافعهم، ومن أجل تحقيق الخير لهم، ولا يخفى أن هذه العملية، تحتاج إلى جهد كبير وإلى وقت طويل؛ لأن تغيير العادات النطقية والخصائص الكلامية، لجميع سكان المنطقة الواحدة أو للنخبة المثقفة منهم، يستغرق زمنًا طويلًا تحت برامج لغوية مكثفة.

انظر على سبيل المثال إلى الجزائر، إنها تمارس عملية التعريب منذ استقلالها حتى الآن، وما زالت تحتاج إلى الجهود المتواصلة، حتى تتم هذه العملية، وإن كان قد نجحت حتى الآن نجاحًا ملحوظًا، كذلك ما نشاهده في جنوب السودان من القيام بعملية التعريب، مما يتطلب جهدًا مضنيًا وشاقًّا، وهكذا في بقية البلدان العربية والإسلامية، كل هذه الأمور تشير إلى أهمية علم اللغة الجغرافي.

فقضية التعرف اللغوي والوقوف على أنظمة الكتابة من بين وظائف علم اللغة الجغرافي؛ حيث إنه لا يمكن التوصل إلى أهداف هذا العلم وغاياته، إلا إذا حصل معرفة دقيقة بالأنظمة الكتابية للغات المدروسة، مما هو مشهور اليوم بين العلماء باسم التعرف اللغوي، فإذا أردنا أن نرصد حركة التطور اللغوي، والتغيير الذي طرأ على لغة ما، فإننا نضع بين أيدينا اللغة المكتوبة والمدونة في طرف، والمنطوقة في طرف آخر، ثم نأخذ في المقارنة اللغوية ظاهرة ظاهرة، حتى نأتي على جميع الوظائف اللغوية. وتقوم هذه المقارنة على أساس توصيف الظاهرة المعينة في اللغة المكتوبة، ثم توصيفها كذلك في اللغة المنطوقة توصيفًا دقيقًا بالمناهج العلمية الدقيقة، ومن خلال المقارنة بين الصورتين أو التوصيفين، نضع أيدينا على الفوارق اللغوية، هذه الفوارق هي التي تمثل التطور، أو التغيير الذي أصاب الظاهرة، وهكذا تنبع أهمية هذا العلم من خلال هذه القضايا والمجالات والموضوعات المتنوعة.

error: النص محمي !!