Top
Image Alt

مدى إدراك العقل للمصالح والمفاسد

  /  مدى إدراك العقل للمصالح والمفاسد

مدى إدراك العقل للمصالح والمفاسد

1. علاقة إدراك العقل بالتحسين والتقبيح، وآراء العلماء في ذلك: هذه المسألة، ذات أهمية وتأثير على موضوع إدراك المصالح، ولأن الإمام الشاطبي نفسه لم ينجُ من بعض الآثار السلبية لها، وخاصة تأثره بالنظرة الأشعرية إلى الموضوع. يصرح الإمام الشاطبي، بأن نظرته تنبني على ما تقرر في علم الكلام: أنه إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، ثم استدل على ذلك بأدلة كثيرة، منها: ما تبين -في علم الكلام والأصول- من أن: العقل لا يحسّن ولا يقبّح. وأما لماذا كان العقل غير قادر على التحسين والتقبيح؟ فلأن الأشياء والأفعال -حسب النظرية الأشعرية- ليست حسنة ولا قبيحة في حدّ ذاتها، فكيف يدرك العقل شيئًا غير موجود؟! أعني حسن الأشياء وقبحها، أي: صلاحها وفسادها، فليس عندهم شيء حسن إلا بتحسين الشرع له، وليس عندهم شيء قبيح إلا بتقبيح الشرع له، أما بدون تحسين الشرع وتقبيحه، فلا حسن ولا قبح. وهذا بالضبط ما يردّده الشاطبي؛ حيث يقول: “كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص بالشارع لا مجال للعقل فيه؛ بناءً على قاعدة نفي التحسين والتقبيح، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها مصلحة، وإلا فكان يمكن عقلًا ألا تكون كذلك؛ إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية، لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح”. فإذن: كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع بحيث يصدقه العقل وتطمئنّ إليه النفس. ومن أئمة الشافعية، الإمام عز الدين بن عبد السلام، الذي ذهب بعيدًا في مخالفة النظرة الأشعرية، فقال: “ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل؛ إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، واتفاق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وإن اختلف في ذلك؛ فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي أو الرجحان على أن إنكار ما في الأفعال من صلاح وفساد، ومن نفع وضرر، وأن العقول السليمة تدرك من ذلك الشيء الكثير، ليس فحسب خروجًا عن المعقول، وإنما هو تجاهل وتعطيل للدلالات الصريحة لكثير جدًّا من النصوص الشرعية فقد أمر القرآن الكريم بفعل الخير والصلاح والمعروف، ونهى عن الشر والفساد والمنكر، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والبغي، وأخبر أنه أحلَّ الطيبات وحرم الخبائث، فلولا أن لهذه المأمورات وهذه المنهيات معانٍ يعرفها المخاطبون لما كان لمخاطبتهم بها فائدة “. ولقد كتب الإمام ابن القيم الجوزية فصولًا بديعة وحاسمة في الموضوع، في كتابه (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة)، ومن بين الأدلة الكثيرة التي أفاض في ذكرها وأفاض في بيان دلالتها قول الله عز وجل: {وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] قال: “فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه، ولم يستفِ الطيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم؛ لوجهين اثنين، أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتجَّ بها على أهل الكتاب فقال تعالى: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]. فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل، فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لا فائدة فيه، وهو الوجه الثاني. فثبت أنه أحلَّ ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بحله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا. ومن غريب ما تصنعه الخصومات والصراعات، أن تجد الإمام الغزالي -رحمه الله- وهو عملاق الفكر الإسلامي، يخشى ويحذر أن يُنسب إليه ما نُسب إلى هؤلاء من التأثر بالمعتزلة، فقد همَّ أن يصرح بإدراك العقول للمصالح، ولكنه اختار عبارة حذرة، فقال فيما يخص حفظ النفوس: “وإنه أمر ضروري، والعقول مشيرة إليه وقاضية به لولا ورود الشرائع، وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه”. ونحن، وإن قلنا: إن الله تعالى له أن يفعل ما شاء بعباده، وأنه لا يجب عليه رعاية المصالح، فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد… إلى أن قال: “وهذا هو بيت القصيد، وإنما نبهنا على هذا القدر كي لا ننسب إلى اعتقاد الاعتزال، ولا ينفر طبع المسترشد عن هذا الكلام خيفة التضمخ بعقيدة مهجورة، يرسخ في نفوس أهل السنة تهجينها، فليعتقد هذا –أي: على هذا التأويل- أن العقول ترشد إلى الزجر عن القتل بالقصاص”، أي: أن العقول تستحسن القصاص حفظًا للنفوس وزجرًا عن العدوان عليها، حتى ولو لم ترد به الشرائع. 2. هل يفضي هذا إلى القول بإمكان الاستغناء عن الدين؟ أما أن القول بتحسين العقل وتقبيحه يُفضي إلى القول بإمكان الاستغناء عن الدين وشريعته، فهذا القول باطل من عدة وجوه: الوجه الأول: أن العقل نفسه يفضي بصاحبه إلى التصديق والإيمان بالأنبياء وما جاءوا به، وأنه الحق الذي لا مرية فيه. الوجه الثاني: أن العقل نفسه يرسل إلى الاقتناع بما حوته الشريعة من حفظ المصالح على أكمل وجه، وحتى إذا لم يكمل ذلك على وجه التفصيل، فإنه يصل إلى إدراكه على وجه الإجمال، ثم إننا نرى أن الناظر والدارس للشريعة الإسلامية كلما ازداد تعمقًا وتفقهًا فيها كلما ازداد إدراكًا لمحاسنها وكمال حفظها للمصالح جملةً وتفصيلًا. الوجه الثالث: فإن الناس مهما بلغوا في إدراك وتقدير مصالحهم ومفاسدهم، فإنهم يظلُّون بحاجة إلى تلك الحوافز الدينية القوية، التي تقوّي استعدادهم للالتزام العملي بحفظ المصالح واجتناب المفاسد، وهذا لا يتوفَّر إلا بالدين عقيدة وشريعة، ولأجل هذا كله كانت مصلحة الدين أولى المصالح، وأولاها بالرعاية والحفظ، فهو منبع لكل مصلحة أخروية ودنيوية. 3. إجمال الآراء في مدى إدراك العقل للمصالح والمفاسد: يقول الإمام ابن تيمية: “إن العلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: المعتزلة والقدرية وبعض الشافعية، وكثير من الحنفية يقولون: إنه ما أمر به ونهى عنه كان حسنًا وقبيحًا قبل الأمر والنهي، والأمر والنهي كاشف عن صفته التي كانت عليها، لا يكشف حُسنًا ولا قُبحًا، ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحِكمة تنشأ من الأمر نفسه. الثاني: الجهمية الجبرية والأشاعرة، ويقولون: ليس للأمر حِكمة تنشأ لا من نفس الأمر، ولا من نفس المأمور به، ولا يخلق الله شيئًا لحكمة، ولكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع، وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص، فليس الحسن والقبح عندهم من الأوصاف الذاتية للمحال، بل إن وصف الشيء يكون حسنًا أو قبيحًا، فليس إلا لتحسين الشرع أو تقبيحه إياه، وليس لها في ذاتها، ولا الأمر الخارج عنها صفة تكسب بها اسم الحسن والقبح. الثالث: وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة فقهاء الإسلام المشهورين. وأهل الفقه والحديث اعتبروا الأمر على ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يكون الفعل مصلحة أو مفسدة ولم يرد الشارع بذلك، فهذا النوع حسن أو قبيح، كالعدل مشتمل على مصلحة، والظلم مشتمل على مفسدة، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، فهو لم يثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك. النوع الثاني: أن ما أُمر به ونُهي عنه اكتسب حسنًا من الأمر، وقبحًا من النهي، كالخمر صارت خبيثة بتحريمها. النوع الثالث: ألا يكون في الفعل مصلحة أبدًا إنما تكمن الحكمة في الأمر كما جرى للنبي إبراهيم عليه السلام في قصة الذبح، فكان المقصود الابتلاء، فالمعتزلة لم يعتبروا أمر الشارع، بل زعموا: أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك. أما الأشعرية: فقد ادعوا أن الأفعال ليس لها صفة لا قبل الشرع، ولا بالشرع، ولا يعتبرون الحكمة، وأن الشريعة من قسم الامتحان. وأما الحكماء والجمهور: فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب، وفصل الخطاب في هذا: أن الحسن والقبح قد يثبت للفعل في نفسه، ولكن لا يثيب الله عليه، ولا يعاقب إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة، وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة. وأما: لماذا كان الفعل غير قادر على التحسين والتقبيح؟ فلأن الأشياء والأفعال حسب نظرية الأشعرية ليست حسنة ولا قبيحة في ذاتها، فكيف يدرك العقل شيئًا غير موجود؟ أعني: حسن الأشياء وقبحها، أي: صلاحها وفسادها، فليس عندهم شيء حسن إلا بتحسين الشرع له. أما بدون تحسين الشرع وتقبيحه فلا حسن ولا قبح، أي: لا حسن ولا قبيح، ومن هنا: نشعر بأن تأثير الأشعري واضحً في كلام الشاطبي وغيره. أما المعتزلة: فيرون أن القبح والحسن ذاتيان عقليان، أي: أن الأشياء والأفعال والتروك، موصوفة بالصلاح والفساد قبل أن يأتي حكم الشرع بذلك، وأن العقل يدرك ذلك ويثبته، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى أن الإنسان العاقل مكلف بمقتضى عقله عند عدم وجود الحكم الشرعي، ما دام الحسن والتقبيح عقليين. أما الماتريدية فقد أثبتوا كون الحسن والقبح ذاتيين عقليين، ولكنهم لم يرتّبوا على ذلك ما رتبه المعتزلة، ولم يعتبروا أن التكاليف والأحكام الشرعية تثبت بمجرد العقل، بل لا بد لذلك من السمع.

error: النص محمي !!