Top
Image Alt

مدرسة الديوان، وسبب تسميتها بذلك

  /  مدرسة الديوان، وسبب تسميتها بذلك

مدرسة الديوان، وسبب تسميتها بذلك

هؤلاء الثلاثة: العقاد، وشكري، والمازني، هم الذين يطلق عليهم -كما قلت- في تاريخ الأدب العربي: “مدرسة الديوان” أو أصحاب “مدرسة الديوان”؛ وهذه التسمية ليست دقيقةً؛ لأن “مدرسة الديوان” نسبة إلى كتاب (الديوان)، وكتاب (الديوان) الذي حَمَلَ الدعوةَ إلى التجديد، وفيه نقد للمحافظين، هذا الكتاب ألفه العقاد والمازني ولم يكتب فيه عبد الرحمن شكري كلمةً واحدةً، بالإضافة إلى أن المازني نقد عبد الرحمن شكري في هذا الكتاب نقدًا عنيفًا بعدما كتب شكري مقالًا اتَّهم فيه المازني بالسرقة من الأدب الإنجليزي؛ قال: إن المازني يأتي بأشعار من الشعر الإنجليزي ولا يُشير إلى أصحابها؛ فهذه سَرِقة.

بعد ذلك اغتاظ المازني منه ونقده نقدًا عنيفًا مُرًّا في كتاب (الديوان)، وأطلق عليه لقب “صنم الألاعيب”، واتهمه فيه بالجُنون والخَلل النفسي، وكان هذا فراقًا بين المازني وعبد الرحمن شكري، وكان شرخًا في جدار هذه المدرسة التي قامت على هؤلاء الثلاثة.

شكري بعد ذلك اعتزل الحياة الثقافية والأدبية؛ ولكن العقادَ استمر إلى أن تُوفي يكتب الشعر، ويكتب النثر، ويكتب المقالات، ويؤلف الكتب.

ومن شعر المازني كذلك الذي يعبر عن مأساة الضيق بالحياة وعدم احتمالها؛ نتيجةً لفرط إحساسه بخيبة الآمال، وتحدي الأحداث المستمر له. قوله:

لبست رِداء الدهر عشرين حِجةً

*وثنتين يا شوقي إلى خَلْعِ ذا البرد

عُزوفًا عن الدنيا ومَن لم يجد

*بها مرادًا لآمال تعلَّل بالزهدِ

وواضح من البيت الأول أن الإحساس بالضيق من الحياة والملل منها وعدم احتمالها مبكر جدًّا عند المازني؛ لأنه يقول: “لبست رداء الدهر عشرين حِجةً وثنتين”، يعني: وهو في عمر الشباب أو في شرخ الشباب، عنده اثنان وعشرون عامًا وعنده هذا الإحساس بالملل من الحياة؛ يقول:

تُراغِمُني الأحداث حتى كأنني

*وُجِدْتُ على كُرهٍ من الحدَثانِ

فلا هي تُصْمِي القلب مني إذا رمت

*ولا ترعوي يومًا عن الشَّنَآنِ

يقول: إن الأحداث تصيبه؛ لكنها لا تُمِيته ولا تتركه.

أبِيتُ كأن القلب كهف مهدَّمٌ

*برأسٍ مُنِيفٍ فيه للريح ملعبُ

والرأس المنيف: هو الجبل العالي، يقول: إنه يبيت ليلَه وقلبُه يشبه الكهفَ المهدَّمَ الذي يكون في قمة جبلٍ، الريح تلعب بهذا الكهف؛ كأن قلبه هذا الكهف.

أو أنِّيَ في بحر الحوادث صخرةٌ

*تُناطِحُها الأمواج وهي تُقَلَّب

يشبه نفسه بصخرة في بحر الحوادث تتقاذفها الأمواج من كل مكان، ثم يقول:

سأقضي حياتي ثائرَ النفس هائجًا

*ومن أين لي عن ذاك هَدْيٌ ومذهَبُ

على قَدر إحساسِ الرجال شقاؤُهم

*وللسَّعد جوٌّ بالبلادةِ مُشْرَبُ

يقول: إنه سيقضي حياته ثائر النفس على هذه الحياة غير مطمئن، هائجًا لا يقر له بال ولا يطمئن له قلب، يقول: إنه ليس له مذهب عن ذلك -فالاستفهام هنا للنفي- “على قدر إحساس الرجال شقاؤهم”: يقدر أو يبرر هذا الإحساس بالشقاء، بأن هذا الإحساس بالشقاء يأتي على قدر إحساس الرجال، وأن البليد هو الذي لا يحس بالشقاء. ويقول في النهاية:

…. …. …. ….

*وللسَّعد جوٌّ بالبلادةِ مُشْرَبُ

فهذا النوع من الشعر يعبر عن نفسٍ قلقة، أو عن نفس يستبد بها اليأسُ في كثير من الأحيان، لا تثق بالحياة ولا تطمئن لها ولا تستريح فيها، وإن كنَّا نقدر أن الأحداث التي قابلت هؤلاء الشعراء، وأن الظرف الذي نشئوا فيه كان ظرفًا صعبًا من كل الجهات؛ لكن بالتأكيد النفس الشاعرة لها دَخْلٌ كبير في هذا الإحساس المفرط بالتعاسة والتشاؤم واليأس من الحياة.

هذا الطابع كان طابعًا غالبًا على شعر المازني، وعلى شعر عبد الرحمن شكري، وعلى شعر العقاد، على اختلاف في درجته بين هؤلاء الشعراء الثلاثة.

فتسمية هؤلاء الثلاثة أو نسبة هؤلاء الثلاثة إلى الديوان إذًا ليست دقيقة؛ لأن شكري لا علاقة له بـ(كتاب الديوان)؛ بل إن حظه من كتاب الديوان كان النقد العنيف الذي ناله من صديقه القديم إبراهيم عبد القادر المازني. ولذلك أنا أميل إلى التسمية التي أطلقها بعض النقاد والمؤرخين والدارسين مثل الدكتور أحمد هيكل، يسميهم: أصحاب الاتجاه التجديدي الذهني. وبعض الدارسين يسميهم: جيل شعراء المذهب الجديد، أو: جيل المذهب الجديد؛ لأنهم دعوا إلى مذهبٍ جديدٍ في الشعر يختلف عن مذهب الشعراء المحافظين؛ فهذه التسمية أو تلك أدقُّ وأصحُّ من تسميتهم “أصحاب مدرسة الديوان”، وإن كانت هذه التسمية: “مدرسة الديوان” هي التسمية الأشهر في تاريخ الأدب العربي الحديث.

error: النص محمي !!