Top
Image Alt

مدخل البديع في الإعجاز القرآني

  /  مدخل البديع في الإعجاز القرآني

مدخل البديع في الإعجاز القرآني

نجد أن فنون البديع لا تقل شيئًا في إظهار روعة القرآن وسر فصاحته وبلاغته عن مسائل علمي المعاني والبيان، وأن ألوان البديع يستدل بها على إعجاز القرآن الكريم، كما يستدل على إعجازه بمسائل التقديم والتأخير والحذف والتشبيه والاستعارة، وما إلى ذلك من مسائل العلمَين المعاني والبيان.

ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك؛ ليتضح لنا مدى أهمية البديع في فهم كلام الله عز وجل وفي الطباق مثلًا في قوله تعالى: {قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] تجد الآية قابلت بيت: {تُؤْتِي}، و{وَتَنزِعُ} وبين: {وَتُعِزّ}، و {وَتُذِلّ}، وإذا عرفنا أن الغرض من الآية هو تصوير القدرة في أوسع معانيها وبيان السلطان في أشمل مظاهره وأكملها، فإننا ندرك أن هذا الغرض لا يتم إلا بالجمع بين الضدين والحكم بأنه يقدر سبحانه على الأمرين معًا: الإيتاء أو ما في معناه، والنزع أو ما في معناه. وكذلك الإعزاز والإذلال بشتى وجوههما.

ولما كان مقياس الذاتية والعرضية عند المتأخرين من علماء البلاغة وعدم استقامة الأغراض بفقدان الأول واستقامتها بفقدان الثاني، كان جديرًا بنا أن نعرض الطباق على هذا المقياس ونجعله حُكمًا فيه؛ لأنك إذا طبّقت هذا على مثل تلك الآية الكريمة من أساليب، اقتنعتَ أن ذكرى المقابل لا محيص عنه في صياغة مثل هذا الغرض؛ إذ قد يقدر شخص على الإيتاء ولكنه لا يقدر على النزع، ويستطيع إنسان أن يعز ولكنه قد يعجز عن الإذلال، ومع هذا لا تضن عليه بوصفه بالقدرة، ولكن المضنون به عليه هو الحكم له بالقدرة التامة والسلطان الشامل، فتلك هي التي تستحوذ على الأمرين وتتعلق بالضدين، وهذا كافٍ في إثبات التحسين الذاتي لأساليب الطباق، وعلى غراره تجري أساليب المقابلات.

ولو نظرنا إلى أساليب مراعاة النظير مثلًا في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] تجد هذا الآية جمعت بين الشمس والقمر، وهما متناسبان بتقارنهما في الخيال؛ ولكونهما كوكبين سماويين يبددان ظلام الكون، وإذا كان الغرض من هذا الجمع هو الحكم عليهما بأنهما يجريان في بروجهما بحسبان معلوم المقدار لا يزيدان عليه ولا ينقصان عنه، وبذلك نظام الكائنات واختلاف الفصول والأوقات وحساب الشهور والسنين، كان ذلك الصنيع أخصر الطرق في أداء هذا الغرض، وإيصاله إلى النفوس، نعم، يمكن أن يقال في غير القرآن: الشمس بحسبان والقمر بحسبان، فيكون لغوًا من القول وباطلًا من التأليف؛ لأنه إطناب لا داعي له ولا غرض يستدعيه، فأساليب مراعاة النظير التي عمادها جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد مما تقتضيها الأحوال إذن وتستدعيها الأغراض.

وكما لو تأملنا أسلوب الإرصاد في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].

فغرض الآية -والله أعلم- نفي أن يكون من الله ظلم للعباد، وإثبات ظلمهم لأنفسهم، وطبيعة الأسلوب الذي يؤدَّى به مثل هذا الغرض أن يدل أوله على آخره وسابقه على لاحقه، ولذلك يقول السبكي: لو وقف القارئ على أنفسهم لفهم أن بعده يظلم، وروي أنه لما بلغت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: {ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 14] قال عبد الله بن أبي سرح: {فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كذلك أنزلت)). فإذا كان الغرض متعلقًا بمثل هذا كان ما أطلقوا عليه اسم الإرصاد عائدًا على الأسلوب بالتحسين الذاتي؛ لأنه مما يقتضيه المقام.

والأمثلة القرآنية المشتملة على ألوان البديع أكثر من أن يتسع لها هذا المقام، هي كثيرة ومبثوثة في أساليب القرآن وآياته، وكلها تشهد بأن حسنها ذاتي، داخل في صميم البلاغة، ودال على عظمة القرآن وإعجازه.

وقد أكد الدكتور محمد أبو موسى في كتابه (البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري) أكد على أن البلاغة القرآنية يتساوى فيها ألوان البديع وفنون المعاني والبيان، فبلاغة القرآن المعجزة تحيط بكل هذه الألوان والفنون، وذلك في قوله عن ألوان البديع في تفسير الزمخشري: عرَض الزمخشري للمشاكلة وللطباق وللجناس وللمزاوجة وللتقسيم، وغير ذلك، مما جعله المتأخرون من علم البديع، كما عرض لفنون البيان والمعاني، ولا أجد من كلامه ما يدل على أن الألوان التي جعلها المتأخرون من علم البديع دون غيرها من فنون البيان والمعاني، من حيث أثرها في قوة الكلام وبلاغته، وقد نظرتُ في كتابه كله ووقفت عند كل لون ذكره -يعني: الزمخشري- من هذه الألوان، فوجدته يشير إلى بلاغتها، وإلى أنها فن من كلامه البديع، وطراز عجيب، وأنها من مستغرب فنون البلاغة، ثم يشيد ببلاغة القرآن المعجزة التي تحيط بكل هذا الفنون، وتوجد فيها على أحسن صورة، وأقوم منهج.

يقول -يعني: الزمخشري- في المشاكلة: ولله در التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها لا تكاد تستغرب منه فنًّا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه. ويقول في نوع من أنواع اللف: إنه لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النّقاب المحدث من علماء البيان. ويذكر -أي: الزمخشري- إعجاب شريح القاضي ببلاغة الشاهد الذي راعى على المشاكلة حين قال له شريح: إنك لسبط الشهادة، فقال الرجل: إنها لم تجعّد عني، فقال له شريح: لله درك وقَبِلَ شهادته، ثم هو يبسط هذه الألوان -أي: الزمخشري- ويحللها ويشرح أسلوبها، وما تنطوي عليه من أسرار ونكت، وهذه طريقته في دراسة فنون البيان والمعاني. انتهى من كلام الشيخ أبي موسى.

وقد صرح العلامة صفي الدين الحلي بأن محاسن البديع يُعرف بها كما يعرف بغيرها من ألوان المعاني والبيان ومسائلهما؛ يعرف بها وجه إعجاز القرآن الكريم، وذلك في قوله: لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم ومعرفة حقائقه إلا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن، وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل والبرهان.

مما سبق يتضح لنا إذن -بما لا يدع مجالًا للشك- أن علم البديع لا يقل منزلةً وشأنًا عن العلمين الآخرين “المعاني والبيان”، فإن مدخله في بلاغة الكلام وقوته وإعجاز القرآن الكريم وسرّ عظمته، جعل له من الفضل والمزية ما لهما، وقد ذهب البعض إلى أن البديع كان اسمًا لكل فنون البلاغة من عناصر الجمال التي تميز الأدب من غيره، وهذا إمام البلاغيين الإمام عبد القاهر الجرجاني لا يرى البديع إلا وصفًا للبلاغة بمعناها العام، فنراه يقول: وأما التطبيق والاستعارة وسائر أنواع البديع فلا شبهةَ أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصةً، والاستعارة عنده كالطباق، وسائر ما يحسّن الكلام ويجعل له أثرًا في النفوس ومدخلًا في بلاغته كلها، يطلق عليه اسم البديع، وإذا كان من فرق بين مسائل البديع ومسائل كل من المعاني والبيان، فمن حيث طبيعة هذه الألوان وتلك، فإن ألوان البديع لا ارتباط بينها، فلا تعلق للون منها بالآخر، وعلى عكس ذلك مسائل المعاني والبيان التي نجدها مترابطة متشابكة يتعلق بعضها بالبعض الآخر.

يقول الدكتور أبو موسى: لا تحتاج ألوان البديع إلى ما تحتاج إليه فنون البيان من الدراسة والتحليل، فكل لون منها مستقلّ عن صاحبه، فدراسة الجناس غير مرتبطة بدراسة الطباق، ودراسة المشاكلة غير مرتبطة بدراسة السجع، فليس فنّ منها مبنيًّا على فن، وليس فن منها قسيمًا لفن، وذلك بخلاف ألوان البيان التي نجدها متشابكةً، فالاستعارة مبنية على التشبيه؛ فالتمثيل قِسمٌ من التشبيه، والمجاز منه مجاز في الكلمة، ومنه مجاز في الحكم، والمجاز في الكلمة ينقسم إلى مجاز مرسل واستعارة، والكناية أخت للمجاز، وغير ذلك من الروابط التي بين هذه الفنون التي يتفرع بعضها عن بعض، ويستلزم بعضها بعضًا.

لذلك كانت مباحث البيان كأنها مبحث واحد، وكانت مباحث البديع كأنها مباحث متفرقة، ومما تجدر الإشارة إليه أن التفرق وعدم الترابط بين ألوان البديع كان سببًا في نُضج هذه الألوان واكتمالها قبل أن تنضج مسائل المعاني والبيان وتكتمل؛ وذلك لأن مسائل العلمين -المعاني والبيان- نظرًا للترابط القائم بينهما بحاجة إلى نضجٍ عقلي، ومستوًى من الذوق لم يكن ليتهيئا في وقت مبكر، ولم يتهيأ ذلك النضج العقلي والذوقي إلا في منتصف القرن الخامس الهجري على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني، بينما كانت مباحث البديع وفنونه قد اكتملت قبل بداية القرن الخامس؛ ولذلك فإن عبد القاهر لم يشغل نفسه بهذه الألوان كما شغل نفسه بدراسة مسائل النظم وألوان البيان.

بالنسبة لأقسام المحسنات البديعية نرى أن العلوي -صاحب (الطراز)- قسم ألوان البديع ومحسناته إلى ثلاثة أدوار:

الأول: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى الفصاحة اللفظية، ومنه ما يرد في المنظوم والمنثور كالتجنيس والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، وغير ذلك من أصناف البديع، ومنه ما كان مختصًّا بالمنظوم كالتصريع، فإنه مخصوص بالقوافي لا يرد إلا فيه، وضابط هذا الضرب عند أن كل ما كان متعلقه راجعًا إلى الألفاظ، فهو بفصاحة الألفاظ أشبه.

الثاني: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى الفصاحة المعنوية كالتفويف والتوشيع، وغير ذلك من الأصناف المتعلقة بعلوم البلاغة، وضابط هذا الضرب أن كل ما كان متعلقًا بالمعاني، فهو من باب الفصاحة المعنوية.

الثالث: ما كان التحسين فيه بمعزل عن الفصاحة اللفظية والفصاحة المعنوية على الخصوص، ولكنه ينزل منزلة التتمة والتكملة لهما، ويكون تحسين اللوم وتزيينًا لمواقعهما، وذكر منها (الكمال) و(الاستيعاب) و(الإيضاح) وغيرها، وواضح من تقسيم صاحب (الطراز) أن القسم الثاني الذي ذكره لا جدوى له؛ لأن الأصناف التي أدخلها في هذا القسم بعضها مما يتصل بتحسين المعاني وبعضها مما يتصل بتحسين الألفاظ. ولذا فإن جمهور البلاغيين يقسّمون هذه المحسنات إلى قسمين:

أحدهما: محسنات معنوية: وهي التي يكون التحسين فيها راجعًا إلى المعنى أولًا وبالذات، كالطباق والمقابلة وحسن التعليل وغيرها، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضًا، لكن تحسينه للفظ لا يكون أصلًا في التحسين بل يأتي ثانيًا وبالعرض، وذلك كالمشاكلة التي هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كما مر في قول الأنطاكي:

قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه

*قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا

قد عبر عن عن الخياطة بالطبخ وقوعها في صحبته، فاللفظ حسنٌ لما فيه من إيهام المجانسة اللفظية؛ لأن المعنى مختلف واللفظ متفق، لكن الغرض الأصلي جعل الخياطة كطبخ المطبوخ في اقتراحها لوقوعها في صحبته، وكما في العكس في قولهم: عادات السادات سادات العادات، فإن في اللفظ شبه الجناس اللفظي لاختلاف المعنى، ففيه التحسين اللفظي والغرض الأصلي والإخبار بعكس الإضافة مع وجود الصحة، وضابط هذا النوع من المحسنات أنك لو غيّرت بعضَ الألفاظ الدالة عليه والمؤدية له بما يرادفه، لا يتخلف التحسين، فلو قلت في قول الشاعر:

وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا

*نجوم العوالي في سماء عجاج

حيث طابق بين أطفئوا وأوقدوا، ولو قلت: وأضاءوا أو أشعلوا، فإن التطابق لا يزال باقيًا والمحسن ما زال موجودًا.

ثانيهما: محسنات لفظية: وهي التي يكون التحسين فيها راجعا إلى اللفظ وبالذات، وإن حسنت المعنى تبعًا وثانيًا كالجناس في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55] فالساعة الأولى يوم القيامة والساعة الثانية واحدة الساعات الزمنية، فالتحسين كما ترى للفظ وإن كان له مدخل في حسن المعنى وجماله، وضابط هذا النوع أنك لو غيرت اللفظ بما يرادفه ذهب التحسين واختفى المحسِّن فلو قلت في قول الشاعر:

عضنا الدهر بنابه

*ليت ما حل بنا به

لو قلت: ليت ما أصابنا أصابه، لذهب الجناس واختفى التحسين.

وعلى ما هو معلوم فإن التسليم بهذه الأقسام منوط ومرتبط بألا يقلل بعضها من شأن بعض؛ لأن ما يكون متعلقًا باللفظ بالذات قد يظن فيه العرضية، وعلى أي حال فسوف نعرض لبعض هذه المحسنات، متوخين السهولة والوضوح، والإكثار من الشواهد؛ قصدَ الكشف والتوضيح لهذه الألوان.

لكن قبل ذلك نود أن نبين أن خلاصة ما سبق: أن منزلة البديع في مجال الدراسات الإسلامية والتعرف على أسرار القرآن ودلائل إعجازه، لا تقل شأنًا عن منزلة أخويها المعاني والبيان، بل ولا عن غيرها من سائر العلوم العربية والدينية، وأن القول بغير ذلك أو بجعلها تابعةً لأخويها أو ذيلًا لهما أو بجعل حسنهما عرضًا لا ذاتًا، كلامٌ ينقصه الدقة، ولا يتفق مع النظرة العلمية للأمور، وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك ما به تقام الحجة.

error: النص محمي !!